بالرغم من اجماع الأمة الإسلامية على أفضلية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقات واصطفاء المولى سبحانه وتعالى له الا ان البعض كانوا ولا يزالون يثيرون جدلاً حول جواز اطلاق لفظ سيد أو مولى عليه، ومن ثم على آله وعلى بقية البشر مع علم هؤلاء وغيرهم بأن التوقيف إنما يكون في أسماء الله وصفاته وأفعاله لا في أسماء غيره وصفاتهم وإن المولى جل وعلا كما قال بشأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً «وكما قال عن عامة البشر «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا»، قصدت من هذا البحث اجلاء مثار الجدل بعرض آراء كل فريق وأدلته ليحيا من حيِّ عن بينه أو ليعذر المغالون غيرهم في إستعمال لفظ سيد أو مولى ماداموا قد استندوا لبراهين وأدلة. أ- أسانيد المانعين: كان من أدلة من منعوا إطلاق لفظ (سيد) على الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الأحاديث الواردة في التشهد خاصة، وفي الصلاة أو العبادة عامة لم يرد فيها لفظ (سيد)، وساقوا لإثبات ذلك عدة أحاديث نبوية، منها ما يأتي: أولاً: الأحاديث الواردة في الصلاة: عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وارحم محمد وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. عن أنس رضي الله عنه قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن عنده - فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا، صلى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله. فقال: إذا أنتم صليتم، فقولوا: اللهم صلَّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تسيدوني في الصلاة. ثانياً: الأحاديث الواردة في غير الصلاة: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن في مجلس سعد بن عبادة - فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم. جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما السيد فهو رب العالمين) أو (فاللّه السيد). ب- أسانيد المجيزين: كان من أدلة من أجازوا إطلاق لفظ (سيد)، أن القرآن الكريم أطلق لفظ: (سيد) على بعض الرسل، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يأمر المسلمين بإطلاق لفظ (سيدنا) عليه تواضعا وأدبا، إلا أنه أشار في بعض أحاديثه إلى أنه (سيد المرسلين)، (وسيد الناس)، و (سيد ولد آدم)، وورد أنه أقرَّ إطلاق لفظ سيد عليه ولم يستنكره، وقد ساقوا لإثبات ما قالوه عددا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والفتاوى العلمية، من مثل ما يأتي: أولا: الآيات القرآنية: يقول تعالى: (وسيدا وحصورا) ثانيا: الأحاديث الواردة في الصلاة: أخرج ابن أبي عاصم عن عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه - قال: قلنا يا رسول الله، قد عرفنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صلِّ على محمد وأبلغه الوسيلة والدرجة الرفيعة من الجنة. اللهم اجعل في المصطفيْنَ محبته، وفي المقربين مودته، وفي الأعليْنَ ذكره، (أو قال: داره) والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. إذا صليتم عليَّ فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعلَّ ذلك يعرض عليَّ، قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون. ثالثا: الأحاديث الواردة في غير الصلاة: نظرت عائشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا سيد العرب، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأبوك سيد كهول العرب، وعلي سيد شباب العرب. روى أبو داود في سننه، عن سهل بن حنيف، قال: مررنا بسيل، فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجت محموما، فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: مروا أبا ثابت يتعوَّذ. قال: فقلت: يا سيدي والرقى صالحة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: أنا سيّد الناس يوم القيامة ولا فخر. أقر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استعمال لفظ (سيد) في مخاطبته، وعن ذلك يقول الإمام أحمد في مسنده: استجار رجل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له رجزا، أوله: (يا سيد الناس وديان العرب).. يقول: وقد أجاره وأمر بإعادة امرأته إليه. رابعا: الفتاوى العلمية: جاء في حاشية الصّفتي في مقدمة الكتاب، ما نصه: وفي كلامه إشارة إلى جواز إطلاق السيد على - غير اللّه وهو الصحيح، لقوله تعالى: (وسيدا وحصورا) وقوله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. فإن قلت: كيف هذا مع أن بعض الصحابة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا سيدنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، إنما السيد اللّه؟ فالجواب: إنه منسوخ، أو من قبيل التواضع، أو باعتبار السيادة المطلقة. أضف إلى ما تقدم لفظ (سيد) كما ورد على غير اللّه تعالى في قوله: (وسيدا وحصورا) ورد كذلك في قوله تعالى: (وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب). وورد في قوله تعالى أيضا: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا). علما بأن لفظ (المولى) في اللغة كما يطلق على الرب كذلك على: (المالك) و (المنعِم) و (المنعَم عليه) و (المعتِق) و (المعتَق) و (العبد) و (التابع) و (الولي المحب) و(الصاحب) و (الحليف) و (النزيل) و (الجار) و (الشريك) و (الصهر) و (القريب من العصبة كالعم وابن العم ونحو ذلك)، كما يطلق على كل من ولي أمرا أو قام به. بقي أن أذكر أن ما ورد: 1- من مثل: (لا تسيّدوني في الصلاة) فهو حديث موضوع، أخرجه الحافظ إسماعيل بن محمدالعجلوني (المتوفى سنة 902 هـ) في (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) وقال عنه ما نصه: (قال: في المقاصد- يعني: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي) قال: لا أصل له، وقال الناجي في أوائل مولده المسمى بكنز العفاة: وأما النقل عن (سيد) الورى (لا تسودوني في الصلاة) فكذب مولد مفترى - والعوام مع ايرادهم له، يلحنون فيه أيضا فيقولون: لا تسيّدوني (بالياء) وإنما اللفظة بالواو. 2- من مثل: (أما السيد فهو رب العالمين) أو (فاللّه السيد) - فهو تعبير ورد في إطار قصة مُعَيَّنة يقول فيها عليه الصلاة والسلام: (كمثل سيّد ابتنى بنيانا حصينا، ثم أرسل إلى الناس بطعام - أو كما قال - فمن لم يأت طعامه - أو قال: لم يتبعه - عذبه عذابا شديدا، أو كما قالوا، قال الآخرون: (أما السيد فهو رب العالمين) وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة وهو الداعي فمن اتبعه كان في الجنة.. وقد ورد الحديث في سنن الدارمي بلفظ: فقيل لي: سيد بنى دارا فصنع مأدبة وأرسل داعيا - فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ورضى عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يطعم من المأدبة وسخط عليه السيد. قال: فاللّه السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة. بقلم: البروفيسور الشيخ حسن الفاتح الشيخ قريب الله