لعلنا نجزم ان الصابئة هم من اقدم الأديان القديمة التي مازال لها بقايا في العراق. وطبيعي فان معظم الناس لا يعرفون عنهم شيئاً. بالرغم من ان ذكرهم ورد في القرآن الكريم كدين سماوي كتابي. هذا الكتاب الذي كتبه الناقد والباحث محمد الجزائري يبحث في هذا الاتجاه، عند جذور الصابئة، متى ظهروا واين؟ ماهي معتقداتهم، طقوسهم تقاليدهم، وكيف حافظوا عليها عبر آلاف السنين واستمروا في ممارستها؟! في البداية لابد ان نعرف ان موطن الصابئة هو العراق، ويسميهم العراقيون بالعامية «الصبه»، ويعيشون على ضفاف الانهار وخاصة دجلة، وهم جزء من سكان العراق الاوائل عبر تاريخه الحضاري. ويشكلون قلة دينية مازالت تمارس طقوسها ودياناتها بحرية تامة. وقد لا تتعرف عليهم رغم انهم جزء من الشرائح التي تلتقي بها يومياً في العراق، منهم الشاعر، والفنان، والاديب، والعامل الا انهم يركزون على اعمال صياغة الذهب والفضة، ويتميزون بالنقش على الفضة بمادة «المينة». محمد الجزائري يبدأ كتابه بذكر العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي ذكرت الصابئة وهي كثيرة جداً منها «ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحاً فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون». كذلك نقل الباحث بعض ماجاء في كتب الصابئة الدينية، مثل الفاتحة التي وردت في كتبهم «باسمك العظمى ابتهل اليك ياربي، ان تشمل بالرحمة أبائي القدامى من المندائيين والمؤمنين والمتصوفين والعلماء والروحانيين ورؤساء الأمة، فتغفر لهم ذنوبهم وخطاياهم وانت الشفيع، يا ارحم الراحمين». ينتقل الباحث محمد الجزائري إلى التعريف بالصابئة، ومكان سكناهم وكيف وردت اخبارهم في كتب الاولين «يذكر ان الرحالة الفرنسي تافارنيه انه حين مر بمدينة البصرة سنة 1653م قيل له ان اتباع يوحنا المعمدان «الصابئين» في البصرة واطرافها يشكلون نحو 25 الف اسرة، ولم ترد هذه المعلومة في كتاب «العراق في القرن السابع عشر فحسب» بل هي معلومة جد واقعية». ويواصل الباحث في تقديم صورة قلمية عاشها نفسه عن الصابئة، حيث يشكلون جزءاً من المجتمع العراقي المعاصر. ويمارسون طقوسهم، ودياناتهم، بحرية، وهو بذلك يقدم تلك الصور التي عاشها وتؤكد حرية ممارسة الاديان ثم ينتقل إلى الجانب التاريخي، وبعض الطقوس التي يمارسونها، وأسباب تواجدهم على ضفاف الانهار، كذلك يطرح ثقافتهم، ولغتهم، واهم الكتب التي كتبت عن الصابئة من عرب وأجانب. في باب لاحق يكتب محمد الجزائري عن فرق الصابئة، والفروقات الجوهرية بينهم، وميزات الصابئة المندائين، عن الصابئة الحرانين، في معتقداتهم، وفي نظرة الاجتهاد عند المسلمين تجاههم ويطرح مثلاً لاختلاف ائمة المسلمين ثم اتفاقهم حول الصابئة بما ذهب اليه الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان فيقول محمد الجزائري نقلاً عن مصادر معتمدة «التبست على ابو حنيفة حقيقة الصابئة، فاختلف هو مع صاحبيه ابي يوسف ومحمد في مسألة اكل ذبائح الصابئة، فحرمها ابو حنيفة واحلها صاحباه، فقال اصحابهم انه ليس بخلاف على الحقيقة، وانما هو خلاف في الفتوى، لان ابا حنيفة سئل عن الصابئة الحرانين وهم معروفون بعبادة الكواكب فاجراهم مجرى عبدة الاوثان على تحريم المناكحة والذباحة. وصاحباه سئلا عن الصابئة المندائيين الساكنين في البطيحة، وهم فرقة من النصارى يؤمنون بالمسيح عليه السلام فاجابا بجواز أكل ذبائحهم ومناكحتهم، ذلك ما ذكره ابن القفطي في كتابه تاريخ الحكماء. ثم يسافر محمد الجرائري في بحث شائك عبر التاريخ من خلال ماجاء في الديانات السماوية، وما جاء في القرآن الكريم للوصول إلى ان الصابئة دين كتابي يوحد الله ويعبده. «اذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم واباؤكم في ضلال مبين قالوا اجئتنا بالحق ام انت من اللاعبين. قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وانا على ذلك من الشاهدين، وتالله لأكيدن اصنامكم بعد ان تولوا مدبرين» وقد سبب ذلك الايمان بالله حرق ابراهيم «3» والتي نزلت الآية المعروفة من سورة الانبياء «قالوا حرقوه وانصروا الهتكم ان كنتم فاعلين. قلنا يانار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم، وارادوا به كيداً فجعلناهم الاخسرين». ويواصل محمد الجزائري بحثه في جذور الصابئة المندائييون معتمداً على ما جاء بالقرآن الكريم في سور ثلاث «البقرة، المائدة، الحج»، وكذلك إلى ما ذهب له عباس محمود العقاد في بحثه عن الصابئة، او ما كتبه عبدالحميد السحار أو غيرهما. منتقلاً إلى اصل التسمية «منذ القدم عرف اصل كلمة «صبأ» وتعني «التعميد، او التطهير بالماء»، والتطهير شعيرة من الشعائر الأساسية للصابئة المندائيين. والصابئة في عهد الرسول «صلى الله عليه وسلم» فئة على دين خاص كاليهود والنصارى. اجمع اللغويون على اشتقاق الكلمة من الجذر المهموز «صبأ» وكتبوا ان الصبوء يعني الخروج من دين إلى دين آخر، وذكروا ان العرب كانت تسمى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الصابيء لانه خرج من دين قريش إلى الإسلام. ثم يكتب عن المانوية ومفهومها، ومن هو ماني الذي تنسب له التسمية. ثم ينتقل إلى «الثنوية» ومفهومها ونشأتها وتاريخها في بابل وميسان ثم إلى المندائية كدين له علاقة بالعرب وبتاريخهم اضافة إلى تاريخ العراق ومصر ويدخل محمد الجزائري في صلب الدين الصابئي، ويحاول ولوج مفاهيمهم ومن خلال بوابات سماها «المعرفة»، «الكروم»، «الحياة الأولى» وكلها بوابات تسمح لدخول الباحث إلى عقيدة الصابئة المندائيين، كذلك ما طرحه الاقدمون من علماء العرب والباحثين الذين سبق وان حاولوا فهم هذه المفاهيم وهذا الدين الذي يعتبر من اقدم الديانات السماوية «فعند الصابئة المندائيين يحرم الزواج من الاخت، وذريتها، وذرية الاخ، وابنة زوجة الاب، وابنة زوج الام، وابن زوج الاخت، وابنتها، وزوجة الخال، والعم، والاخ، كما يحرم الجمع بين الاختين على قيد الحياة، وغير مطلقة احداهما، كما يجري التحريم على الخالة والعمة. يحرم الختان، والسجود للنار أو الشمس أو القمر أو الكواكب والاصنام والاوثان والشيطان، ويحرم النظر إلى المحصنة بريب، كما يحرم الزنا واللواط، وهما من الكبائر اذ لا شفاعة للزاني أو الزانية والقوادة، يحرم القتل والقتال الا في حالة الدفاع عن النفس والشرف والمال أو الجهاد عن الوطن والدفاع عنه. ويفتح الباحث باباً آخر لدراسة الصابئة ودينهم ومنهجهم الحياتي، وابتداء من تاريخ العراق القديم «الكلدانيين والبابليين» ومن ثم السومريين دون ان يتجاهل الفراعنة وعلاقتهم بالصابئة، ويطرح مفاهيم العالم، والكون، والعالم الارضي، والالهة، وخلق الانسان، وعوالم اخرى مثل عالم النور، وعالم الظلام، وعملية الخلق، خلق الانسان، ثم يلج إلى طقوس الصابئة ابتداء من التعميد، مروراً بالنحر، والاضاحي، وطعام الغفران، والصلاة، والاعياد، «يعتبر عيد رأس السنة الكبير «التكريس» ويسمونه «الصخوة» أو الاضحية الكبرى، وهو ذكرى هبة الله الحياة أو النسمة أو الكلمة أو الأمر الذي كان به آدم الإنسان الأول الذي عمر هو وابناؤه الأرض فبناها لأول مرة.... يقع هذا العيد في اليوم الأخير من السنة المنتهية نهاية يناير وهو يوم الاجتماع والنقاء... يصومون عن اللحوم لمدة أربعة عشر يوماً احتراماً لهذه المناسبة، وفي هذا العيد يفضل الصابئة المندائيون الاجتماع في بيوتهم وتكريس اوقاتهم للعبادة والدعاء، وتكون مدة التكريس 36 ساعة يخرجون بعدها فيقيمون شعائر العيد من تهان وملبس ومأكل. وأخيراً يحاول الباحث ان يكمل بحثه في علم احتساب النجوم، وارائهم في التقويم، والعلاقة في التقويم البابلي، والاشهر وتسمياتها، والاسفار والابراج ويقول «مهدت بابل وفارس وميديا، ظروفاً طبيعية لنمو ديانات وعقائد وفقت بين التقاليد والشعائر القديمة وبين افكار حضارات وفلسفات أخرى كالحضارة الصينية والفلسفة الدينية القديمة في الهند، وقد تمتع الصابئة المندائيون بحرية المعتقد، حتى ممن شغل وظائف بارزة في ديوان الخلافة العباسية كابي اسحق ابراهيم بن هلال بن زهرون الصابي، الذي يقي كاتباً للانشاء في بغداد وصديقاً ملازماً للشريف الرضي. آخر ما جاء في هذا الكتاب الثمين ملاحق تحتوي على صور ووثائق وخرائط تساعد على فهم هذا الكتاب، وتقرب الصورة التي طرحها الباحث، واعتقد ان الكتاب من الكتب المتميزة، خاصة وهو يبحث بتفصيل ممتع عن طائفة أو دين يعتبر من الاديان شبه المنقرضة، أو من طوائف الاقليات الذين هم بقايا لحضارة وادي الرافدين. واجد ان قراءته اضافة إلى ما يحصل القاريء عليه من معلومة جديدة فهو ممتع يمنح القراء متعة الكشف عن عوالم جديدة بالنسبة للقاريء المعاصر معادة له من عمق التاريخ الإنساني. عبدالاله عبدالقادر الكتاب: المندائيون الصابئة تأليف: محمد الجزائري الناشر: المعهد الملكي للدراسات الدينية ـ عمّان 2001 الصفحات: 314 صفحة من القطع الكبير