تاريخ التعذيب، عنوان عريض لكتاب مهم ترجم حديثاً الى العربية نقدمه اليوم الى قراء «بيان الكتب» باعتباره واحداً من اكثر الكتب كشفاً للمأساة الانسانية على يد الانسان ذاته. الكتاب بقلم الكاتب الامريكي بيرنهارت ج.هروود وترجمة الشاعر السوري ممدوح عدوان ونشرته دار الجندي، وفيه وصف وتحليل لآليات التعذيب قديماً وحديثاً مع تبيان واضح لماذا يعذب الانسان ـ الانسان؟! لقد دخلت كتب كثيرة ذاكرة الثقافة البشرية الحية لأنها تطرقت الى موضوعات شديدة الحساسية والتعقيد، ولأنها لخصت حقائق حاضرة في الحياة وتكاد الاجيال ان تتوارثها وكأنها اصبحت من مسلمات الحياة، بينما هي في الواقع ذات منشأ مرضي وماضٍ قاسٍ، لذلك تصبح موضوعة التعذيب التي نتحدث عنها اليوم مرادفة للظلم والقهر، وتصبح نظاماً مؤسساتياً داخل اقبية رطبة حيث القوي يضرب الضعيف الاعزل، وحيث احدهم يدفع ثمن كلمة نطقها ذات يوم، او رغيف اشتهاه في ليلة جوع! ولكن لماذا نعطي هذا الاهتمام الآن لكتاب مترجم عن التعذيب ونحن شعوب معذبة «بكسر الذال» ومعذبة «بفتح الذال» وفي احسن الاحوال نحن ضحايا ماضينا الذي فيه مئات قصص التعذيب، ومرهونون لحاضرنا الزاخر بمئات من القصص عن التعذيب، وربما يخبيء لنا المستقبل قصصاً اخرى اشد وطأة واكثر قسوة! اننا نهتم بالتعذيب لأنه لازم مسيرة الانسان في هذه المنطقة، حيث لم تذق دولة من دول العالم استعماراً كما ذاق الوطن العربي، فمرة كان هذا الوطن مستعمراً بمرجعيات دينية «الاستعمار العثماني مثلاً» ومرة كان مستعمراً بمرجعيات اقتصادية «الاستعمار الفرنسي والانجليزي» واخرى لا يزال مستعمراً بمرجعيات جيو سياسية كما هو الحال في فلسطين المحتلة، حيث لا يحتاج المرء الى تعريف للتعذيب طالما يرى بأم عينه احداثاً تشقي الطفل وتقتل الكهل ولا توفر النساء... وإذ نقدم في هذا العدد كتاباً عن التعذيب لأن لا احد سيعرف معناه ويدرك حقائقه اكثر منا، وفي هذا الصدد يمكن الاشارة الى مسرحية صموئيل بيكيت «في انتظار غودو» التي لاقت صدى واسعاً لدى عرضها في سجون فرنسا مطلع الستينيات، وحينما سئل احد المسجونين عن مدى فهمه لتلك المسرحية قال: لا احد يعرف قيمة الانتظار اكثر منا نحن السجناء. ونحن بدورنا نقول لا احد يعرف العذاب حقيقة طالما نعيش اوضاعاً كهذه في فلسطين المحتلة. انه كتاب في اوانه او جرح في خاصرة الحقيقة المرة، يستحق القراءة.