بيان2: بلجراد ـ كلير بيدريك: ربما كانت «سونيا ليشت» خلال كابوس الأعوام الطويلة من فترة حكم الرئيس السابق في يوغسلافيا «سلوبودان ميلوسيفيتش» المرأة الأكثر شعورا بالوحشة في البلاد.، فقد كانت ترأس صندوقا يدعم قيام مجتمع منفتح في يوغسلافيا، وهو فرع من مؤسسة «سوروس» التي أنشأها الملياردير «جورج سوروس» المنخرط في أعمال المضاربة التجارية والذي يموّل مشاريع خيرية عدة. يستهدف هذا الصندوق تشجيع الديمقراطية في أوروبا الشرقية، لكن سلطات بلجراد كانت تنظر إلى «سوروس» على أنه أداة واشنطن في الغرب. إدارة نظام «ميلوسيفيتش» وسائل الإعلام على هذا النحو، جعل مواطني «سونيا ليشت» من اليوغسلاف يقتنعون بالأضاليل القائلة بأن صندوق «سوروس» هو جزء من محاولة متطورة لتقويض السيادة اليوغسلافية. ومع إحكام «ميلوسيفيتش» قبضته على البلاد في الماضي، عمد إلى إقفال «الصندوق من أجل مجتمع منفتح في يوغسلافيا»، في فبراير من العام 1996، لكن أُعيد فتحه في يونيو بعد تدخل شخصي من نائب الرئيس الأمريكي آنذاك آل جور. وتقول «ليشت» وهي تدل بإصبعها إلى صورة لها مع نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور: «هذه الصورة ستبقى هنا أبدا، فتدخّله مع السلطات اليوغسلافية أنقذنا». يعمل «الصندوق من أجل مجتمع منفتح في يوغسلافيا» منذ نحو عشرة أعوام. بدأ نشاطه قبل نحو تسعة أيام من الاجتياح الفاشل الذي قام به الجيش الوطني اليوغسلافي ضدّ جمهورية سلوفينيا. منذ ذاك الحين، تنوعت أعماله بين تقديم الدعم للاجئين وتوزيع الدواء وتشجيع قيام مجتمع ديمقراطي في البلاد التي عاشت أعواما طويلة في ظل الديكتاتورية. في أول بدايات الصندوق، كانت أعمال الإغاثة الإنسانية تشكّل جزءا كبيرا من نشاطه. وتتذكّر «ليشت» أنه بين العام 1992 والعام 1995، استورد الصندوق أكثر من 170 طنا من الأدوية، وقدّمها مباشرة إلى المستشفيات. لاحقا، ومع إحكام «سلوبودان ميلوسيفيتش» قبضته على السلطة، أخذ الصندوق يركّز اكثر فأكثر على مهمته الأصلية، ألا وهي تعزيز المجتمع المدني من خلال دعم الصحف المستقلة والتلفزيونات الخاصة. كانت الأعوام العشرة تلك قاسية بالنسبة إلى صربيا. أما فيما يتعلق بـ «سونيا ليشت»، فإن الذكرى المؤلمة التي ما زالت منطبعة في ذهنها، هي تظاهرات العامين 1996 - 1997 التي دامت 88 يوما، عندما خرج الناس إلى شوارع بلجراد و«نوفي ساد» و«نيس»، وغيرها من المدن، مطالبين «ميلوسيفيتش» بالتنحي عن السلطة. لكن تلك التظاهرات أخفقت كما هو معلوم، بسبب غياب وحدة الموقف بين أحزاب المعارضة وزعمائها. لكن تلك المرحلة، في رأي «ليشت»، كانت مصيرية ومنها بدأ منحى التغيير يشقّ طريقه. وتقول «ليشت»: «الآن كان هناك زخم قوي وتصميم على عدم السماح للرئيس السابق «سلوبودان ميلوسيفيتش» بان يستمر في الحكم. فشلت المحاولة لأن المعارضة لم تكن جاهزة. لم تكن تقود الحركة قيادةً فعلية، وكانت هي نفسها عرضة للانقياد». وتصرّ «ليشت» على القول إن الإضرابات التي قامت والتظاهرات التي نُظّمت بين الخامس والعشرين من سبتمبر عندما أجريت الانتخابات، والخامس من أكتوبر عندما قُصفت الأبنية الرسمية وأضطُر «ميلوسيفيتش إلى التخلي عن السلطة، هي استمرار لما حصل في العامين 1996 - 1997. الفارق الوحيد بين المرحلتين أن المعارضة تعلمت بعض الدروس. تحقيق الهدف وتوضح «ليشت» قائلة: «أدرك زعماء المعارضة وأحزابها أنه لا يمكنهم أن يخذلوا الناس هذه المرة. ولتحقيق الهدف كان عليهم أن يوجّهوا رسالة وحدة وتضامن. ولهذا السبب باتت شخصيات مثل الزعيم المعارض السابق «فوك دراسكوفيتش» من الماضي». عانت يوغسلافيا إبان اثني عشر عاما من حكم «سلوبودان ميلوسيفيتش» خللا كبيرا في اقتصادها. البنية التحتية برمتها بما في ذلك نظاما الصحة والتعليم، تعيش أزمة كاملة. لكن «ليشت» تعتقد أن الإرث الأسوأ الذي خلّفته مرحلة «ميلوسيفيتش» كان الطريقة التي أُفسد من خلالها الناس وأنظمة القيم المجتمعية. وتوضح «سونيا ليشت» في هذا الصدد أن فساد «ميلوسيفيتش» طاول جوهر المجتمع اليوغسلافي، لأنه جعل أساسا من كل شخص عميلا في نظامه المجرم. وكلما كانت التصرفات غير قانونية كلما أصبحت هي المقياس وقابلة للاستيعاب في النظام الفاسد. واستنادا إلى «ليشت» فإن الشعور باليأس في يوغسلافيا بلغ حدّه الاقصى عندما تعرضت لقصف حلف الأطلسي مطلع العام 1999. وتضيف قائلة: «هذا العامل عزز مكانة النظام من خلال كوكبة الناس حول العلم. فقد جعلنا نشعر حقا أن هذا الكابوس لن ينتهي، وأنه لا يوجد فعلا أي مخرج من هذا الوضع، وأننا سنبقى ليس ملتصقين بميلوسيفيتش فحسب، بل أن العالم كله أصبح ضدنا». وما يلفت الانتباه أن «ليشت» وعلى رغم أنها لا تقلل من دور الناس في إخراج «سلوبودان ميلوسيفيتش» من السلطة، فهي ترى أنه يجب عدم التقليل من اهمية المنظمات غير الحكومية. المعارضة الصربية تعلّمت من مثل سلوفاكيا، حيث اضطلعت تنظيمات المجتمع المدني بدور كبير في التخلّص من الزعيم المتسلّط «فلاديمير ميسيار» قبل بضعة أعوام. اعادة التأهيل وتضيف «سونيا ليشت» أن المنظّمات غير الحكومية ما زالت تقوم بدور حاسم على صعيد نجاح إعادة تأهيل يوغسلافيا. وتقول إن على الناس أن يدركوا أن هذه المجتمع هو مجتمعهم وأن في إمكانهم هم أن يقرروا مستقبله. «هذا هو التحدي الأكبر، ـ كما تقول ـ أن تبقى الجماعات المختلفة والمنظّمات غير الحكومية موحّدة في أهدافها ومتفانية في العمل الجماعي. وإذا حاول التحالف الذي يضمّ أحزابا تتولى السلطة الآن المعارضة الديمقراطية الصربية أن يتصرّف وكأنه منظمات سياسية فقط ويتناسى المجموعات المدنية التي تقف وراءه، فإنني أتوقع حدوث مشكلات». وتشير «ليشت» كي تدعم تحذيرها، إلى ما حصل في رومانيا. ففي العام الماضي خسرت حكومة مناهضة للاشتراكية السلطة بعد أربعة أعوام من الفشل. وما كانت المشكلة؟ نقص في الوحدة وإخفاق في الحفاظ على التلاحم في وجه قوى ترفض حصول تغيير حقيقي في البلاد. وماذا عن القومية التي حرّكها «ميلوشيفتيش وغيره، الأمر الذي أدّى إلى تدمير يوغسلافيا السابقة وألحق أذى بصربيا نفسها وبجيرانها وبصورتها على المسرح الدولي؟ وتكرر «سونيا ليشت» ثقتها في أن الأمور ليست سيئة إلى الحدّ الذي تبدو عليه، على رغم خسارة إقليم كوسوفو التي ما زالت تعتمل حتى في صدور أكثر الصرب انفتاحا. وتقول إن استطلاعات الرأي التي يمكن الركون إليها، تشير إلى أن نحو 77 في المئة من الصرب، يريدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. والمفاجيء، أنه، على رغم القصف الذي تعرّضت له البلاد على يد الناتو العام 1999، فإن خمسين في المئة من الناس يريدون أن تنضمّ صربيا إلى حلف الأطلسي. هذه النسب آخذة في التزايد، في وقت تسجّل الأرقام تراجعا في نسبة الصرب الذين يرغبون في أن يعيشوا داخل وطن يقوم على أساس العرقية الواحدة. وتقول «ليشت» إن هذه الإحصاءات هائلة، وهي تظهر أننا لم نقع رهينة القومية. وتتذكّر أن القومية شهدت أوجها في العام 1992 مع بداية أزمة البلقان، ثم عادت وتراجعت بعد ذلك، حتى خلال حصار سراييفو نُظّمت نحو «100 ألف تظاهرة كبيرة» ضد القومية. وتضيف قائلة: «أشعر أننا ما دمنا قادرين على الركوب في القطار الأوروبي، فإن المشاعر القومية ستستمر في التقلّص تدريجا». وتلفت إلى أنه ما دام التلفزيون اليوغسلافي يعرض أفلاما كالوثائقي الذي أعدته الـ «بي بي سي» بعنوان «موت يوغسلافيا»، أو الأفلام المقبلة عن «فوكوفار» و «سربرنيتشا»، فإن الصرب باتوا مطّلعين على حقائق الأحداث التي وقعت في الأعوام العشرة الأخيرة. وتستدرك «ليشت» قائلة: «يجب أن يكون الأمر تدريجيا، فمن الصعب الانتهاء من جرائم ارتُكبت بإسمنا. نحن في حاجة إلى حوار وطني في الموضوع. وأي شيء غير كشف الحقائق ورقة بعد ورقة، سيقود الناس إلى الانعزال والانكفاء». وتعتقد «سونيا ليشت» أن المزاج الوطني سيميل ربما إلى قبول فكرة إرسال «سلوبودان ميلوسيفيتش» وغيره من مجرمي الحرب إلى لاهاي كي يُحاكموا. ومع مرور الوقت، يدرك الناس أكثر أهمية قبولهم شروط اللعبة إن هم أرادوا الانضمام إلى المجتمع الدولي. هذه النظرة يدعمها دبلوماسيون غربيون رفيعو المستوى يرون أنه بين خياري مواصلة الغرب دعمه لهم و«سلوبودان ميلوسيفيتش» فإن الصرب سيختارون ما هو في مصلحتهم. ولا تستبق «ليشت» إمكان حدوث حركة مرتدة ضد جهود الحكومة الهادفة إلى إحضار المجرمين إلى قوس العدالة، كما حصل في كرواتيا المجاورة، حيث نُظّمت تظاهرات ضد التعاون الذي تبديه الحكومة مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي. وتقول «سونيا ليشت» بثقة العارف: ما حصل هنا في الخامس من أكتوبر كان ثورة فمن خلال التخلّص من سلوبودان ميلوسيفيتش، نكون قد وضعنا حداً لدورة كبيرة من العنف». خدمة (و.ن.ل)