تحتل الأديبة السورية غادة السمان مكانة متميزة في ادبنا العربي المعاصر فهي اغزر الاديبات العربيات نتاجا واكثرهن تنوعا في فنون الادب وادبها اكثر انتشارا بين القراء فمن البديهي ان تلفت انظار النقاد ودارسي الادب خاصة ان ماكتب عنها في الصحف والمجلات اكثر من ان يحصى كذلك النقاد الذين حاولوا ان يدرسوا اعمالها غير الكاملة في كتب مستقلة كالدكتور شكري غالي وعبدالعزيز شبيل وعبد اللطيف الأرناؤوط. وفي هذا الاطار تقدم الكاتبة «سمر رسلان» رؤية نقدية تأملية عن غادة السمان وذلك من خلال تقديم المامه سريعة علي صور هذه الاديبة ورؤيتها الادبية كما تبدت من خلال هؤلاء النقاد الثلاثة ثم تنتقل لتوزان بين وجهات نظرهم وآرائهم المتباينة والمتفقة حول ابداع غادة السمان وتطلعاتها الأدبية. حيث يرى الناقد الدكتور شكري غالي في كتابه «غادة السمان بلا اجنحة» ان غادة السمان اعتمدت على ثلاث ادوات في ايجاد حياتها الادبية والكتابية وهي الصحافة والجيل والعصر، فالصحافة لم تكن حرفة للارتزاق عندها او منبرا للوعظ وانما وسيلة الى جمهور عريض من القراء المثقفين حصرا استقطبته من خلال ما نشرت في الصحف والمجلات فكان «حزباً» لها فالتزامها اذا كان التزام حياة وتفاعلا معها. وذلك الجمهور الذي تجابهه حينا او تعبر عن تطلعاته حينا اخر بكتابة مبدعة لاتستند بها الى مرجعية سلفية في الشكل او المضمون بل تنهض على اسلوب نابع من توترات نفسها مكونة لها خلقة خاصة مرنة وحية هي منبت الصحافة التي امدتها بمعجم ثقافي اجتماعي متميز. اما الجيل فالكاتبة غادة السمان تخاطب الاجيال العربية التي عاصرت الهزيمة السياسية والثقافية للأمة العربية وتتخذ منها طرفا للتواصل وهي في هذه الاجيال تحيا وتموت وبها تعلق آمالها حيث يصبح المستقبل في نظرها نقيضا للموت. واما عن العصر في ادبها فهو الزمان والمكان معا حيث التقدم العلمي والتقني والتطور المعرفي الذي يفرض على الامم اطروحات جديدة لابد ان يتبناها الكاتب ويلحظها في رؤيته الادبية، فمن خلال هذه الادوات الثلاث يكتشف الناقد خمسة خيوط تشكل نسيج ادبها الحي اولها ذاتيتها حيث تسجل في حياتها الخاصة ادبها من منطلق انه حياة الجيل الجديد كما انها في ادبها تعيش معركة لاتنتهي مع الموت مع ان انتماءها هو انتماء للفن والحب والحرية فهي في قلق دائم وتوقد الى الرحلة والاغتراب في اعماق الذات ايمانا بالتجربة التي تستند الى مغامرة النفاذ الى اعماق الحياة وكشف اسرارها الخفية بصدق مهما كانت التضحية. وترى «سمر رسلان» في كتابها الجديد ان اكثر ما تصارع غادة السمان في ادبها الموت فهي مواجهة الموت ترى فيه شرطا للحياة فمن خلاله صارعت الماضي والحاضر واسرتها ونفسها مثلما صارعت الثابت والمتحول من القيم وما يعد عرفا لدى الناس ومايراد للانسان في عصرنا من تأطير فربحت من ذلك كله الوعي وكسرت اسوار التقليد البورجوازي في مجتمعاتها وتقليد الاسرة والمجتمع فحوربت واتهمت وحطمت اسوار الموت بالرحلة خارج الاطار الاجتماعي الذي رسم لها وبالحرف الذي اتخذته مطية للطيران منه ولدت ولادتها الثانية بكل شجاعة. وقد كانت اول اعمالها صوتا جديدا برز في قصص «عيناك قدري» التي فضحت فيه علاقة الرجل بالمرأة في مجتمع متخلف ثم تجاوزت ذاتها في قصص «رحيل المرافيء القديمة» على ان ابرز قفزة حققها انما كانت في رحلتها الثانية من خلال كتابيها «بيروت 75» و «كوابيس بيروت» ذلك انها لم تعد تعنى بجوانب هامشية من حياتنا كمشكلة الرجل والمرأة بل ادركت ان تلك الجوانب ترتد الى قضية اكبر هي قضية امتها ومصيرها وواقعها المتخلف المهدد. مع ايمان الناقد بأن الفن حقيقة موضوعية مستقلة عن ذات الفنان فإنه يؤمن بحقيقة العلاقة بين الفنان وفنه وواقعه ويرى ان حياة الفنان الخاصة من اهم العناصر الابداعية الجديرة بالمعرفة دون اتخاذها معيارا نقديا ولذلك نراه يقيم حوارا مع الكاتبة تخبره فيه عن مغامراتها الاولى مع الوعي ثم مرحلة الصبا والشباب ونوع الاحلام التي تراها والثقافة التي تملكها وعلاقاتها بالحياة السياسية والجنس وقد جاءت اجاباتها صريحة مثيرة الادهاش بالغة التفرد شأن كتاباتها حيث تعد اجاباتها على الحوار وثيقة هامة لفهم شخصيتها وادبها. وفي تحليله لمجموعتها «رحيل المرافيء القديمة» يذهب الدكتور شكري غالي الى ان عنصر الهزيمة على مستوى الذات الفردية العربية والجماعية هي مدار قصصها وان الماضي في قصص المجموعة زمن اجتماعي مثقل بالصراعات فالحاضر هو شبح الهزيمة المسيطرة على سلوك الشخصيات ولذلك اختارت الكاتبة ضمير المتكلم بصورة خاصة في حوار مع الذات يعتمد على التداعي ويربط وعي الكاتبة بذاكرتها وقد تجلى هذا الاسلوب في قصة «الدانوب الرمادي» فالبطلة فيها تعترف وتهرب ضائعة من عاصمة الى اخرى فماضيها المؤسي هو ماضينا المهزوم الذي لامنقذ منه الا الجيل الجديد وامكانية تحوله الثوري مازالت قائمة. وترى سمر رسلان في كتابها «غادة السمان ـ رؤية نقدية تأملية» ان الناقد عبدالعزيز شبيل يقدم لكتابه «الفن الروائي عند غادة السمان» بمدخل يتناول فيه فن الرواية وصلته بالظروف الاجتماعية فيذهب الى ان النقد الروائي اليوم يحاول اقامة علم اجتماع للراوية يستند الى قوانين داخلية، فالرواية ليست عملية اكتشاف للواقع وانما هي اضافة اليه تنطلق منه كما ان الفجوة بين الرواية والواقع تجعلها كاملة ومغلقة وناقصة ومفتوحة في آن واحد، بمعنى ان الرواية لاتكشف عن كل ما تنطوي عليه فهي مفتوحة لقراءات جديدة وفهم جديد الى ما لانهاية في الامتلاك الجمالي للمعرفة وبناء مركب يشيد فوق الواقع واقعا اخر. حيث يستخدم الناقد شبيل منهجية موضوعية في نقده فهو يبدأ بدراسة حياة غادة السمان فقد نشأت في كنف والد يؤمن بالتربية وبالعمل للوصول الى هدف مما دفع ابنته الى التمرد والثورة على المفاهيم التقليدية في المجتع الدمشقي. كما يكتشف ثلاثة الوان من الرؤى في اي رواية وهي الرؤية الخلفية التي تعكس قدرة الراوي على معرفة الرغبات الخفية للبطل والرؤية الخارجية وفيها يتخلى الراوي عن التدخل ويترك لابطاله الافصاح عن ضمائرهم كما في الروايات البوليسية والرؤية الصاخبة حين لايعرف الراوي عن ابطاله اكثر مما يعرفون هم عن انفسهم فهم الذين يتكلمون كما هو الحال في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ و «القصر» لكافكا. اما الكاتبة غادة السمان فتعتمد في رواياتها على الرؤية الخلفية ففي «بيروت 75» تركز على السرد والحوار الباطني وحضور الراوي فيها مكثف ومسيطر وهو يعرف كل شيء عن الشخصية اما في «كوابيس بيروت» فقد برهنت عن نضج كبير في الفن الروائي اذ توحد الراوي والبطل فيها، في حين اعتمد اسلوب وصف الاشياء وصفا يرتبط بوضع الشخصيات النفسي او تعطيل الحواس احيانا في حالات الكوابيس ولاسيما حاسة البصر حيث ترى الشخصية مالايرى في الواقع والابهام هو انفتاح كاذب يجدد الدوافع والحركة في الرواية لكنه ينتهي بالانغلاق حيث تكتشف الشخصية حقيقة الواقع الزائف. بالاضافة الى ذلك يعقد الناقد عبدالعزيز شبيل فصلا يتحدث فيه عن مستويات الكلام في روايتي غادة فيرى مثل رؤية «تودورف» ان غادة لاتتعامل مع الكلام الوصفي الجاف بل تختار الاسلوب النابض بالحياة كالكلام المطلق والتأملات النفسية والانطباعات فالكلام التقييمي الذي يصدر فيه الكاتب حكما والصورة البلاغية ولعل الكلام والصور البلاغية هما الاكثر سيادة في الروايتين حيث تتأمل الشخصيات ذاتها ويمتزج في تأملاتها الوجودية التصوف ووحدة الوجود ومن ذلك مثلا تأملات «مصطفى» في «بيروت 75» وهنأ يتجلى اسلوب غادة في استخدامها اللغة الشعرية المجنحة وقد اجمع النقاد على تميزها في هذا المجال. ان صدق معاناة غادة السمان جرها الى الصدق في تجربتها الفنية وانتمائها الى وطنها العربي واصرارها على البقاء فيه بالرغم من الموت المجاني الذي يترصدها ضاربة بذلك اروع الامثلة للمثقف الواعي التقدمي الذي يدافع عن الانسان في مواجهة العنف والاستغلال. وتؤكد سمر رسلان ان الناقد عبداللطيف الارناؤوط قد تميز في كتابه «غادة السمان: رحلة في اعمالها غير الكاملة» انه تناول اعمال الكاتبة المطبوعة كلها، بشمولية تامة وهو يحاول ان يربط تلك كلها بوحدة النبع الذي صدرت عنه اي شخصية المؤلفة وهو يعتمد اكثر من منهج لكنه يستند الى حدسه الذاتي فنقده تأثري انطباعي وقد اطلع على ما كتبه النقاد وبدأ اكثر وضوحا في رؤيته النقدية واقرب الى القاريء اما خطته في الكتاب فتقوم على عرض مؤلفات غادة لابحسب تاريخ صدورها بل وفق ماتمليه مقتضيات البحث فقد قسم موضوعات الكتاب مهد لها بمقدمتين كتبهما الدكتور سمير روحي الفيصل والدكتور رياض عصمت ثم تناول رحلة غادة السمان الاديبة، فظاهرة الاغتراب في ادبها من خلال مجموعتيها «عيناك قدري» و «رحيل المرافيء القديمة» ثم عرج على رواياتها «بيروت 75» و«كوابيس بيروت» و«ليلة المليار» ودرس مجموعاتها الشعرية واخيرا مقالاتها في بحيرة الشيطان. وتنهي الناقدة رؤيتها الجديدة بالاشارة الى حقيقة مفادها يظل قاصرا عن تمثيل تجربة الفنان وان كان باستطاعته ان يقربها للقاريء وسواء كان موضوعيا منهجيا ام ذاتيا انطباعيا فإن شخصية الناقد لها اثر في توجيهه نحو ما يريد ان يقوله الناقد قبل ان يحرص على ان يكون صورة امنية لما يقوله المبدع على ان تعدد وجهات النظر النقدية يظل مفيدا للقاريء الذي يشارك بدوره في عملية نقد النقد والمقاربة بين النقد والعمل الفني فمن الطبيعي تعدد المحاولات النقدية لاثر فني في اعمال كاتب معين إذا كان الهدف منه خدمة النقد بعيداً عن الغرض الخاص لان اكثر مايقتل النقد في انحرافه نحو غايات شخصية خارجة عنه. هاجر احمد الكتاب: غادة السمان ـ رؤية نقدية تأملية تأليف: سمر رسلان الناشر: دار رسلان للنشر ـ دمشق 2000 الصفحات:450 صفحة من القطع المتوسط