جورج مارك بنامو هو صحفي فرنسي عمل لسنوات رئيسا لتحرير مجلة «لوفنمان دوجودي، وأيضا لمجلة «غلوب» الشهيرة. أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة في فرنسا، إذا أنه يتحدث عن العلاقات المعقدة التي أقامها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران مع مجموعة الضغط «اللوبي اليهودي» في فرنسا. وكان «جورج مارك بنامو» أحد القلائل الذين اختارهم فرانسوا ميتران خلال الأيام الأخيرة من حياته كي يمضي معهم بعض الوقت. عنوان هذا الكتاب: «أيها الشاب لا تعرف عمّا تتكلم » هي في الأصل جملة كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قد قالها ذات يوم من عام 1994 عندما كان يتناول طعام العشاء في أحد المطاعم الباريسية الضخمة مجيبا عن بعض الأسئلة «المثيرة للغضب» التي كان الصحفي بنامو قد طرحها عليه. هكذا اختار هذا الصحفي الجملة نفسها بعد سبع سنوات كعنوان لكتاب حوارات أجراها مع الرئيس ميتران في أيامه الأخيرة. وهي حوارات فيها الكثير من الكلام الصريح وغير المألوف من قبل الرئيس ميتران المعروف بصداقاته الحميمة لليهود، لكنه لم يتردد، كما ينقل عنه مؤلف هذا الكتاب، في توجيه نقده العنيف لـ«اللوبي اليهودي»، كما يتحدث عن المارشال بيتان الذي كان رئيسا لحكومة فيشي التي «تعاونت» مع الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، وعن عدد من القضايا الحساسة الأخرى وبطريقة لم يفعلها أبدا من قبل، على الأقل رسميا. نقطة الضعف الأساسية والجوهرية تتمثل في كون ميتران قد رحل، وليس هناك أية إمكانية للتحقق مما يورده المؤلف اعتمادا على «صاحب العلاقة» نفسه. مع ذلك من الثابت أن جورج مارك بنامو كان أحد الأصدقاء المقربين من الرئيس الفرنسي الراحل خلال سنوات 1992 ـ 1995. ثم ان مثل هذه الشهادة التي يقدمها عن فرانسوا ميتران وموقفه من «اللوبي اليهودي» تتماشى مع ما قاله جون أوريسون، عضو الأكاديمية الفرنسية في كتابه الذي يحمل عنوان «تقرير جبرائيل» وتحدث فيه عن لقائه الأخير مع الرئيس فرانسوا ميتران في صباح آخر يوم له في قصر الأليزيه عام 1995 (17 مايو)، أي في اليوم الذي تم فيه نقل السلطات الرئاسية للرئيس الحالي جاك شيراك، في ذلك اليوم سأل أوريسون الرئيس ميتران عن علاقته بـ«بوسكيه» أحد رموز نظام فيشي ومناهضة السامية في فرنسا، وقد جاء في اجابته: «لقد استمع لي ميتران دون أن يبدي أية استثارة ظاهرة، ونظر لي ثم قال: انك تلحظ هنا النفوذ القوي والمؤذي للوبي اليهودي في فرنسا». تجدر الاشارة في هذا السياق ان فترة 1992 ـ 1995 كانت تلك هي التي عاش فيها فرانسوا ميتران صراعا مريرا مع المرض، كما كانت فترة «تعايش» بينه، كرئيس جمهورية، وبين أدوار بالادور كرئيس وزراء يميني. باختصار كانت فترة قلقة أدى فيها اقتراب شبح الندية إلى «التحرر» من موجبات السلطة وبالتالي إلى الحديث بقدر أكبر من الصراحة عما كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قد حرص على «اخفائه» طيلة سنوات عديدة، وخاصة فيما يتعلق بسنتي 1942 و1943، أي خلال فترة حكم الجنرال «بيتان» التي يؤكد مؤلف هذا الكتاب بأنها تركت بصماتها العميقة على مسيرة الحياة السياسية للرئيس ميتران. ويكاد المؤلف أن يصف هذا الزعيم الاشتراكي بأنه كان آنذاك «يمينيا متطرفا» ومواليا لـ«الصليب المعقوف.. رمز النازية ـ في الوقت الذي كان فيه المقاومون يؤمّون لندن حيث كان ينضم زعيم فرنسا الحرة الجنرال شارل ديجول»، كان عمر فرانسوا ميتران آنذاك هو 26 سنة. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن ميتران كان لايزال في عام 1994 «معجبا» إلى هذا الحد أو ذاك بالمارشال بيتان وأيضا بشخصيات أخرى تعاونت مع حكومة فيشي وخاصة الجنرال «لافال» الذي يصفه ميتران بأنه كان «شخصية فذّة»، وبأنه كان ذا عقل تحديثي ويتمتع بقدرات فكرية عالية، وأيضا «رونيه بوسكيه» الوزير الشاب الأكثر شهرة في فرنسا آنذاك. ويبدو تأكيد مؤلف هذا الكتاب على أهمية فترة حكومة فيشي بالنسبة للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران من خلال جملة قال فيها: «لم يكن فيشي مجرد تفعيل في حياتهم ـ أي ميتران ورفاق صباه ـ وانما الماء الذي روى الحياة كلها: الينبوع، تجدر الاشارة هنا إلى أن الكاتب الفرنسي بيير بيان كان قد نشر قبل سنوات كتابا عن حياة ميتران تحدث فيه خاصة عن سنوات الحرب العالمية الثانية وأكد على علاقة الرئيس ميتران بالمارشال بيتان، ولكن خاصة بالوزير «رونيه بو سكيه» أهمية هذا الكتاب الجديد لجورج مارك بنامو هي أن ميتران نفسه يؤكد تلك العلاقات. هنا يبرز سؤال كبير عن الأسباب التي دعت أولئك الذين كانوا يعرفون ذلك منذ فترة طويلة قد لزموا الصمت لم يتفوهوا بكلمة رغم كثرتهم؟ بل ويكاد مؤلف هذا الكتاب يؤكد بأن «الجميع» كانوا يعرفون ذلك. الرأي السائد هو أن فرانسوا ميتران قد استخدم علاقاته مع حكومة فيشي من أجل «تغطية» نشاطاته السرية في صفوف المقاومة. ومن المؤكد أنه كان له أصدقاء كثيرين في صفوف المقاومة ولكن أيضا في صفوف المتعاونين مع حكومة المارشال بيتان بل وإن احدى اخواته ـ اخته المفضلة ـ ربما انها قد عاشت خلال سنوات 1942 ـ 1947 مع أحد الموظفين الذين كانوا تابعين لمصلحة «المسائل اليهودية» في حكومة فيشي. بكل الأحوال يبدو بوضوح أن جورج مارك بنامو لا يولي أهمية كبيرة لنشاطات الرئيس الفرنسي السابق في صفوف المقاومة اعتبارا من عام 1943 حيث كان على رأس «حركة لسجناء الحرب». ما يتفق عليه الجميع هو أن الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قد حافظ باستمرار على صداقاته مع بعض رفاقه في فترة فيشي، لكنه بالمقابل كان قد أصبح الرئيس «صديق اليهود» وكان أول رئيس فرنسي يقوم بزيارة رسمية إلى اسرائيل كما أحاط نفسه بعدد كبير من المستشارين والوزراء اليهود. مع ذلك.. وذلك يؤكد بنامو بأن ميتران «كان يحب فيشي، كان ذلك أقوى من أن يستطيع مقاومته» تجدر الاشارة هنا أيضا إلى أن العديد من المؤرخين قد بدأوا منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي بـ«التنقيب» في ماضي الرئيس الفرنسي الراحل ميتران والمطالبة بـ«الاعتراف» بأن هناك أخطاء كثيرة قد تم اقترافها أثناء الاحتلال النازي. لكن ميتران رفض الاعتراف حتى النهاية، بل ويؤكد جورج مارك بنامو بأنه قد غضب بشدة من الخطاب الذي تلفظ به الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك في شهر سبتمبر من عام 1995 بمناسبة ارسال عدد من اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية أثناء الحرب العالمية الثانية واعتبر ميتران بأن الخطاب موجهاً ضده شخصيا وأن أيدي «اللوبي اليهودي» القوي وراء ذلك بقصد الاساءة له. ويرى مؤلف هذا الكتاب ضمن النهج نفسه من التفكير بأن الرئيس ميتران كان يرى خلال سنوات 1990 ـ 1995 لم يكن شخص آخر سوى «سيرج كلاسفيلد» رئيس جمعية أبناء وبنات المعتقلين اليهود الفرنسيين في السجون النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ويؤكد بنامو بأن ميتران قد اعتبر بأن هذا المحامي اليهودي كان وراء العديد من مظاهر الاحتجاج التي واجهها في مناسبات عديدة وبأنه كان يريد دائما أن ينتزع منه «تنازلات» أكثر. كان يراد «اذلاله»، كما اشتكى لمؤلف هذا الكتاب، ودفعه الى اتخاذ مواقف علنية مؤيدة لليهود، الأمر الذي كان يرفضه باستمرار. لكنه كان يعتقد بأنه لم يرتكب أي خطأ حقيقي حيال اليهود الفرنسيين. ومن هنا جاء غضبه الشديد من كلاسفيلد ومن «حركة الشبيبة اليهودية اليمينية» ومن أعيان اليهود في فرنسا. لقد كان يعتبر نفسه الرئيس «حديث اليهود» وفي ظل رئاسته تمت محاكمة «كلاوز باربي»، أحد المقربين من أدولف هتلر والذي تمّ جلبه من أمريكا اللاتينية لمحاكمته بسبب جرائم الحرب التي اقترفها، كما تمت أيضا محاكمة عدد آخر من رموز المتعاونين مع النازية. هذا ويمكن تلخيص موقف الرئيس الفرنسي السابق من اليهود، كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب، بأنه كان نوعا من «النفور مع الاعجاب» بالاضافة إلى «مشاعر قديمة مناوئة لليهود على خلفية كاثوليكية». وهذا كله أدّى إلى نوع من «اللامبالاة» حيال مصير اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. لذلك حاول جاهدا فيما بعد أن «يصحح» ذلك ولكنه دون أن يحاول التنكر لماضيه. ويروي جورج مارك بنامو أنه كان ذات يوم برفقة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران كان ذلك في شهر يناير من عام 1994، حيث ذهبا لتناول طعام العشاء في أحدالمطاعم الباريسية وهناك وجدا حول طاولة قريبة «موريس بايون»، أحد ضباط حكومة فيشي، برفقة زوجته وبعض الأصدقاء. التحقت زوجة الرئيس الفرنسي السيدة «دانييل ميتران» مع ثلاثة أصدقاء بالرئيس ومؤلف هذا الكتاب الذي حاول أن يثير انتباه الرئيس ميتران والآخرين بنوع من «الاستكشاف» الصحفي وقال: «وهذا الوغد يتناول العشاء في المدينة». لم يصدر أي رد فعل من أحد الحضور. فأضاف: ويبدو أنه يتمتع بالحماس نفسه الذي أرسل فيه القطارات الأولى من المعتقلين في مدينة بوردو عام 1942 مثلما ألقى الجزائريين في نهر السين بتاريخ 17 اكتوبر 1961 ـ كان بابون آنذاك محافظا لشرطة باريس». يضيف المؤلف: «هذه المرة نظر ـ ميتران ـ بي محدقا دون أن يتفوه بكلمة» فأضفت: تصور سيادة الرئيس أن يكون رجال الشرطة الذين ألقوا جزائريين في نهر السين عام 1961 بالعمر الذي تمت فيه عملية اعتقالات 1942. وهذا كله تحت أوامر الموظفين الكبار أنفسهم». عند ذلك تدخلت السيدة دانييل ميتران وقالت: «بابون.. هل تتذكر فرانسوا عندما تعرّضت لمحاولة اغتيال (بتاريخ 16 اكتوبر 1959، والتي تم اتهام ميتران أثناءها بأنه هو الذي قام بعملية اخراج مسرحي لتلك المحاولة لكسب الاهتمام به) حيث استدعاني بابون ليلا كي يخطرني بذلك.. لقد كان لائقا معك جدا أثناء ذلك.. كم كانت حقيقة رهيبة، كنا وحيدين جدا.. وكان الديجوليون آنذاك مثل الغستابو، أي الجهاز السري الألماني». رمق ميتران زوجته بنظرة صاعقة (..) ثم استدار نحوي ببطء وبدت صورته رهيبة وقال لي: «أيها الشاب.. انك لا تعرف عما تتكلم». وأضاف: هنا ، وفي زمن السلم وبعد خمسين سنة لا تعرف عمّا تتكلم. انك تصدر أحكاماً دون أن تعرف سياق المرحلة ودون أن تعرف أن المطلوب كان آنذاك أن ينجو الانسان بجلده (..). بالنسبة لبابون، لاشك بأن أولئك الذين عينوه أو تركوه في مكانه، مثل ديجول، كانوا يعرفون ماذا يفعلون. وكان لديهم ملفاتهم». ثم أشار ميتران نحو بابون قائلا: «ماذا تريدون أن تفعلوا به. هيا انتزعوه من فراشه بهذا السن وأصدروا عليه حكما بالموت!». ومرمر في النهاية «كفى..كفى.. كفى». خرج بابون أولا من المطعم، وتبادل الرجلان، بابون وميتران تحية «تكاد لا يلحظها أحد». ان هذا الكتاب، ومثل جميع الكتب التي تتعرض لأي شيء يمس من قريب أو بعيد اليهود، أثار ضجة كبيرة في فرنسا حيث نشر عدد من أصدقاء الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران «رسالة مفتوحة» وجهوها إلى العديد من وسائل الاعلام ووقعها عدد من الشخصيات السياسية والفكرية الفرنسية من بينها وزير الزراعة الحالي «جان غلافاني» والكاتب «جان لاكوثور» الديجولي المعروف ومؤلف كتاب عن سيرة حياة فرانسوا ميتران والكاتبة ادموندا شارل وغيرهم. لقد أكدوا بأن الرئيس ميتران عرف في ظل الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية مخاطر أكثر بكثير من أولئك الذين يحاكمونه اليوم». ولم يترددوا في اتهام مؤلف هذا الكتاب «جورج مارك بنامو» بأنه قد تبنّى مقولة مؤداها «من أجل تأمين مبيعات أكثر ينبغي اثارة فضيحة. وحتى لو كان ذلك على قاعدة ذكرى رجل ميت كان يلقى في حياته كل مظاهر التبجيل والخضوع». لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أيضا بأن «فرانسوا ميتران» لم يكن معاديا للسامية بل كان صديقا لليهود وكان اليهود يحبونه». لكن عداء اليهود بدا عبر حادثين، احدهما تمثل في دعوة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى فرنسا عام 1989، وثانيهما استقبال ميتران بمظاهرات عدائية عنيفة عام 1992 عندما أراد المشاركة في الذكرى الخمسين لاعتقال عدد كبير من اليهود وارسالهم إلى معسكرات الاعتقال. وهذا ما اسماه المؤلف بـ«حرب الذاكرة» التي تواجه فيها قسم من اليهود والفرنسيين، خاصة من المثقفين والشباب، ضد «الذاكرة الفرنسية القديمة» ممثلة بالرئيس فرانسوا ميتران. هذا الكتاب عن أحد أكثر الشخصيات السياسية الكبيرة تعقيدا وابهاما. ولكن أيضا ثقافة وامتلاكا لناصية الحس التاريخي إلى جانبه، بل في مواجهة الجنرال شارل ديجول.