«جان فرانسوا كان» مؤلف هذا الكتاب هو صحفي وكاتب فرنسي يترأس حاليا تحرير مجلة «ماريان» الأسبوعية التي كان قد أسسها قبل حوالي عامين وكان قبلها رئيسا لتحرير مجلة «ايفنمان دو جودي» وقد اتخذ العديد من المواقف التي بدت مغايرة للاطروحات السائدة مثل موقفه من حرب كوسوفو، حيث لم يكن مؤيداً للضربة العسكرية الجوية التي قامت بها القوات الأطلسية، كما اتخذ مواقف صريحة ضد توجهات اليمين الاسرائيلي واعتبره المسئول الأول عن تعطيل عملية السلام في الشرق الأوسط، نشر العديد من الكتب والدراسات. فكرة هذا الكتاب الجديدة «المتمردون، أولئك الذين قالوا لا» تعود في الأصل إلى ملف كانت مجلة «فاريان» قد نشرته عام 1999 بعنوان «المتمردات» كرسته للنساء اللواتي قلن «لا» عبر التاريخ، وأثار العديد من التعليقات والنقاشات، وانطلاقاً من هذه الفكرة طرح «جان فرانسوا كان» تساؤلاً جوهرياً يقول: ماذا يعني ان يكون الانسان متمرداً؟ «التمرد» نقيض «الخضوع» والتمرد هو ذلك الذي يقول «لا» لما يتفق عليه لكل الذين يحيطون به تقريبا، هذا ينطبق على مختلف الميادين، وخاصة على رجال السياسة الذين ينقسمون إلى تيارين عريضين، تيار يريد «تغيير العالم» وتيار آخر يحرص على تسيير آليات المجتمع السائد، وهنا يشير المؤلف إلى «خطأ شائع» وهو ان المتمردين ينتمون بالأحرى إلى معسكر اليسار بينما الآخرون «الخاضعون» هم بالتالي من أهل «اليمين»، ان الجنرال شارل ديجول «اليميني» هو الذي أطلق صيحة المقاومة القوية من لندن أثناء الحرب العالمية الثانية، وترأس جيش «فرنسا الحرة» حتى الانتصار النهائي وجلاء الاحتلال الألماني. ويرى المؤلف ان فكرة «التمرد» تشكل إحدى الأساطير المؤسسة للمجتمعات الغربية، وذلك منذ اليونان القديمة حيث اختار «زيوس» المقاومة ضد «كرونوس» الذي كان يلتهم أطفاله، كما تقول الأسطورة، كذلك استمر زيوس بطل الياذة هوميروس يقول «لا» لكل ما أراد ومن أراد، ان يحول بينه وبين العودة إلى مدينته بعد ان تاه في البحر سنوات عديدة. بكل الأحوال ما بين «التمرد» و «الثورة» هناك «خطوة واحدة» لكن تجارب التاريخ الماضي أساءت كثيراً إلى الصورة المثالية للمشاريع الثورية التي تبدت في أحيان كثيرة غير وجهها الذي طرحته مسيرة العلوم بشكل خاص، أظهرت أهمية «التمرد»، وان لكلمة «لا» دور هائل في تقديمها، مثل تلك التي قالها كوبر نيكوس أو جاليليو جاليلي عندما أصر على ان الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، كما كان يسود الاعتقاد. إن الهدف الأول الذي يسعى إليه مؤلف هذا الكتاب هو في واقع الأمر محاولة البحث في دلالات «التمرد» وأعمال «المتمردين» السابقين في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي وليس في الأشكال التي حاولت «توظيفها» فيما بعد لمصالح خاصة بها، ذلك ان الكثير من التحديات السابقة تحولت مع مرور الزمن إلى نوع من «أحادية الفكر» الذي يرفض ما عداه، هكذا من الشائع اليوم اطلاق صفات ليست «الرجعية» أقلها على كل من يسمح لنفسه بالاعتراض على أفكار وممارسات سياسية واقتصادية وثقافية، بل وحتى أخلاقية، ليست هي ذاتها سوى نتاج لا فعال فيها الكثير من التمرد بالأصل، ان الكثير من الأفكار الثورية في سياق محدد وفي اطار تاريخيتها والتعيينات التي تمت على أساسها تغدو مع مرور الزمن ذات طبيعة «تغاير» طبيعتها الأساسية، وحتى الفكر اللبرالي الجديد السائد اليوم في ظل العولمة واقتصاد السوق انما يقول بانتمائه إلى الجبهة التي «تمردت» على الأنظمة التوتاليتارية وكانت تمثل الصوت «المتمرد». لكن لابد من الاشارة بأن «التمردات» لا تحمل دائماً في طياتها توجهاً تحررياً هذا ما تشير إليه دروس عديدة من التاريخ، إذ لا يمكن تسمية أشكال التمرد التي قام بها ضباط فرنسيون ضد إرادة استقلال الجزائر الصيغة التي توجه الجنرال ديجول حسبها، لقد رفض أولئك الضباط الانصياع لأوامر قيادتهم وقاموا بعملية «عصيان» كان لها نتائج مأساوية. في المحصلة هناك فرق كبير بين «التحريض» وبين «الفعل الثوري» الذي يرى به الكثيرون ملح الأرض وأنه رديف لـ «التمرد» بالمعنى الإيجابي وبالصيغة التي دافع فيها شاعر رومانسي كبير مثل «فيكتور هوجو» عن الانتخاب بـ «الاقتراع العام المباشر» كما حارب «عقوبة الإعدام». لقد تقدم هذا الشاعر في أطروحاته قرنا ونصف القرن عن المسيرة التاريخية كما شهدها الواقع، لكنه دفع بالمقابل غالياً ثمن انه قال «لا» في وجه نابليون الثالث مما كلفه ثمانية عشر عاماً من النفي، لقد سار فيكتور هوجو على عكس التيار الذي كان يسير فيه أولئك الشباب البرجوازيون في القرن التاسع عشر. ان الظاهرة التي يشير إليها المؤلف في حياة أهم الشعراء الفرنسيين في كل العصور أو على الأقل أحد أهمهم، هي ان درجة «تمرده» كانت تتعاظم بقدر ما كان العمر يتقدم به، وكان قد قال حول عقوبة الإعدام: «ان عقوبة الإعدام مؤشر خاص على البربرية وفي كل مكان تمارس فيه عقوبة الاعدام تهيمن بالبربرية، ان مكمن الجرأة الحقيقي لدى «فكتور هوجو»، يكمن بشكل أساسي، كما يرى مؤلف هذا الكتاب، في جرأته على معارضة الافكار التي كانت الأغلبية الساحقة تقول بها باختصار تجرأ فكتور هوجو على ان يقول «لا». لقد طالب فكتور هوجو بإلغاء عقوبة الإعدام قبل مئة وخمسين عاماً، لكن الغاءها في فرنسا لم يتم سوى في عام 1981، وبعد انتخاب الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران على رأس الدولة، وبعد ان خاض وزير العدل آنذاك «روبير باونتر» معركة حامية ضد أولئك الذين طالبوا بالابقاء على عقوبة الإعدام كي لا تتزايد الجرائم، لكن الواقع أكد خطأ رأيهم، إذ ان نسبة الجرائم تزايدت في البلدان التي أبقت عليها مثل الولايات المتحدة الأمريكية بينما تضاءلت في دول عمدت إلى إلغائها، كما هو الحال في فرنسا، إن الجميع يستطيعون الآن المطالبة صراحة بالغاء عقوبة الإعدام، لكن فكتور هوجو كان حالة شبه فريدة في عصره، ومن هنا يكتسي مفهوم «التمرد» أقصى دلالاته. على نفس الغرار كانت المقالة ـ الرسالة التي وجهها الروائي اميل زولا لرئيس الجمهوية الفرنسي على الصفحة الأولى من صحيفة «اورور» للدفاع عن الضابط «وريلوس» الذي كان قد تم اتهامه ظلماً بالتعامل مع ألمانيا بمثابة صرخة «تمرد» ضد حالة من الصمت سادت بين أوساط المثقفين الفرنسيين، وإلى اليوم لا تزال تلك الرسالة التي حملت عنوان «اني اتهم» بمثابة أحد المرجعيات الأساسية في الموقف المبدئي للمثقف في علاقة مع السلطة، لم يرضخ زولا أمام كل أشكال الهجومات اللفظية والتهديدات التي تعرض لها. إذا كان قول «لا» في مواجهة التيار السائد أمراً يحتاج إلى الكثير من الشجاعة ومن روح «التمرد» فإن هذه الـ «لا» تصبح أكثر دلالة وعمقاً عندما يقوم الإنسان بالقطيعة مع معسكره المثال الأبرز الذي يقدمه المؤلف لمثل هذا الحالة يتمثل في الروائي «جورج برنانوس» الذي كان في بداياته كاتبا ينتمي إلى أوساط اليمين المتطرف، ثم لم يتردد في القطيعة مع هذا اليمين المتطرف أثناء الحرب الأهلية الاسبانية، ثم أدان فيما بعد رفاق الأمس عندما قامت الحرب العالمية الثانية واتهمتهم بأنهم من أنصار المارشال بيتان، الذي تعاون مع قوات الاحتلال الألماني، بل ومن عملاء الجهاز السري الألماني «الجستابو». إن مؤلف هذا الكتاب يكرس فصلا كاملا لـ «لا» التي قالها الكثيرون في مواجهة حكومة فيشي والمارشال بيتان. وكان من بين أولئك الذين قالوا تلك الـ «لا» ثمانين من أعضاء المجلس النيابي الفرنسي. ومن أبرز رموز «المتمردين» أولئك الذين قالوا «لا» يقدم المؤلف شخصية «أرنستو تشي جيفارا» والتي تعود اليوم إلى صدارة الأحداث وتكتسي شبابا جديدا بأحد الصور التاريخية التي تكتسب راهنيتها الآن في مواجهة «العولمة» ورمز آخر انتهج سبيلاً آخر، هو المهاتما غاندي الذي دفع حياته على يد أحد المتطرفين الهندوس في عام 1948 لأنه قاد حركة رفض «سلمية» أدت إلى استقلال بلاده وزوال الاستعمار الانجليزي عنها ورموز أخرى، كان كل منها موضوعاً لكتاب أو أكثر مثل محمد علي كلاي الذي ناضل بقبضته ضد التمييز العنصري واعتنق الإسلام، و«ثأر» على الحلبة لمناضل أسود أمريكي آخر قال هو الآخر «لا» وهو مالكولم إكس. وفي فصل أخير من فصول هذا الكتاب يحاول المؤلف ان يوضح الآليات التي تحول المتمردين في ظل الأنظمة الديمقراطية أو بعد مجابهات عنيفة إلى عناصر يجري ترويضها بحيث تصبح داخلة في الاطار العام للفكر السائد، مهما حافظت على هامش تمايزها. ان مثال ريجسي دوبريه الذي شارك مع أرنستو تشي جيفارا في ممارسة «العنف الثوري» في أمريكا اللاتينية وعرف السجن بسبب ذلك في بوليفيا كما كان أحد المساهمين في الثورة الكوبية وصاحب كتاب «الثورة في الثورة» عن النظام الكوبي غدا في الآونة الأخيرة أحد المعجبين بالجنرال شارل ديجول بل وكتب سيرة حياته. إن مؤلف هذا الكتاب ينقل عن الروائي روجيه فايان قوله: «لقد أثار المتمردون والذين يمارسون حرب العصابات اعجابي في أغلب الأحيان (...) لكنهم عندما يصلون إلى السلطة يصبحون انذالا». من السهل قول «نعم» لكن قول «لا» قد يكون باهظ التكلفة أحياناً. الكتاب: المتمردون أولئك الذين قالوا «لا» تأليف: جان فرانسوا كان الناشر: بلون ـ باريس 2001 الصحفات: 526 صحفة من القطع المتوسط