النفاق في اللغة يراد به الخروج والبروز بعد الاستتار وأما في الشرع فان معناه اظهار الايمان واسرار الكفر أو اظهار الخير واسرار الشر إذ يصيب القلوب العليلة، كما يقول تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وقد قسمه العلماء قسمين: نفاق الكفر وهو ما يتعلق بالايمان ونفاق العمل باظهار ارادة الخير وابطان الشر وواضح ان نفاق الكفر أخطرهما لذلك يطلق عليه النفاق الأكبر باظهار الايمان واسرار الكفر وقد اهتم القرآن الكريم اهتماما بالغا بالكشف عن المنافقين وأساليبهم الملتوية ونفوسهم المريضة فرصد طبائعهم وسجل انحرافاتهم وشخص صفاتهم تشخيصا دقيقا يحدد معالمهم ليحذرهم المجتمع المسلم (ولو شاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) فالمنافقون أشد خطرا على المجتمع المسلم من الكافرين بكشفهم لعوراته وتتبعهم للمواطن التي يؤتى منها. ومن مظاهر اهتمام القرآن الكريم بكشف هوية المنافقين وطبيعتهم ان خصص في شأنهم سورة سميت باسمهم «المنافقون» وتحدث عنهم في سور عديدة كالبقرة والنساء والتوبة والأحزاب ومحمد وغيرها. وفي عصر النبوة الهادية وجد كثير من أصحاب النفاق الأكبر وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول بعد أن ظهرت قوة المسلمين التي يخشى بأسها ويرهب جانبها فكانوا يظهرون الايمان تقية ويبطنون الكفر وفي عصرنا الحاضر لا يكاد النفاق الأكبر يشكل ظاهرة يخشى منها بل ان النوع الثاني وهو نفاق العمل أو النفاق الأصغر هو الذي يشكل ظاهرة تؤثر أثرا بالغا في مسار حياتنا وقد ورد في نفاق العمل أحاديث كثيرة نذكر منها ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان». وقد تساءل العلماء هل من جمع هذه الصفات كلها يحكم عليه بالكفر؟ وأجابوا مجمعين كما قال النووي ان من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه ولا هو منافق يخلد في النار فان اخوة يوسف عليه السلام جمعوا هذه الخصال وقد وجدت بعضها أو كلها عند بعض السلف وحملوا الصفات الواردة في الحديثين على ان صاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الصفات ومتخلق بأخلاقهم. وقد علق ابن حجر العسقلاني على هذا فقال: «قلت: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على ان المراد بالمنافق نفاق الكفر وقد قيل في الجواب عنه: ان المراد بالنفاق نفاق العمل وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر رضي الله عنه لحذيفة: هل تعلم في شيئا من النفاق؟ فانه لم يرد بذلك نفاق الكفر وانما أراد نفاق العمل. وحقيقة نحن مأمورون أن نعامل الناس بالظواهر وبواطنهم على الله فليس لأحد أن يكفر غيره ممن نطقوا بالشهادتين ولكن لا يجب الفصل بين نفاق العمل ونفاق الاعتقاد أو النفاق الأصغر والنفاق الأكبر وبخاصة انه ثبت في روايات صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الايمان قد يخالطه نفاق الكفر أو ينقلب عليه فيصير منافقا خالصا ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي رواه الامام أحمد في مسنده يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأما القلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه ايمان ونفاق ومثل الايمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل المنافق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبته على الأخرى غلبت عليه» بل ان ذلك يفهم من قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان). وإذا كان اخوة يوسف عليه السلام أو بعض السلف قد جمعوا هذه الخصال كلها أو بعضها فليس ذلك حجة على قوة ايمانهم وتماسك عقيدتهم بل يدل فعلهم على عكس ذلك ولكنهم اعترفوا بجرمهم وخطيئتهم وطلبوا المغفرة من أبيهم وفعلهم الجامع لخصال النفاق ليس حجة كذلك على تكفيرهم ما داموا قد أعلنوا الايمان وقد بلغ تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق مبلغا عظيما في تلك الرواية التي رواها العلاء بن عبدالرحمن وذيلت بقلوه: «وان صام وصلى وزعم انه مسلم» بعد تعداد علامات المنافق الثلاث فحسابه إذن على الله لانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ومن مجموع الروايتين السابقتين لعلامات النفاق نجد ان خصال النفاق المذكور هي: الكذب والخيانة في الأمانة والخلف في الوعد والغدر في المعاهدة والفجور في الخصومة. وعندما ننظر إلى مصير امة تتفشى فيها هذه الخصال كلها أو بعضها نجدها أمة ضائعة لا ثقة بين أفرادها وخصلة واحدة من هذه الخصال تشيع القلق والاضطراب في نفوس أبناء المجتمع فهذا صنف من المنافقين أوتي فصاحة اللسان وسحر البيان وبلاغة الكلام ولكنه كذوب على الله مزور مهلك للحرث والنسل (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد). وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب» إن خيانة المسلم أو المجتمع الاسلامي لأمر عظيم توعد الله بأن يجزي صاحبه من نفس الكأس. ويقول: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فان من يتتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». وبالله التوفيق