تنزع بعض المذاهب الأدبية الحديثة اليوم الى إعفاء الأديب من الالتزام، وتحاول تجريد الأدب من المسئولية، حتى لم يعد يتحدث عن دوره ووظيفته، وصار الحديث كله يتجه الى بيان طبيعته، ولا سيما اللغوية منها، هل انقطعت صلة الأدب بالحياة والمجتمع، ولم يعد ـ كما يراد له ـ أكثر من بناء لغوي متميز؟ وما على المتلقي في هذه الحالة ـ أياً كان ـ سوى البحث عن هذا البناء والاشتغال به وإلا عد متلقياً متخلفاً يتعامل مع الأدب بمعطيات قديمة بالية. إن واقع الحال يشهد أن الأمر ينبغي أن يكون على النقيض من ذلك، فالالتزام اليوم مطلب حضاري، لأنه يعني تواصل الإنسان مع العصر، وعيشه فيه، وهذا عصر الافكار والأيديولوجيات والمذاهب الفلسفية والسياسية والاجتماعية، ولا يمكن للإنسان ان يعيش متفرجاً على ذلك كله من غير أن يكون له موقف. يقول الناقد الفرنسي ماكس أوبريت: «ظهر مصطلح أدب الالتزام، أو أدب المواقف نتيجة لتأثير الأيديولوجيات الحديثة في الأدب، التي تعكس ـ بالرغم من تعددها وتباينها ـ في شيء واحد، وهو أنها تعكس المتغيرات الاجتماعية السياسية لعصرنا. ومن أجل ذلك فإن هذه الأيديولوجيات تجبر كل امريء منا أن يعيد فحص موقفه نقدياً من العالم، ومسئوليته نحو الآخرين...». وإذا كان هذا من شأن أي انسان متحضر يحترم عقله، فما بالك إن كان هذا الإنسان مفكراً أو أديباً؟ إن وقوفه على الحياد، أو موقف اللامبالاة، أو انسحابه الى عوالم ذاتية أو خيالية لعار ما بعده عار، وهو في حق المسلم أكثر عاراً، فقد جعله الله مستخلفاً في الأرض، وشاهداً على الناس، بل رائداً، والرائد لا يكذب أهله. إن على الأديب ـ وهو رائد لا يكذب أهله ـ ان ينظر فيما حوله، وان يحدد موقفه بجلاء ووضوح، ليعرف أين يضع قدمه، وفي أي جهة يسير؟ إن الالتزام بهذا المفهوم هو حيوية وإيجابية. إنه يعني في هذا الواقع المتحرك بسرعة أننا طرف فيه، أو جزء منه، نساهم في صنعه، وفي تحمل مسئولية ما يجري على سطحه، بدلاً من ان نتفرج عليه، أو نجري وراء الآخرين مثل قطيع الأغنام. وإن الالتزام بجعل الأدب نشاطاً جاداً فعالاً، ذا تأثير في مسار الحياة، وفي حركتها، مما يكسبه المصداقية والقيمة، ولو أخذنا برأي أصحاب الفن، وبرأي بعض المدارس الحداثية المعاصرة التي تنحو منحى الفن للفن على أشكال مختلفة، لسقطت منزلة الأدب، إذ سيتحول عندئذ الى حلى لفظية، وزخارف كلامية، لا غرض لها أبعد من ذلك. إن الالتزام يجعل الأدب غيرياً، مرتبطاً بالآخر، منشغلاً به، ينبض بهمومه وأحساسيسه، ويعيش أفراحه وأتراحه، بدلاً من انغلاقه على ذاته، واجتراره مشاعر فردية، أو هيمانه في أودية الخيال المسرف المجنّح. إن الالتزام يتمشى مع سنة الله في الكون الذي لم يخلق شيئاً عبثاً، ومن ذلك الكلمة، فهي أمانة ومسئولية، بل هي أعظم منّة امتنّ الله بها على الإنسان (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان). ولابد للأدب الذي مادته الكلمة أن يكون ـ ككل ما خلق الله ـ ذا هدف، انه ابن الحياة، وعليه خدمتها، وذلك: بمعالجة مشكلاتها أو محاولة تجميلها، أو تقديم تفسير لها، أو الكشف عن أسرارها، أو إيضاح الغرض منها، أو بيان الحق والباطل فيها، وهو بذلك كله يعين الإنسان على العيش فيها، ويكون له هادياً في طريقها اللاهب البعيد. كان وردز ورث يقول: «كل شاعر عظيم معلم، وأحب أن يعتبرني الناس معلماً أو لا شيء». إذا كان هذا شأن الأديب غير المسلم فما بالك بالأديب المسلم الذي يفترض ان يكون ذا دور ريادي متميّز. وإذا كان القرآن الكريم قد تحدث في أكثر من موضوع عن مسئولية الإنسان في استخدام حواسه جميعها، فقال ـ عز من قائل ـ : (إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولاً) وأنه سيوقف ويحاسب عليها: (وقفوهم إنهم مسئولون) وإذا كان لكل كلمة اعتبار في احتساب الثواب والعقاب، فهل يُستثنى من ذلك الفنان والشاعر والأديب بحجة أن ما يقوله صادر عن لحظة انفعال وجدانية، أو إثارة عاطفية، وأنه مجرد تعبيرات وصور جمالية فنية لا تصور الحقيقة، أي مجرد تعبيرات هدفها التصوير الفني فحسب، فلا تدخل عندئذ في إطار المنع أو الحظر الشرعي والعقدي؟ إن هذا كله ـ من غير شك ـ أبعد ما يكون عن التصور الإسلامي للأدب ومسئوليته والتزامه. د. وليد قصاب