بيان2 بغداد ـ عيسى الصباغ: في العاصمة (بغداد) وفي اية محافظة عراقية اخرى، تطالعك عبارة (طرشي النجف) على بعض محلات بيع المخللات.. قد تتساءل عن علاقة «النجف» بالعاصمة، او بالمحافظات الاخرى، لكن شهرة (طرشي النجف) تغنيك عن السؤال.. فهو معروف وشهير بانتمائه الى محافظة النجف منذ سنين طويلة.. ولو ظهر اسمه في مكان اخر غير النجف فسيكون من قبيل استجداء الزبائن، بسرقة شهرة الطرشي النجفي اللذيذ.. هذه الشهرة التي جعلت من الطرشي اجمل والذ هدية يحملها السائح وزائر العتبات المقدسة لأهله في طريق العودة، اضافة الى كونها بضاعة غالية تدر الربح الكثير على محترفي صناعتها، وتدفعهم الى التنافس لاتقان (الصنعة) والتفنن في تطويرها واسلوب عرضها. في شارع الامام زين العابدين (ع) في محافظة النجف، لا يثير الاستغراب رؤية ازدحام السيارات امام محلات (الطرشي)، التي تكثر هناك ووجود سيارات تنتمي لدول اخرى، فزبائن باعة الطرشي ينتظمون في طوابير تضم السائح والزائر وابن المدينة وابناء القرى المجاورة للنجف، وكلهم ينتظرون دورهم للحصول على مبتغاهم من الطرشي الاصلي. عن هذه الظاهرة تحدث احد القدماء في هذه المهنة، وهو محمد عباس الحبوبي الواسع الشهرة قائلاً: يرد الينا زبائن من مختلف المحافظات والقرى ومن زوار العتبات المقدسة والسائحين القادمين من الاقطار العربية والاسلامية، وهؤلاء يبتاعون كميات كبيرة من الطرشي، وخاصة الزبائن القادمين من دول الخليج العربي ومن ايران. ـ هل هناك فروع لمحلاتكم في المحافظات؟ ـ توجد لدينا فروع في بغداد وكربلاء والنصارية والسماوة والبصرة وديالي، اذ يأتينا تجار الجملة ليأخذوا الطرشي ويبيعونه في محافظاتهم. ـ وهل هناك دخلاء على المهنة؟ ـ كثيرون.. من المعروف ان صناعة طرشي النجف متوارثة بين ابناء النجف الاشرف، وضمن عوائل معينة، لكن، مما يؤسف له ان البعض قد استغل شهرة محلاتنا وافتتح محلات في المحافظات وبغداد، وتحمل اسم (طرشي النجف)، وفي هذه اساءة للمهنة، ولجودة بضاعتنا، لكن، ما باليد حيلة، فـ (قطع الاعناق ولا قطع الارزاق) كما يقال، بيد اننا نعول على امر واحد، وهو عدم معرفة الدخلاء لاسرار اجادة الطرشي، ومدة تعتيقه، وتأخير بيعه. ـ تعتمد طريقة صناعة طرشي النجف اساساً على اختلاف الخل، عما هو معروف في بقية المحافظات.. هل تحدثنا قليلاً عن صناعة الخل اولاً؟ ـ تستخدم براميل البلاستيك لصناعة الخل لأن مادة الالمنيوم او الحديد يحللها الحامض فتتآكل.. وتستخدم البراميل ذات سعة (200) لتر، وتضم المقادير التالية: (20) كيلوجراماً من الدبس، مع (20) كيلوجراماً من التمر الزهدي حصراً، فلا يمكن استخدام اي نوع اخر من التمر، وتضاف ايضاً 3 ـ 4 كيلوجرامات من خميرة الخل القديمة، ثم يملأ باقي البرميل بالماء، ليتحول الخليط الى (كحول) خلال ثلاثة ايام، ويمنع فيها فتح البرميل منعاً باتاً.. ويترك الخل لمدة ستين يوماً، اذا كان الفصل شتاء، واربعين يوماً اذا كان صيفاً، يتحول فيها الى حامض ويكون جاهزاً للاستعمال، وكلما طالت المدة كان الخل اجود صنعاً، لذلك يتركه البعض لمدة سنة او سنتين ويسمى (الخل المعتق). ـ وما هي انواع الخل؟ ـ هناك عدة انواع، منها: (المدبس): ويضاف اليه الدبس بكميات كبيرة، كما يضاف اليه التمر بعد سحقه جيداً، ويبقى اربعين يوماً. (الحامض حلو): ويضاف اليه الدبس بكميات قليلة. (الحامض): هو الخل الصافي. (الخل الابيض): وهو الخل الذي لا يحتوي على دبس، ويستخدمه العطارون كدواء لبعض امراض الكلى. (حب الرمان): وهنا يستخدم حب الرمان، بدلاً من التمر. (خل التفاح): ويستخدم فيه التفاح، بدلاً من التمر. (خل الزبيب): ويستخدم فيه العنب الجاف (الزبيب) بدلاً من التمر. اقدم العوائل توجهنا بعد ذلك الى محل اخر يعود الى الحاج معين رشيد حميد حجيجو، وهو واحد من اقدم صناع المهنة، لانه ورث عائلة حجيجو المشهورة بها، وسألناه عن طريقة تحضير الفواكه والخضر في صناعة الطرشي، فقال: هناك طريقة واحدة.. تنقيع جميع الخضروات والفواكه قبل استخدامها لعمل الطرشي، فهي توضع في ماء مملح بمقادير كيلو جرام واحد من الفواكه او الخضر، تقابله ثلاثة اضعافه من الملح، عدا (الثوم) الذي يوضع مباشرة في الخل، لان الماء لا يخرج منه، ثم يتم حشو الخيار بـ (ثوم العجم)، والكرفس والجعفري والفلفل والثوم العادي، ويغمر بالماء والملح، بحيث لا يخرج منه شيء، لئلاً يفسد، ثم يترك لينضج بعد ثلاثين يوماً بالنسبة للخضروات والفواكه العادية، اما الخيار فينضج خلال عشرين يوماً. ـ ما هي انواع الفواكه والخضر المستخدمة لديكم؟ ـ الخيار وخيار القثاء والباذنجان والشلغم والقرنبيط والالمازة (تفاحة الارض) وثوم الجبل (ثوم العجم) واللوبياء والعنب. ـ وماذا يفضل المستهلك من كل تلك الانواع؟ ـ هنك الخيار والثوم الجبلي، رغم ان سعره غال جداً، فسعر الكيلو جرام الواحد منه يساوي ثلاثة آلاف دينار. اجتذبتنا هذه اللافتة في شارع الطرشي (ان صح التعبير)، وقد كتب عليها الاقدم، الاشهر، الاجود، فهل هو كذلك حقاً.. يقول صاحب المحل محمد جواد السيد زين العابدين: ـ تأسس هذا المحل عام 1933، وصاحبه الاصلي من مشاهير صناعة الطرشي في العراق، اضافة الى بيت (حجيجو) وبيت (سعد ذرب) ومحلات الاعرجي وكريدي الحبوبي (سيد هاشم الحبوبي، ومحمد عباس الحبوبي). ـ ما سر جودة بعض انواع الطرشي عن البعض الاخر؟ ـ السبب الاول هو قدم الخل (تعتيقه)، كلما قدم كان اجود، والثاني هو استخدام «بهارات» خاصة غالية الثمن، لهذا لا يستخدمها اغلب صناع الطرشي.. يضاف الى ذلك حشو الفواكه والخضر، والتفنن في عرضها ليتقبلها الزبون ويقبل عى شرائها. ـ اي المواسم اكثر ازدهاراً لبيع الطرشي؟ ـ في الشتاء، وذلك لبرودة الجو وقلة الفواكه والخضر المعروضة في السوق، كما يزدهر البيع خلال شهر رمضان المبارك، وايام الزيارات الى مرقد الامام علي بن ابي طالب. ـ بقي ان نعرف معنى كلمة (طرشي)، ومتى عرفت في العراق؟ وللتوصل الى جواب توجهنا بالسؤال الى مهدي كمونة الكاتب في صحيفتي (الفرات) و(الكوثر) اللتين تصدران في النجف، فأجاب: ـ اعتقد ان كلمة طرشي ليست كلمة عربية، وهي فارسية على الاغلب، او تركية، رغم ان صناعة الخل قديمة في العراق، فهناك دلائل دامغة على وجود صناعة الطرشي في العراق قبل غيره من البلدان.