مؤلفة هذا الكتاب هي احدى أهم الاخصائيين الانجلوسكسونيين بالصين عامة وبـ «طريق الحرير» بشكل خاص حيث تقوم منذ عدة سنوات بجمع كل المعلومات والوثائق حول هذا الموضوع. أصدرت العديد من الكتب مثل «اسطورة البروج الصينية» و«وثائق من آسيا الوسطى» و«صناعة النسيج في الصين» و«كتاب الادب الصيني» بالمشاركة مع آخرين. هذا الكتاب يخص فترة تاريخية محددة لـ «طريق الحرير» تمتد بين عام 750 وحتى 1000 ميلادية. إنها الفترة التي تقاطرت فيها افواج متلاحقة من التجار والمبشرين والزهاد والمتسولين والجنود عبر طريق الحرير باتجاه آسيا الوسطى والصين. إن هذه الطريق التي تصل بين اوروبا وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى وتمر عبر بلدان كثيرة فيه الكثير من المحطات، المدن المهمة مثل سمرقند، كما تقطع العديد من الفيافي والقفار. كان التجار يبحثون عن العنبر في بلاد البلطيق واحجار اللازورد في افغانستان والحرير من الصين ـ ومن هنا جاءت تسمية طريق الحرير ـ والاصواف من السهوب المنغولية. أما الفئات الاخرى كلها فإنها كانت تبحث عن الميدان الذي تهتم به. إن هذا الكتاب يهتم أولا وأساسا بتوصيف حياة مجموعات من اولئك الذين كانوا قد سلكوا طريق الحرير، وايضا حياة سكان بعض المدن في آسيا الوسطى باعتبار انها كانت محطات أساسية على ذلك الطريق، وذلك خلال أكثر من قرنين من الزمن بين منتصف القرن الثامن وأواخر القرن العاشر. وتكرس المؤلفة أهمية خاصة لوصف حياة أولئك الرحّل الذين كانوا يعبرون الصحارى والسهوب من آسيا الوسطى حتى الصين لبيع بعض المنتوجات والحيوانات. لكن هذا الطريق لم يعرف فقط أصحاب التجارة المزدهرة وإنما ايضا عاش الكثيرون ممن «جاوروها» على التسول من اجل تأمين سبل البقاء. ان المؤلفة تستخدم في الواقع الكثير من المصادر الحديثة كي تلقى بعض الاضواء الجديدة على أولئك الذين ولجوا دروب «المغامرة» عبر طريق الحرير، وايضا على المدن التي جاورتها وعلى نمط حياة سكانها. الصورة السائدة عن آسيا الوسطى عبر التاريخ هي بالاحرى «صورة سلبية» هذه هي النقطة التي تنطلق منها المؤلفة في حديثها عما في هذه المنطقة من العالم، لكنها منطقة تقوم على تخومها حضارات انسانية كبرى. وهي، كما كانت منذ العهود القديمة، ذات أهمية استراتيجية كبيرة تطلعت نحو الفوز بها الحضارات المجاورة من عربية وصينية وتركية وفارسية. وتضيف لها المؤلفة «تيبيتيه» هذا فضلا عن الطموحات الاوروبية والقيصرية الروسية ثم السوفييتية ـ في العصر الحديث ـ من اجل السيطرة عليها. تمتد آسيا الوسطى حسب الخرائط المعتمدة من تخوم البحر الكاريبي وحتى الصين، لكن رقعة الاهتمام الجغرافي الرئيسية في هذا الكتاب لا تعطي في واقع الأمر هذه المنطقة كلها وإنما تنحصر بشكل أساسي بين سمرقند في شرق أوزبكستان حاليا، وحتى شانجان أي كسيان في الصين حاليا. وتتناظر الحدود الشمالية للمنطقة المدروسة مع حدود منغوليا الحالية. ان فهم أحداث منتصف القرن الثامن وآليات السيطرة على «طريق الحرير» آنذاك يقتضي بالضرورة فهم طبيعة الصراعات التي كانت سائدة في آسيا الوسطى على السلطة. وكانت هذه المنطقة أحد المواقع الأولى لأفواج من المحاربين «الرحّل» وعلى رأسهم الحتيين، كما كانت موطن ترويض «الاحصنة وصناعة العربات التي نقلتهم كـ «غزاة» الى مختلف مناطق اوروبا وآسيا. وكان المؤرخ اليوناني «هيرودوت» قد تحدث طويلا عن آسيا الوسطى، كما جعل الاسكندر الاكبر من الوصول الى «سمرقند» أحد أهدافه العسكرية. أما المؤرخون الصينيون الاوائل فقد اعتبروا بأن الصين وحدها كانت تضم حضارة كبيرة بينما كانت الشعوب المجاورة كلها تصنّف تحت خانة «البربرية». وما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب بالاعتماد على المصادر الجديدة التي تم اكتشافها عبر الحفريات الاثرية العديدة هو ان الصين كانت تتمتع بتفوق عسكري واضح بالقياس الى جيرانها بينما كانت التيبت صاحبة أهم ثقافات المنطقة. وكانت المنطقة المحيطة بـ «طريق الحرير» قد غزت طيلة خمسة قرون من الزمن ما بين القرن الثالث والقرن الثامن تبدلات ثقافية وسياسية كبيرة، ففي مطلع القرن السابع تأسست الامبراطورية التيبيتية الاولى، وبرز فيما بعد دور الخلافة الاموية الى جانب عدة قرى اخرى كانت ذات علاقة وثيقة بـ «طريق الحرير» على رأسها الصين والتيبت. وقد انتصر العرب في عدة مجابهات عسكرية ضد الصينيين والتيبتيين في مطلع القرن الثامن عشر، وهكذا كان لهم باع طويل في تقرير مصير «طريق الحرير». في منتصف القرن الثامن انتقلت الخلافة مع العباسيين الى بغداد وكانت سلالة «تانج» تسيطر على امبراطورية الصين، في الوقت نفسه كانت «سمرقند» عقدة تجارية مركزية على طريق الحرير، وكانت الصين هي بمثابة «السوق» الأساسي لبيع وشراء المنتوجات التي تمر عبر ذلك الطريق. كما ان الصين احتفظت بأسرار انتاج الحرير لقرون طويلة قبل ان تتوصل الشعوب الاخرى الى امتلاك تقنيات انتاجه، لكن الحرير الصيني احتفظ باستمرار بمميزات الجودة. وكان الاسرى الصينيون الذين تم اقتيادهم الى دمشق بعد مجابهة بين الجيوش العربية ونظائرها الصينية هم الذين نقلوا معهم آليات صناعة الحرير الطبيعي، كما تؤكد الواقعة في تحليلاتها. كانت الجمال هي احدى وسائل النقل المستخدمة لنقل البضائع والمنتوجات عبر طرق الحرير باعتبار انها كانت تستطيع تحمل الاختلافات الكبيرة والمتطرفة في درجات الحرارة. وكان العديد من التجار الكبار يصطحبون معهم شبابا فتيانا مهمتهم العناية بالقوافل، كما كانوا يصطحبون معهم احيانا فرقا موسيقية كي تقوم بالعزف والغناء في الساحات العامة لمدن أسواق الحرير، الأمر الذي ترى به المؤلفة نوعا من «التبادل الثقافي» بين مختلف البلدان المعنية وذلك ضمن اطار النشاطات «الرديفة» التي ازدهرت حول طرق الحرير. وعلى هامش دراسة التطور التاريخي للظروف التي احاطت بطرق الحرير، تقوم مؤلفة هذا الكتاب بدراسة العلاقات «التنافسية» التي قامت بين القوى الأساسية في المنطقة وخاصة بين الصين والتيبت اللتين تدهورت العلاقات بينهما طيلة القرون الثلاثة الأخيرة من الألفية الأولى. وكانت العلاقات الصينية للتيبت عام 737، هذا على الرغم من معاهدة السلام التي كان مانشا قد قامت بتوقيعها عام 730 ميلادية، لقد كانت السيطرة على طرق الحرير هي «مفتاح» الهيمنة على المنطقة كلها. إن مؤلفة هذا الكتاب تكرس فصلا كاملا للحديث عن المكانة السامية التي اكتساها الحرير كرمز من رموز الرفعة الاجتماعية في الصين. لقد كان اللباس المفضل لدى اميرات تلك البلاد. هكذا كان من المهمات الأولى المطروحة على عاتق الجنود حماية القوافل التي كانت تذهب بعيدا في بعض الاحيان من اجل الحصول عليه. كذلك تقوم المؤلفة في هذا الفصل بدراسة دلالات تطور استخدام الحرير في الالبسة الصينية وربط هذا التطور مع السياق العام للتاريخ الصيني خلال القرون الثلاثة الاخيرة في الألفية الأولى. ويتم ضمن هذا السياق ابراز الاهمية «الرمزية» التي اكتساها الحرير في المعابد البوذية كما تدل الروايات الكثيرة التي تسوقها «سوزان ويتفيلد» لترسم من خلالها صورة لنمط العلاقات التي كانت سائدة داخل تلك الاماكن المغلقة ذات الطقوس الخاصة. في المحصلة يبين هذا الكتاب طريق الحرير بكل تشعباته التي جعلت منه نوعا من «شبكة الطرق» لم تكن مجرد سبل لعبور القوافل المحملة بالسلع والمنتوجات المختلفة وإنما ايضا وسيلة للتواصل الثقافي بين حضارات مختلفة، تواصل بعض المدن في آسيا الوسطى، وخاصة سمرقند كان بمثابة «بوتقة» جرت فيها كل تفاعلاته وتداخلاته الاجتماعية والادبية والفنية وغيرها، واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب قد أكدت كثيرا على الدور الكبير الذي لعبه العرب على صعيد تنامي أهمية مدن طرق الحرير فإن انظارها اتجهت قبل كل شيء نحو الصين موضوع اختصاصها الرئيسي. «هذا الكتاب هو كنز» كما قالت عنه صحيفة «صوت شاينا مورننج بوست». الكتاب: الحياة بمحاذاة طريق الحرير تأليف: سوزان ويتفيلد الناشر: جون موراي ـ لندن 2001 الصفحات: 242 صفحة من القطع المتوسط