تشهد الأوساط الفكرية والثقافية والثيولوجية في أوروبا اهتمامات متتالية بمسألة العلاقة بين الغرب والإسلام، حتى بدا ان هذا الاهتمام بات درساً شديد العناية من قبل القارئ الأوروبي الذي يلتقي بين لحظة وأخرى مواطناً مسلماً سواء كان عربياً أم غير عربي. في هذا السياق من البحث والمتابعة وضع الأب ميشال لولون كتابه الجديد (الكنيسة الكاثوليكية والإسلام)، وهو كتاب يبحث في موقف الكنيسة الكاثوليكية في الغرب من الإسلام والمسلمين في الماضي والحاضر، وبالعكس أيضا، ويتطرق إلى العلاقات بينهما على مستوى العقيدة والثقافة والسياسة والتبادل التجاري والقصور الذي شاب كلا الموقفين بسبب عدم فهم أحدهم للآخر، أو جعل بعضهما لبعض، وبخاصة في العصور الوسطى، الأمر الذي أدى إلى تعارضهما، وأفضى إلى مواجهات سياسية ومزاحمات تجارية، وتعارضات، وأفضى إلى مواجهات سياسية ومزاحمات تجارية، وتعارضات مذهبية وحروب متكررة واستعمار، ومحن عانتها الأقليات، بالرغم من ان الكنيسة الكاثوليكية والإسلام قدما معاً للعالم قيما أخلاقية وثقافية وروحية ثمينة، أصبحت بالفعل جزءًا من التراث الانساني. ويرى المؤلف ان من الخطأ ما يتصوره البعض من ان المسيحية والإسلام شكلا على مدى القرون عالمين منزويين، إذ لم يمنع الصراع بينهما من ان تعرف العديد من المناطق في العالم فترات ازدهار للحوار الخصب بينهما والتعايش السلمي. يتضمن هذا الكتاب ستة فصول بعد المقدمة هي: الفصل الأول: عبر الماضي، وفيه يتناول العلاقة بين الإسلام والغرب من خلال عناوين فرعية هي: النبي محمد والمسيحيون، المشرق الإسلامي، الغرب المسيحي، فرانسيس الأسيس، من الصليبية إلى الدبلوماسية، الفلاسفة والإسلام، الرومانسيون والمشرق، البعثات التبشيرية من الجدال إلى الحوار، الفصل الثاني:آفاق جديدة، وفيه: ندوات ولقاءات ، يوحنا بولس الثاني والاسلام، من أوروبا إلى أفريقيا، من المشرق الأدنى إلى المغارب، المسلمون والكنيسة، نداءات من أجل الحوار، منظمة المؤتمر الإسلامي والفاتيكان، شكاوى الغرب، المرأة في الإسلام، الدين والدولة، أسئلة تطرح على المسيحيين. وفي الفصل الثالث يتناول الظروف الدولية من حيث حرب الخليج والمؤمنين، المدينة المقدسة، القدس والكرسي الرسولي، السلام الموعود، أي نظام عالمي جديد؟ بينما يدرس في الفصل الرابع، وهو بعنوان: من أجل تلاقي الثقافات، ابن سينا، الغزالي، ابن عربي، ابن خلدون، الحركة الاصلاحية في الباكستان إلى المغارب، فكر حي ويعود في الفصل الخامس (من الانجيل إلى القرآن) ليتناول: عيسى والمسلمون، القرآن والمسيحيون، التلاقي الروحي، الإيمان والعدالة، مابعد الموت، الصلاة والحياة، من أجل بحث لاهوتي، وفي الفصل السادس يتساءل: أي مستقبل؟ عبر عناوين فرعية هي: أولوية التربية، البعد السياسي، الحرية الدينية، الإسلامي في فرنسا، مسئولية المؤمنين. من خلال كل هذه العناوين الفرعية المندسة بين الفصول الستة يمكن تلخيص أهم الأفكار والطروحات الواردة فيها إلى ما يأتي: 1ـ توضيح موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم من النصارى والمعبر عنه في القرآن الكريم. 2ـ ايراد أمثلة تاريخية، من عصور مختلفة، لما نسميه اليوم بـ «الحوار بين الأديان»، والاشادة بسماحة بعض الخلفاء والأمراء والمسلمين وتمدنهم. 3ـ ابراز تعاطف فلاسفة عصر التنوير في أوروبا مع المشرق الاسلامي، واعجابهم بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم واقتباس بعض آرائهم التي تمجّده. 4ـ ابراز الموقف الايجابي للفاتيكان من الاسلام، كما هي في الرسائل البابوية منذ نحو نصف قرن. 5ـ الحديث عن اللقاءات والندوات التي تعنى بالحوار بين المسلمين والمسيحيين ابتداء من 1971، وما حدث من تطور في هذا الجانب. 6ـ التأكيد على أن معرفة ابناء المشرق الاسلامي بالغرب المسيحي أكثر من معرفة أبناء الغرب المسيحي بالمشرق الاسلامي. 7ـ تزايد ندرة الكتابات الجدالية، ذات الطابع الحاد، المناهض للإسلام في الغرب وادانة المؤلف لتلك الكتابات كونها بذيئة الطرح. 8ـ الدفاع عن موقف الاسلام من المرأة، ووصف الكتابات الغربية عن المرأة المسلمة بالسطحية والجهل. 9ـ الاعتراض على انحياز فرنسا لأمريكا في حرب الخليج والاشادة بموقف الأردن الشجاع الذي كان يدعو إلى حل الأزمة حلا سلميا وعدم اللجوء إلى القوة والتأكيد على عدم قانونية التدخل العسكري الذي قادته أمريكا، لأن الصين امتنعت عن التصويت عليه في مجلس الأمن. 10ـ الكشف عن موقف الفاتيكان في حرب الخليج الرافض للعنف والدمار والداعي إلى حل الأزمة حلا سلميا. 11ـ الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة، ورفض سياسة الاستيطان الاسرائيلية وسياسة تهويد القدس، وتبيان مكانة المدينة المقدسة في الإسلام والمسيحية وايراد الآيات القرآنية التي تذكر مكانة القدس. 12 ـ التأكيد على كذب خطاب الغرب حول «الديمقراطية» و «حقوق الانسان» و «النظام الدولي الجديد» لأن أصحابه تنقصهم الشجاعة لوضع حد للفوضى التي تسود العالم، وللانحياز السافر إلى اسرائيل. 13ـ الدعوة إلى تلاقي الثقافات بين الغرب المسيحي والمشرق الاسلامي مع الحفاظ على خصوصية كل طرف وهويته التي تميزه. 14ـ الحديث عن عدد من علماء الاسلام ومكانتهم العلمية العالمية، والاشادة بانجازاتهم مثل ابن سينا والغزالي وابن عربي وابن خلدون. 15ـ الحديث عن جهود بعض علماء الاسلام في تجديد الفكر الاسلامي والانفتاح على الغرب. 16ـ الحديث عن عناصر التقارب والتباين المذهبي القائمين بين الدين المسيحي والدين الاسلامي. 17ـ الحديث عن مكانة عيسى عند المسلمين والاستشهاد بآيات من القرآن الكريم حول مكانته. 18ـ الدعوة إلى مستقبل يسوده الحوار والتفاهم والتنمية المتوازية بين الجنوب والشمال والتركيز على أولوية التربية لتمكين الأجيال الصاعدة من اكتشاف تراثها الثقافي والديني، وتراث مناطق أخرى من العالم. 19ـ إدانة التمييز العرقي الذي تعرض له الشعب البوسني. 20ـ الدعوة إلى اشاعة الحرية الدينية في كل بقاع العالم عملا ببنود الاعلام العالمي لحقوق الانسان. 21 ـ الحديث عن المسلمين في فرنسا والمصاعب التي يواجهونها، ودعوة المسيحيين الفرنسيين إلى احترام حقوقهم الدينية انسجاماً مع مبادئهم الديمقراطية. وتقييما لرؤية المؤلف يمكن القول انه ينظر إلى الإسلام والمسلمين بانصاف وتقدير كبيرين ويفصح عن فهم واضح للدين الإسلامي ورؤيته للأديان السماوية والأنبياء، ولكنه حينما ينتقد الأطراف التي تسببت في اشعال فتيل الصراع بين العالم الاسلامي والعالم الغربي المسيحي خلال القرون الماضية، فإنه يحمل ممثلي العالمين حدوث ذلك الصراع بقوله: ان المسيحيين لم يعملوا دائما بالتعاليم الانجيلية التي تدعو إلى الرحمة، كما لم يحرص المسلمون دائما على تطبيق مبادئ العدالة التي يدعو لها الاسلام، وبالرغم من ذلك يرى ان مسيحيي القرون الوسطى كانوا يجهلون موقف الإسلام من التوراة والإنجيل، ولو أنهم علموا ان المسلمين يؤمنون بهما، ويعترفون بكونهما كتابين مقدسين موحى بهما لكان من الممكن تلافي الكثير من السجالات اللاهوتية العقيمة والصراعات الدموية المبيدة. وبعد .. ان كتاب ميشال لولون (الكنيسة الكاثوليكية والإسلام) يندرج ضمن سياق الرؤى الأوروبية الجديدة التي أخذت مسار تصحيح التصورات الاستشراقية البالية عن الإسلام، التي ظلت تعشعش في الوعي واللاوعي الغربيين لقرون عدة. د. رسول محمد رسول الكتاب: الكنيسة الكاثوليكية والإسلام ـ دراسة مقارنة تأليف: الأب ميشال لولون ترجمة: فاطمة الحبابي وعادل الحبابي ـ مغربيان الناشر: المعهد الملكي للدراسات الدينية ـ عمّان 2001 الصفحات: 154 صفحة من القطع الكبير