عندما أنهى مذيع النشرة الجوية بالعبارة التقليدية «البحر خفيف الموج، وسرعة الرياح بطيئة» تفاءل الصيادون بيوم صيد وفير، ولكنهم عندما خرجوا إلى البحر صباحا فوجئوا بتراكم الغيوم وارتفاع الموج، ثم سرعان ما بدأت العاصفة التي كادت تغرق مراكبهم، فعادوا إلى منازلهم والأسئلة تعصف بهم عن سبب تغير الطقس، وعن مدى صدق النشرات الجوية التي كثيرا ما تخطيء، فتحدث بلبلة وإرباكا حقيقيين في أوساط الصيادين والمزارعين ومرتادي الطرقات وغيرهم، ليبقى السؤال مشرعا عن مدى تقدم العلم، وعن إمكانية سيطرته على هذه الطبيعة التي ما انفكت منذ اللحظات الأولى لوجود الإنسان فوق الأرض، تعبث به وتدمر مدنه ومحاصيله، وهو ما انفك يوميا يعيش صراعا حقيقيا معها، يغلبها مرة، وتغلبه مرات، وكأنها لعبة أزلية لا يمكن الفكاك منها. ثم عن امكانية الطب في التغلب على عوارض القلب المفاجئة التي تلم بالإنسان على حين غرة، فما يلبث خلال لحظات أن يفارق الحياة؟ كتاب «الفوضى» لجيمس جليك، لن يجيب عن هذه الأسئلة فقط وإنما سيسعى لتأريخ الجهود الكبيرة التي بذلها علماء متخصصون في السيطرة على حالات الاضطراب التي تنبثق على حين غرة من وسط النظام الدقيق والصارم، لتعبث بالمحيط فترة من الزمن ثم ما تلبث أن تعود إلى إلى سابق عهدها كالظواهر الطبيعية غير المنتظمة، ومنها حالة تبدلات الطقس التي نوهنا لها قبل قليل، أو حالة ظهور واختفاء التجمعات الحيوانية في الصحارى والغابات والمياه، وحالة الأوبئة التي سرعان ما تنتشر ثم تتلاشى بشكل شبه منتظم ومحير، أو تقلبات الإنسان الصحية وغيرها.. وكل ذلك في سلوك معقد لا يمكن إلا التسليم بأن ثمة قوة خفية تسبب كل هذا، ولكن كيف السبيل إلى مواجهتها والتغلب عليها؟ عن ذلك سيجيبنا جيمس جليك قائلا: إنها نظرية «الفوضى»، النظرية التي ستعتبر ثالث أعظم ثورة في العلوم الفيزيائية في القرن العشرين، وذلك لأنها تبتعد تماما عن مباديء الفيزياء التي وضعها نيوتن عن المكان المطلق والزمان المطلق، وعن النسبية التي قضت على الحلم النيوتوني بإيجاد عملية قياس يمكن التحكم فيها، لتأتي نظرية «الفوضى» لتقضي بدورها على الأوهام القائلة بقدرة العلم على التوصل إلى القدرة على التنبؤ بشكل صحيح من خلال قوانين موضوعية ثابتة أقرها العلم التقليدي ومازال يسير عليها، معتبرا أن كل ما يشذ عنها إنما هو خلل لا ينبغي التوقف عنده. ولكن هذا الخلل هو عينه المشكلة التي أدركها العلماء جيدا، فراح البعض منهم يبحث عن حلول رياضية لألغازها المستعصية، ومنها العالم لورنز الذي بدأت جهوده منذ أكثر من ثلاثين عاما، حيث تابع بدأب حالات الفوضى والاضطراب، في المناخ وعلى أثره توصل علماء الفيزيولوجيا إلى اكتشاف نظام مدهش يحكم الفوضى التي تنشأ وتتطور داخل قلب الإنسان، وتكون السبب الرئيسي في الوفاة المفاجئة التي تفتقر إلى ما يفسر حدوثها، بينما على جانب آخر تعرّف علماء البيئة على عوامل نشوء الحشرات وفنائها. أما علماء الاقتصاد فقد تمكنوا من الكشف عن الخلل في أسعار الأسهم وتذبذبها من خلال البيانات القديمة، كما أنهم حاولوا تقديم حلول جديدة تعتمد على المعطيات التي استقوها من الملاحظة والتجربة اعتمادا على الحواسيب المتقدمة. وقد أدت هذه البحوث إلى وصف جديد للعالم الطبيعي، بما في ذلك أشكال السحب، وممرات الضوء، والتوأمة المجهرية للأوعية الدموية، والتشابك العنقودي للنجوم في مجراتها وغير ذلك. ويوضح الكتاب أسباب هذه النجاحات المذهلة، إنما كان نتيجة طبيعية لتعاون العلماء مع بعضهم البعض كفريق وقف ندا لظاهرة الفوضى، ولم يخل الأمر بالطبع من دعم كبير لهذا الفريق من قبل القوات المسلحة ووكالة المخابرات المركزية، ووزارة الطاقة، والجامعات، ومراكز الأبحاث، وغيرها. الأمر الذي حدا بأحد مسئولي البحرية للقول: «كان العلم يسير نحو أزمة التخصص المتزايد قبل خمسة عشر عاما، إلا أن هذا الاتجاه قد استبدل بنقيضه تحت وطأة الفوضى». وعلى حد تعبير المؤلف، فإن نظرية «الفوضى» خلقت مشكلات تتحدى أساليب العمل السائدة في العلم التقليدي، وذلك لأنها تؤكد على الطابع الكوني المركب، وإلى ذلك سوف يستشهد بقول أحد العلماء، بأن علم القرن العشرين سوف يخلد في التاريخ لثلاثة عوامل هي: النسبية، والميكانيكا الكمية، والفوضى، وهو يعزو ذلك إلى أن الفيزياء التي جنحت نظريا بعيدا عن الايحاء البشري، ولم يعرف أحد حتى الآن ان كان هذا الجنوح مثمرا أم لا، إلا أن ما بات يعرفه الجميع، هو أن الفيزياء وضعت نفسها في مأزق لن ينقذها أحد منه سوى «الفوضى». وبالاضافة إلى هذا وذاك، فإن المؤلف سيحاول الاجابة عن كل الأسئلة المثارة وما قد يثار في ذهن القاريء من خلال أقسام الكتاب الأحد عشر، حيث يبتديء في تتبع مسيرة أبحاث العلماء والصراعات القوية بين أصحاب النظريات التقليدية وأولئك الذين اتجهوا لدراسة «الفوضى»، ولكن مع حلول الثمانينيات سيتمكن الباحثون الجدد من الوصول إلى مناصب نافذة في النظم البيروقراطية للجامعات، ومن ثم إنشاء مراكز ومعاهد متخصصة في «الديناميكا اللاخطية» و«الأنظمة المركبة». ومعها لن تعود «الفوضى» مجرد نظرية، بل ستصبح طريقة وأسلوبا للتعامل مع العلوم، ومعها أيضا ستصبح الرياضيات علما تجريبيا للباحثين في «الفوضى»، مع حلول الحواسيب محل المختبرات المليئة بأنابيب الاختبار والمجاهر، ومع الحواسيب ستصبح الرسوم الجرافيكية هي المفتاح، إلى درجة أن أحد العلماء المتخصصين في «الفوضى» صرح قائلا: «إن العمل في الرياضيات من دون صور هو نوع من التلذذ بتعذيب الذات. كيف يستطيعون مشاهدة العلاقة بين الحركة والأشياء؟ كيف يمكن أن يطوروا إيحاءهم الذاتي؟». وإذا كان لابد من التفسير اليسير لهذه النظرية الخطيرة، ينبغي الاقتناع أولا بتعايش النظام والفوضى معا، وأنه لابد من السعي لنمذجة النظم بواسطة معادلات رياضية بسيطة جدا، تنص بأن الاختلافات الدقيقة في المدخلات، يمكن أن تؤدي إلى فروق شاسعة في المخرجات، وهو ما سمي مجازا في أوساط العلماء بظاهرة تأثير الفراشة، إشارة إلى فكرة أن الفراشة التي تحوم في بكين اليوم، يمكنها أن تحوّل نظم العواصف في نيويورك في الشهر التالي، أما كيف يمكن حدوث ذلك، فتفسيره يأتي من خلال تتبع جهود العالم لورنز في متغيرات المناخ عبر حاسوب بدائي، ولكنه على الرغم من ذلك مكنّه من اكتشاف خطير لم يكن ليصدّق، ويتلخّص هذا الاكتشاف في أن العلم لم يكن يكترث بالتأثيرات الصغيرة جدا، لقناعة العلماء أن هذه التأثيرات لن يترتب عليها آثار كبرى، ولكن لورنز وحاسوبه سيدحضان هذه القناعة من خلال نظرية «تأثير الفراشة» آنفة الذكر، حيث إن هبّات الرياح الصغيرة التي كان يغلب الاعتقاد حولها أنها سرعان ما تتبدد، إنما يمكن أن تؤدي إلى كوارث حقيقية، وإلى ذلك فإن علماء الغلاف الجوي بدأوا يدركون أن اضطرابا في الجو يشكل تسلسلا متدرجا من الريح الدوارة التي تعصف بأوراق القمامة في ركن من أحد الشوارع إلى النظم الحلزونية التي نراها في الفضاء. كتاب «الفوضى» ممتع في قراءته لأنه كتب بشكل سردي سلس، وهو في الوقت ذاته مرجع مهم للباحثين في المعرفة الجديدة.. يقتني ويدرس. عزت الكتاب: الفوضى/ صنع عالم جديد تأليف: جيمس جليك ترجمة: سامي الشاهد الناشر: المجمع الثقافي ـ أبوظبي 2000 الصفحات: 395 صفحة من القطع الكبير