كل العيون ترنو إلى الساحرة (الكاهنة) بذراعيها الممدودتين ووجهها المتخفي وراء القناع. ترتدي تلك الكاهنة قلنسوة طويلة نحيلة الطرف، قابضة على عصا قصيرة في كل يد. هناك شرّابات زينة على وركيها وكوعيها تهتز متواثبة عندما تتحرك تلك المرأة الغامضة. والحشد من حولها يتفرج مسحورا وهي تشرع في رحلتها إلى عالم الأرواح. هذا التوصيف هو واحد من التأويلات المحتملة لمشهد سجل قبل آلاف السنين على نتوء صخري في شمال غربي استراليا. وهذه الصورة الزيتية جزء من مجموعة ضخمة تفتح نافذة على مجتمع قديم كان يعيش على الصيد والجمع ربما يعود تاريخه إلى العصر الجليدي الأخير. ورغم جودة وضخامة هذا السجل، لكن لاتزال هناك أشياء كثيرة مبهمة حول الرسومات. من رسمها؟ ومتى رسمت؟ وماذا تعني هذه الرسومات؟ يقترح فريق من الباحثين يترأسهم بير مايكلسن، عالم الجيولوجيا في جامعة كوك بكوينزلاند ان هذا العمل الفني الصخري ربما يكون أقدم تصوير معروف للطقوس «الشامانية»، أي طقوس السحر والشعوذة التي كان يمارسها الكهنة في القدم لمعالجة المرض وكشف المخبأ في الأقدار والسيطرة على الأحداث. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى القول إن تلك الرسومات القديمة ربما تجسد الممارسات الدينية المبكرة في التاريخ البشري، بل وأكثر من ذلك ربما تمثل تراثا ثقافيا مشتركا لجميع البشر. إلا أن مثل هذه النظريات الجديدة لا تلقى صدرا رحبا في أوساط علماء فن الصخور. لكن بغض النظر عن الأفكار السائدة، فإن الجدل على هذا الصعيد لابد أن يجذب الانتباه إلى سجل مذهل لأناس اختفوا منذ غابر الزمان. أطلق على تلك الأعمال الفنية اسم رسومات برادشو نسبة إلى المستوطن الأوروبي جوزيف برادشو، الذي كان أول من انتبه إلى وجودها وقدم توصيفا لها عام 1891. وقد عثر على الرسومات في منطقة تدعى كيمبرلي، وهي مكان ناء حتى بالمقاييس الاسترالية. تقع كيمبرلي عند النهاية الشرقية لاستراليا الغربية وحجمها يعادل تقريبا ضعفي حجم بريطانيا ومع ذلك فإن تعداد سكانها لا يتجاوز 40 ألف نسمة. انها أرض وعرة من الصخور الرملية والوديان الضيقة العميقة والمستنقعات الغادرة. الطرق قليلة في هذه المنطقة والرياح الموسمية الاستوائية تجعل من المتعذر الدخول إلى أجزائها الداخلية في معظم أوقات السنة. ويقدّر مايكلسن انه ربما يكون هناك عدد يصل إلى مئة ألف «معرض فني» على هذه المشاكلة مخبأة عن الأنظار بين ثنايا النتوءات الصخرية البارزة على أطول شبكات الأنهار الكبيرة في المنطقة، فالعديد من الرسومات المكتشفة لم تدرس قط حتى الآن. لكن الملاحظات التي كونها باحثون آخرون على مدى العقود القليلة الماضية تظهر وجود العديد من الأساليب الفنية المميزة. ويحدد الباحثون أربع مراحل على الأقل يمكنهم ترتيبها حسب التسلسل الزمني استنادا إلى نماذج تحلّل التربة والصخور وحالات وضع أسلوب فني معين فوق آخر. الرسومات الأقدم والأكبر والتي يصل ارتفاعها إلى 106 أمتار تعتبر أكثر الصور واقعية وتظهر أشكالا بشرية في وضعيات ثابتة في أثواب احتفالية على ما يبدو. تتميز هذه الأشكال بوجود قلنسوات مخروطية كبيرة على رؤوسها وقطع تزينية مربوطة بأذرعها وأكواعها وأوراكها وركبها. وقد أولى الفنانون القدماء عناية كبيرة لتصوير ليس فقط أدوات الزينة وانما أيضا منحنيات الجسم البشري والتفاصيل التشريحية مثل أصابع القدمين واليدين. ولاتزال بعض تلك الرسومات تحتفظ بآثار الأصبغة الصفراء والبيضاء المضافة للونين الأحمر والتوتي اللذين يميزان فترة زمنية معينة. هناك كم كبير من التفاصيل الفنية والثقافية التي توفر ثروة من المعلومات عن شعب «برادشو». لكن رغم هذا لا يعرف أحد إلى الآن متى تطوّرت ثقافة برادشو أو من أين جاءت. فريقان علميان فقط حاولا تحديد تاريخ الرسومات بالقياس المباشر وكان هناك فرق شاسع بين نتيجتيهما. ففي عام 1997 قام فريق يترأسه ريتشارد روبرتس من جامعة ملبورن باستخدام ما يعرف بتقنية التلألؤ وقدّروا بواسطتها تاريخ أحد الرسومات الفتية نسبيا بنحو 16 ألف عام على أقل تقدير. الدراسة الثانية استخدمت تقنية تحديد الأعماربقياس الكربون المشع وقدّرت تاريخ الرسومات التقريبي بنحو 4000 عام. ويعتقد صاحب الدراسة آلان واتشمان من جامعة جيمس كوك أن ثقافة برادشو في شمالي استراليا ربما تعود إلى تاريخ يقع ما بين 5000 و6000 عام مضت، لكنه يرفض فكرة أن يكون عمرها 17 ألف عام أو أكثر. ورغم اختلافهما في وجهات النظر يعمل الباحثان سويا الآن ويتوقعان أن يقدما نتائج جديدة قبل نهاية العام الجاري. وعلى أي حال فإن شعب البرادشو لم يكن الشعب الأصلي لكيمبرلي. فرسوماتهم تختلف عن أقدم رسومات فنية عثر عليها في المنطقة والتي تميزها حيوانات بسيطة حاضرة في كل عمل فني تقريبا. وتشير الدلائل الأثرية إلى أن أول مستوطنين لمنطقة كيمبرلي وصلوا عندما وجدوا ظروفا مناخية وغابات استوائية غنية تتيح البقاء على مدار السنة. لكن بعد ذلك بدأت الأشياء تتغير. فالعصر الجليدي جلب درجات حرارة منخفضة ورياح عاتية وأمطار أقل إلى استراليا الشمالية. وانخفض مستوى البحر إلى حد بعيد فاتصلت استراليا بغينيا الجديدة ولم يعد يفصلها عن جنوب شرقي آسيا سوى قناة ضيقة. وهو ما يثير احتمال أن يكون شعب برادشو قد قدم من اندونيسيا. وهو احتمال يعززه ظهور صورة قارب في أحد رسوماتهم. لكن ليس هناك أدلة قوية تدعم هذه النظرية إلى الآن. وهكذا فإن البحث عن معنى في هذا السجل الفني المذهل سيتواصل بالتأكيد. ولابد أن مئات وربما آلاف الفنانين الموهوبين قد عملوا على هذه الرسومات على مدار أجيال عديدة ومع ذلك ظلوا على الدوام حريصين على الالتزام بالقيود الفنية الصارمة المميزة لكل فترة. وبطبيعة الحال فإن هذه الحقائق وحدها تشير إلى أن القصد من الرسومات كان ايصال معلومات محددة. لكن فك شيفرة هذه المعلومات في وقتنا الحاضر يشكل تحديا كبيرا يواجه العلماء الذين أسرهم سحر فن برادشو. علي محمد

