يضعنا عنوان المجموعة الشعرية «نادرا» للشاعر منعم الفقير في فضاء اللغة الشعرية التي يقدمها في هذا الديوان والتي تتميز بالكثيف والاقتصاد الشديد في اللغة، تتناسب مع طبيعة الومضة الشعرية التي تقوم عليها بنية المقطع الشعري، فالعنوان يتميز انه يتألف من كلمة واحدة، وقد جاء الغلاف الذي اقتصر على اللون الكحلي مع توشيحات زرقاء ليتناسب ايضا مع طبيعة العنوان. ويلاحظ منذ الصفحات الاولى ان الشاعر يخرج على اطار الشكل الكتاب المتعارف عليه غالبا سواء من حيث الغاء الفهرس والمقدمات أو الاهداء، أو من حيث توزيع الكتابة السوداء في مقاطعها المتعددة على مساحة البياض، اذ ان حداثة الشكل الكتابي هنا تكشف عن طبيعة الرؤية الجديدة للكتابة الشعرية، وادخال القراءة البصرية كبعد أساسي في قراءة النص الشعري الجديد، وهكذا لجأ الشاعر إلى توسيع مساحات البياض في حين استخدم الحروف السوداء الناعمة، ووضع ترقيم الصفحات تحت الكلام مباشرة، وفي الزاوية الامامية من اسفل الصفحة. ضم الديوان عددا من العناوين الفرعية بلغت تسعة عناوين تتوزع على قضايا عديدة تخص علاقة الشاعر بالمكان والرائحة والحياة والموت والمرأة، حيث يتألف النص الشعري من عدد من الومضات الفكرية، التي تسعى لتقديم رؤية جديدة تعبر عن وعي مختلف فالنص الاول يحمل عنوان «الفرقة ثوبي الحجري»، ويعتمد الشاعر فيه على أنسنة الجماد والاشياء بغية بث الحياة والحركة فيها، وجعلها عنصرا فاعلا ومؤثرا في حوار الانسان وعلاقته بها، كما يحاول ان يقيم علاقة تماثل بينه، وبينها من خلال استخدام التشبيه، الا انه في حالات اخرى، يكثف معنى المكان كحقيقة كاملة تتجلى من خلال وجود الشاعر، أو يكثف معنى ذاته صورة المكان مما يجعل تقنية المرآة هي المميزة لهذه العلاقة التي تعبر عن طبيعة التجربة الوجودية للشاعر: أنا/ فراغ الغرفة المشغول بالخوف وينطوي توزيع الكلمات أو الضمائر أو الجمل في المقاطع الشعرية على دلالات مهمة ترتبط بالمعنى أو مضمون الحالة أو التجربة التي يريد الشاعر ان يعبر عنها، مما يجعل فهم النص لا يتحقق، بمعزل عن فاعلية القراءة الحديثة في مستواها السيمائي، فأنا المتكلم تشغل سطرا، وتأتي مستقلة عن باقي المقطع، ثم تأتي جملة فراغ الغرفة التي يكمل معناها باقي الجملة في المقطع الاخير، وهو توزيع يعبر عن حالة الانفصال والغربة وعدم الشعور بالامان مع هذا المكان الذي يفترض ان تقوم بينه وبين الشاعر علاقة حميمة ودافئة ومستقرة. تغيب الجملة الفعلية عن عناوين القصائد جميعا، كما ان اغلب مقاطع قصائده تبتديء بجملة اسمية، أو شبه جملة وهي صيغة تتناسب مع طبيعة التأمل أو وصف الحالة شعريا كما يلجأ الشاعر في الغالب اذ تتألف القصيدة من عدد من الومضات الشعرية الفكرية التي تختلف من حيث طولها وقصرها، ففي احيان كثيرة نجد ان جملة واحدة أو سطراً واحدا يعبر عن فكرة الشاعر، ويختزلها في تكثيف واضح. ومن خلاله سعي الشاعر لأنسنة الاشياء، ينقل الشاعر فعل الحركة أو طبيعة الحالة منه إلى هذه الاشياء، بصورة تسهم في انسنتها، وخلق الاثارة والدهشة النابعة من غرابة الصورة: هذا الطريق المذعور / يستنجد بقدمي على الهرب والحقيقة ان الشاعر يستثمر الشكل الحداثي للاستعارة فيلغي الطابع المنطقي والحسي للعلاقة مع الاشياء، بغية تحقيق فاعلية المخيلة الشعرية في حركتها، وتأملها من خلال رؤية تعيد تشكيل صورة الاشياء، واعطائها معنى مختلفا. وتتباين درجات النجاح في هذا الاشتغال المكثف بين مقطع وآخر في القصيدة الواحدة، وغالبا ما نجد نجاحه يتمثل في المقطع الذي يتألف من جملة واحدة، اذ يستطيع الشاعر في ومضة شعرية سريعة ان يصوغ المعنى، أو الصورة الشعرية، أو الفكرية، وكما اسلفنا فان الشكل الكتابي في توزيعه يشكل جزءا اساسيا من القراءة السيمائية للنص الشعري الذي يتخلى عن السردية، وتنامي حركة النص الدرامية، ولذلك يستدعي هذا النص قراءة اخرى تدرك تقنية التقطيع المشهدي الشديد التي يعتمدها الشاعر في مقاطع قصيدته المختلفة والتي تجعلنا قادرين على قراءة كل مقطع بصورة مستقلة، خاصة وان الشاعر يحاول في كل قصيدة ان يتناول موضوعا محددا، من زوايا مختلفة، وعبر حالات تنضوي في اطار رؤية واحدة شاملة ايضا. مفيد نجم الكتاب: نادرا «شعر» تأليف: منعم الفقير الناشر: دار رسلان للنشر - دمشق 2001 الصفحات: 132 صفحة من القطع المتوسط