فيليب سولير هو احد المفكرين الفرنسيين المعاصرين الذين يحتلون مكانة مرموقة في المشهد الثقافي الراهن. كتب في الرواية والنقد الادبي والدراسة. من كتبه الشهيرة «تنساء» و«العزلة الغريبة» و«ليلكة الذهب».. الخ. وقد تمت ترجمة العديد من أعماله للغات عالمية كثيرة ـ اللغة العربية ليست بينها. هذا الكتاب الجديد الذي يفوق عدد صفحاته الألف صفحة هو في الواقع مجموعة من المقالات والدراسات التي كان المؤلف قد نشرها في مجلة «اللانهاية» التي يرأس تحريرها وايضا في مجلته السابقة التي حملت عنوان: «تيل كيل». لكن المؤلف اعاد النظر فيما كان قد كتبه على ضوء روح العصر. يقول: «لقد تأملت بانجاز هذا الكتاب كما يفعل الرسام عندما يفكر في لوحة والموسيقى عندما يعد ملحمة موسيقية انني ارى اللون حسب الموقع الذي ينبغي ان يكون فيه والنغمة الموسيقية في سياق لحظتها المحددة من القطعة التي يجري عزفها». الميزة الاساسية التي يتمتع بها تتمثل في موسوعيته. اذ ان مؤلفه يتحدث فيه عن الادب والموسيقى والفن وقد بلغت معلوماته المتنوعة حدا دفع احد النقاد الى وصفه بانه «موسوعة من عشرة مجلدات» تمشي على قدمين، ولكن اكثر ما يثير الانتباه في طريقة تقديم هذا المؤلف لمعلوماته هو «تفرّده» في الحديث عن «الانواع» الادبية عبر ربطها بنوع من الرابطة السرية «غير المرئية» عادة. مثل الحديث عن الشاعر «جيمس جويس» او عن الروائي فرانز كافكا عبر الصين او الهند. كما يملك فنا فريدا في تقريب الحقب التاريخية من بعضها البعض الى درجة جمعها في مزيج واحد متجانس احياناً. هكذا يفقد التسلسل التاريخي معناه احياناً. انه يفعل هذا كله باسم الفن. ان فيليب سولير يعود الى فتح ملفات الحروب «الفنية» كلها. اذ انه يتساءل عن المعاني العميقة لظهور جميع التيارات الفنية في الرسم والموسيقى والادب. ذلك ان الفن وحده هو «الساحة التي يمكن ان تنشب فيها جميع الحروب باسم الذوق الفني، وباسمه فقط». ان الرسام «بابلو بيكاسو» واجه كل اشكال النقد والتشهير عندما رسم لوحته المعروفة «فتيات افينيون» عام 1911 واتهمه بعض النقاد بانه «مخرّب» الفن، لكن بيكاسو كان تعبيراً عن حركة «تجتاز» العصر. لقد عرف هو كيف يمسك اللحظة ويعبر عنها فيما اصبح بعد سنوات عديدة من لوحة «فتيات افينيون» مدرسة في فن الرسم. مؤلف هذا الكتاب يخوض حروبه كلها باسم «المجانية» انه لا يحب الحروب التي تخاض من اجل مكاسب معينة. قد لا يتفق القاريء في احيان كثيرة مع الافكار التي يطرحها فيليب سولير، لكنه «يستمتع» بما يقدمه من آراء. هكذا نراه يقدم مثلا تفسيره الخاص لفضيحة «مونيكا لوينسكي» التي كادت ان تطيح بالرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون ولكن في الوقت نفسه الذي يستمع فيه الى احدى سمفونيات «موزارت». وفي معرض التمييز بين «المحدود» و«اللانهائي» يشبه المؤلف الرواية الناجحة بانها «محدودة» وقابلة لـ «الاستهلاك نهائياً» اما الرائعة الادبية فانها غير محدودة «لانهائية» وبالتالي غير قابلة للاستهلاك. هكذا نجد مثلا ان مسرحية «هاملت» لشكسبير لاتزال حتى الان تجد من يقرأها قراءة متجددة. ورغم انه قد مضى على كتابتها قرون عديدة فإن اكثر من خشبة مسرح في العالم لاتزال تعرضها حتى اليوم. ان «الابطال» الحقيقيين للاعمال الكبرى في التاريخ ليسوا هم اولئك الذين انتجوها، وانما الاعمال هي ذاتها من اشعار وموسيقى ولوحات وروايات وتأملات.. وغيرها. انها هي التي تبقى بينما تنتهي اعمال اخرى كثيرة. ما تبقى هذا، هو ما ينضوي تحت صفة «اللانهائي» التي قصدها فيليب سولير في كتابه بمواجهة «المحدود». ان العديدين من اولئك الذين قدّموا اعمالاً عرفت كيف تقاوم مرور الزمن والسنين والعقود والقرون ربما كانت في حياتهم وممارسات أقل قيمة بكثير مما انتجوه. لقد ابدعوا في لحظات هي بصيغة ما خارج الزمن.. لحظات فيها الكثير من سمات المطلق ولذلك دخلت في عالم «اللانهاية» الذي يكيل له فيليب سولير «المديح». ان فيليب سولير يقدم في هذا الكتاب رؤية خاصة للاشياء هي أبعد ما تكون عن القواعد الاكاديمية. رؤية تقوم على نطق «الذوق» الذي يرفض كل ما عداه. ولا يهتم كثيرا باحكام النقاد اذ انه يؤكد على اهمية الشاعر الامريكي «بوند» الذي كان فلاديمير نابوكوف قد وصفه بانه «محتال من الدرجة الاولى». ذات يوم قال احد النقاد بان نشر اي كتاب من كتاب فيليب سولير يجري التحضير له مثل اقلاع طائرة الكونكورد. ان مخاطر السقوط يتم تقليل احتمالاتها الى اقصى حد ممكن. وسولير يبدو دائماً بمثابة «القبطان» الذي يستعد للطيران. هذا الرأي يصح ايضا على هذا الكتاب من العيار الثقيل بصفحاته الـ 1096. كتاب تختلط فيه الانواع الادبية والحقب الزمنية في رؤية تتجه نحو «اللانهائي». الكتاب: في مديح اللانهاية تأليف: فيليب سولير الناشر: جاليمار ـ باريس 2001 الصفحات: 1096 صفحة من القطع الصغير