هل يتطور الإنسان حقا نحو مستوى حضاري أسمى؟ أم أننا اليوم متوحشون مثلما كنا في فجر التاريخ. وماذا عن أولئك الناجين الذين تشوه معظمهم طيلة ما تبقى من حياتهم، أولئك الذين استهلكوا دموعهم كلها، والذين هبوا واقفين في قاعة المحكمة وصرخوا يطلبون الانتقام؟ ماذا نقول لهم؟ بل ما هو أكثر أهمية ماذا نقول لأنفسنا، وهل هناك أمل بأن يتغير الإنسان. في كتابه الجديد «تاريخ التعذيب» يروي الكاتب الأمريكي بيرنهاردت ج. هروود الكثير من الحوادث والفظائع الوحشية التي اقترفت معترفا أن هناك دماً جديداً يسفك في مكان ما من العالم، إلى جانب مهانات جديدة يوقعها بشر على رؤوس بشر آخرين. حيث لايحتاج المرء إلى ذكر التجويع المنظم لأهل بيافرا- تلك المأساة التي يجب أن تكتب عنها كتب كاملة، ولكن ليست هناك أهمية لأي تمييز من هم الجلادون ومن هم الضحايا، فالعنف يطغى على التفاصيل كلها، فحين ننظر إليها نظرة مستوضحة لانرى إلا صورة الإنسان- هي صورة واحدة متكررة. ويتابع هروود في مقدمة كتابه قائلا: إننا نقرأ عن إرهابيي الفيتكونغ الذين قطعوا الرؤوس وانتزعوا الأحشاء وقاموا بعمليات إخصاء وقطعوا الأوصال لضحاياهم. وهؤلاء، كما يقال لنا، هم الذين يحذرون الفلاحين الفيتناميين: «بلغوا بناتكم إننا سنسلخ، أية بنت نراها مع أمريكي وهي حية» ولكن انتظر لاتسترخ باعتداد وتفترض أن الأشرار كلهم في الجانب الآخر، فنحن الطيبون نسجل بعض النقاط الخاصة بنا، فهناك عشرات من القرى قد أحرقت عن بكرة أبيها وأعداد لا تحصى من الفيتناميين الجنوبيين الأبرياء قد صفهم الجنود الأمريكيون على الجدران ثم أطلقوا عليهم النار لأن القرى كانت (مشتبهة) بإيواء العدو، والجنود الذين قاموا بإطلاق النار هم الأمريكيون أنفسهم الذين كرهوا الجنود الألمان لأنهم قبل مايزيد على عشرين سنة ارتكبوا أعمالا مشابهة. وعبر عشرة فصول تتناول التعذيب في العصور القديمة وحول العالم والتعذيب وسيلة لتحقيق هدف والتعذيب كعقوبة وأصول التعذيب في الأدب والتعذيب الذاتي الطوعي والمضمون الجنسي للتعذيب إلى جانب تناول التعذيب والجريمة والتعذيب العسكري والبحري وبدايات التوجه ضد التعذيب الحكومي وصولا إلى التعذيب في القرن العشرين. فما من أحد يستطيع أن يحدد بثقة متى مورس التعذيب لأول مرة بالنسبة للاستخدام الرسمي. لا ذكر للتعذيب في القانون البابلي غير أنه من المعروف أن كلا من البابليين والعبرانيين القدامى كانوا يخصون الأسرى من الأعداء وكانوا يعدمون المجرمين بالرجم أو بالنشر إلى نصفين أو بالحرق، كما كانت لدى الآشوريين والمصريين تدابير تشريعية لاستخدام التعذيب مثلما كان الأمر عند الفرس والإغريق والقرطاجيين والرومان. فالإغريق كانو يعتبرون التعذيب وسيلة لانتزاع الحقيقة وقد دعاه أرسطو نوعا من الدليل الذي يحمل نوعا من الدليل الذي يحمل معه مصداقية مطلقة لأن نوعا من الإكراه قد تمت ممارسته. ويشير وصف العجلة الذي قدمه المؤرخ فلافيوس جوزيفوس إلى أن استخدامها قد امتد إلى ما هو أبعد من حدود اليونان بكثير، فيحكي لنا كيف كانت تستخدم من قبل السومريين إبان الحروب ألماكابية في القرن الثاني قبل الميلاد، فقد رفض أسير يهودي شاب أن يأكل اللحم الذي تحرم عليه ديانته، ولتشبثه العنيد بمعتقده حتى بعد الضرب الشديد، ثبت الولد على المحيط الخارجي لعجلة كبيرة. وأحد أهم إبداعات الإغريق في التعذيب بالكرة النحاسية التي هي عبارة عن كرة نحاسية مجوفة لها باب في جانبها وفتحات للفم والأنف حيث كان يقذف بالضحايا داخل الكرة ويغلق عليهم ثم يتم إشعال نار متأججة تحتها. وقد كان لمشرعي الرومان شأنهم في ذلك شأن أسلافهم الإغريق، يقدمون تبريرات لاستخدام التعذيب فمثلا كانت القواعد والإجراءات مطبقة في البدء على العبيد والأسرى والمجرمين والجنود المتمردين وعمليا لم يكن للفئات الثلاث الأولى أية حقوق، أما الفئة الرابعة فكانت تخضع للسلطة المطلقة، بما في ذلك حق الموت والحياة الممنوحة لرؤسائهم. وقد كان من المألوف في الجيوش الرومانية أن الجندي يجب أن يرهب ضباطه أكثر مما يرهب عدوه ونتيجة لذلك كان التدريب والنظام في الفرق الرومانية مطبقين بطريقة مدهشة، ونادرا ما كان يذكر أن تكون هناك حاجة للجوء إلى العقوبات القاسية ففي معظم الأحوال كان الجنود مطواعين تماما ومقتنعين بضرورة عدم خرق النظام. ويرى هروود أنه لم يعد من اللائق في أيامنا هذه تصنيف الشعوب تحت عناوين اعتباطية من نوع «متحضرة» و «غير متحضرة» فطالما أن ثمرات الحضارة صارت في متناول الجميع فمن الأفضل استخدام تعبيري «شعوب متطورة» و «شعوب غير متطورة». ومن الشائعات الرائجة في العالم العربي أن الشرقيين عمليا أشرس الشعوب على وجه الأرض وبالتالي فإنهم الأكثر خبرة في فن التعذيب لكن الحقيقة أن الشرقيين معذبون ذوو خبرة وليس صحيحا أنهم بأي شكل من الأشكال أكثر قسوة من الغربيين والفارق كامن في أن الشرق يعتبر أكثر أمانة بالقسوة الغريزية التي تعمل في قلوب البشر. فلقرون خلت والفلاسفة وعلماء النفس يبحثون عن إجابة عن السؤال المحير حول السبب الذي يجعل الإنسان بكلمات «جان بول سارتر» أكثر الحيوانات فحشا وضراوة وجبنا فالذين يبحثون عن الحقيقة كانوا غالبا يفشلون في التعرف عليها لأنها- كما أشار الشاعر ملتون، غالبا ما تكون أكثر تخفيا وأكثر ترويعا من كثير من الأخطاء. وعلى الرغم من وجود الألعاب الرومانية فان التعذيب بين القدماء يعتبر وسيلة لانتزاع المعلومات وهذا بالطبع كان ولا يزال المبرر الأكثر شيوعا لاستخدام التعذيب وعمليا كان هناك خط دقيق غير واضح بين التعذيب والعقاب، فكلما توغلنا في الزمن نجد أن الانتقام هو القوام الأساسي للعقوبة والمنطق الأساسي وراء أشنع الفظاعات. وفي تاريخ النساء نقرأ أنه في مصر القديمة «كانت طهارة العذراوات محمية بقانون ذي طبيعة غاية من القسوة، فكل من يغتصب إمرأة حرة تبتر أعضاؤه الجنسية بحيث لايبقى في مقدوره أن يرتكب جريمة مشابهة وبحيث يدب الرعب في قلوب الآخرين من هذه العقوبة المخيفة». ويقول مؤلف كتاب «تاريخ التعذيب» أنه مهما بدت فكرة التعذيب بغيضة على ضوء التفكير العقلاني فإن في أغلبية الناس جانبا غامضا فيما يتعلق بهذا الأمر، فأعتى معارضي عقوبة الإعدام ودعاة قانون العقوبات يكنون غالبا أعنف الأفكار الانتقامية تجاه بعض المجرمين أمثال من يقومون بالاغتصاب أو المغررين بالأطفال. ربما أن العامل الأكثر شيوعا في التعذيب الطوعي هو عامل جنسي مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك أساسا ثلاثة أنواع رئيسية من التعذيب الذاتي أو الطوعي الديني الطقوسي والتجميلي والاقتصادي. فقد كان الدافع الاقتصادي للتعذيب دائما ملفعا بالمآسي لأنه كان يؤدي إلى تشوه دائم أما التعذيب الذاتي لأغراض تجميلية فقد كان موجودا في العديد من المجتمعات وليس كما يتصور البعض مقتصرا على المجتمعات البدائية، فكل من أجرى عملية وشم يقع ضمن هذه المجموعة، كذلك الأمر بالنسبة للتعذيب الطوعي ذي الطبيعة الدينية أو الطقوسية أهمية أكبر وإشراك أعمق للشمولية الإنسانية وهو سلسلة تجريبية طويلة تبدأ من الصيام البسيط لفترات محددة إلى عمليات الانتحار العنيفة التي كانت شائعة لدى أرامل الهندوس وبعدهن لدى البوذيين الفيتناميين. وعن التعذيب والجريمة يرى هروود أن التعذيب ليس واردا في الجرائم كلها إلا أن كل تعذيب يشكل جريمة والجنايات التي تحتوي على التعذيب شائعة إلى درجة أنها نادرا ما صارت تحظى بالاهتمام الأول للصحافة وأصبح هناك صحف متخصصة بالقصص المثيرة من هذا النوع. كما لم تكن كافة صنوف التعذيب التي مورست على الضحايا المتألمة حتى عام 1899 أكثر من تجارب على الفظائع بالجملة وعلى القتل الجماعي الذي قدر له أن يكون آفة القرن العشرين. كما أن الروابط التي تربط التعذيب بالمؤسسات العسكرية والبحرية قديمة قدم الحضارة ذاتها. فقد كانت الأحكام والقوانين العرفية دائما أشد قسوة من القانون المدني ولذا فمن المنطقي أن يكون تطبيق القانون العرفي فظا نسبيا، لكن أكثر القوات العسكرية والبحرية تنظيما وانضباطا كانت دائما وكقاعدة تفرض التعذيب على رجالها وأحيانا على الأسرى. ميساء العلي الكتاب: تاريخ التعذيب تأليف: بيرنهاردت ج. هروود ترجمة: ممدوح عدوان الناشر: دار الجندي ـ دمشق