عندما فرغ العلماء من رسم خارطة الجينوم البشري وسط ضجة اعلامية كبيرة، كان الجميع يدرك ان ذلك الانجاز الهائل ليس هدفاً بحد ذاته بل بداية لثورة في علم الجينات، وفي الواقع انه لايمكننا فهم الجينوم البشري على حقيقته إلا في سياقه الصحيح. وهذا يعني الخوض في علم الجينوم المقارن، أي التمحيص في ترتيب وموضع الجينوم البشري بين جينومات كائنات حية اخرى. عندها فقط سنكون قادرين على الاجابة على اسئلة مثل: اي الجينات تشكل قاسماً مشتركاً بين جميع الكائنات وبالتالي تقود محرك الحياة من تلقاء ذاتها؟ أي الجينات التي نشترك بها مع الحيوانات دوناً عن النباتات؟ اي الجينات ننفرد بها نحن البشر دوناً عن بقية المخلوقات وهل يمكن لهذه الجينات ان تفك أسرار اللغة أو حتى الوعي بحد ذاته؟ لقد حقق العلماء بداية ممتازة بفك الشيفرات الوراثية للعديد من الميكروبات وذبابة الفاكهة وأحد أنواع الديدان، لكن ما يسعون اليه الان هو جينوم حيوان ثديي آخر بحيث يصبح متاحاً إجراء مقارنات تفصيلية بينه وبين الجينوم البشري. إن جميع الثدييات من الانسان الى الفأر، لها نفس الوظائف الفيزيولوجية، فأجهزة الدورة الدموية والأعصاب والهضم والمناعة والهرمونات جميعها تعمل بأسلوب متشابه جداً عند الحيوانات الثديية التي تشترك أيضاً بنفس الأنزيمات والمسالك البيوكيماوية والعديد من الأمراض نفسها. فالفأر، على سبيل المثال، يمكن ان يصاب بنوبة قلبية ومن الطبيعي أننا جميعاً كثدييات نشترك بنفس الجينات تقريباً. والأكثر من ذلك هو ان هوية وترتيب وانتظام الجينات لى الكروموزومات (الصبغيات) لم تشهد سوى تغيرات طفيفة خلال فترة نشوء وتطور الثدييات التي استمرت 75 مليون عام. وهذا يعني انه عندما تكتشف جينة في حيوان ثديي معين فانه يسهل تحديد موقع نظيرتها في حيوان آخر. وكل هذه النقاط تشكل قاعدة قوية تبرر القيام بمشروع جينوم حيوان ثديي آخر بعد استكمال رسم خارطة الجينوم البشري. وقد وقع الاختيار على الفأر المخبري لينال شرف رسم خارطة الجينوم الخاصة به ومقارنتها بجينوم الانسان. وتقول كارول بولت، مديرة قسم المعلوماتية البيولوجية في مختبر جاكسون بمدينة بار هاربور الأمريكية الذي يعتبر من أهم مراكز أبحاث جينات الفئران في الولايات المتحدة: «هناك سببان رئيسيان لترتيب جينوم الفأر، أولهما ان البشر والفئران يشتركان في العديد من (إن لم يكن معظم) الكتالوج الجيني نفسه، والمورثات على مستوى الحمض النووي «دي إن إيه» متشابهة الى حد كبير». وتضيف بولت: «وكما تبين للعلماء، فإنه من الصعب جداً العثور على الجينات في بيانات ترتيب الجينوم الخام باستخدام الوسائل الحاسوبية فقط. وذلك لأن الجينومات الكبيرة مثل الجينوم البشري ليست جينات بالمقام الأول. ولذا فإن هناك مشكلة حاسوبية كبيرة توجب فصل الاشارة (أي الجينات) عن التشويش (أي متتاليات الـ «دي ان ايه»). وبما ان هناك تشابهاً كبيراً بين الجينات البشرية وجينات الفئران فان العلماء يستطيعون استخدام جينوم الفئران لمساعدتهم في ايجاد ورسم الحدود الدقيقة للجينات البشرية». أما السبب الثاني، كما تقول بولت، فهو يتخطى العثور على المورثات ويتعلق بصلب السبب الذي سيجعل الفأر الوصيف الاختباري الأكثر شهرة لفهم الجينوم البشري خلال السنوات القليلة المقبلة، وتمضي بولت قائلة: «ان رسم الخارطة الكاملة لجينوم الفأر سيسمح لعلماء التجارب بتصميم ممرات جينية قوية تساعدنا على فهم طبيعة وظائف الجينات بدقة وكيفية تداخلها وتفاعلها في شبكات تنظيمية ومسارات استقلابية معقدة، وهذا سيوفر علينا سنوات بل عقوداً من الجهد المخبري المضني اللازم حالياً لدراسة وظيفة جينية معينة». وكما حصل في الجينوم البشري، فإن مشروع جينوم الفئران يجري تنفيذه الان من قبل فرق بحث عامة وخاصة متنافسة. وعلى صعيد القطاع العام، هناك كونسورتيوم جينوم الفئران، الذي يضم معهد «ولكوم ترست» البريطاني واتحاد المعاهد الصحية الأمريكية الذي يمول أبحاث جينات الفئران في عشرة مراكز بالولايات المتحدة. وفي بريطانيا يجري العمل على المشروع في مركز سانجر بالقرب من كامبريدج وفي مركز جينوم الفئران التابع لمجلس الابحاث الطبية في اكسفورد شاير، انفق حتى الان حوالي 60 مليون دولار على المشروع في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وعلى صعيد القطاع الخاص فإن هناك شركة «سليرا جينوميكس» في روكفيل بولاية ميريلاند الأمريكية وكان مؤسس الشركة كريج فنتر قد أثار سخط الباحثين الذين يتلقون تمويلهم من القطاع العام، عندما أعلن في عام 1998 ان شركته ستكون أول من ينجز رسم خارطة الجينوم البشري. وطبعاً تمت تسوية الأمر دبلوماسياً في نهاية المطاف، عندما أعلن كلا الطرفان عن استكمال المشروع في نفس اليوم في 26 يونيو عام 2000. هل سينجح فنتر مرة اخرى؟ لقد سبق لشركة «سليرا» أن وضعت مخططاً لجينات ثلاث سلالات مختلفة من الفئران، لكن ليس بنفس مستوى الدقة والتفصيل الذي وعد به الكونسورتيوم، لكن سليرا تقول ايضاً ان انجاز الخارطة الكاملة لجينوم الفئران بات وشيكاً. في هذه الاثناء يقوم فريق من العلماء اليابانيين بجمع موسوعة عن جينات الفئران المخبرية وهم يمحصون في اشرطة الـ «دي ان ايه» المختلفة الناشطة في انسجة الفأر المتنوعة، وجمع هؤلاء الى الان 20 ألف مادة لهذه الموسوعة التي يفترض ان تمثل 13 ألف جينة وراثية. غير أن كل هذا التركيز على الفأر ليس أمراً جديداً ففأر المختبرات، وهو سلالة بيضاء من فأر المنازل، يستخدم منذ زمن طويل كنموذج حيواني في الأبحاث الطبية والسلوكية. ولقد ذهب التوسع في الدراسات على الفئران الى حد دفع بعض الباحثين الى القول بأننا نعرف عن الفئران أكثر مما نعرف عن انفسنا، ويكفي ان نعرف ان ملايين الفئران عاشت وماتت في المختبرات في مختلف انحاء العالم لخدمة مصالح وصحة ورفاه الانسان.


