بيان2: عمان ـ لقمان إسكندر: ذات يوم تقدم أحد الطلبة من معلمه في غرفة الصف وقال له: تفضل يا أستاذ قطفت لك زهرة من حقلنا، فابتسم المعلم وشكره على الهدية ثم عاد الطالب، إلى مقعده، وفي داخله ضحكة عالية لما دبر لمعلمه من مقلب «لن ينساه» على حد قوله للطلبة الآخرين. ولما كانت العادة لدى البشر عندما يقدم لهم زهرة ما أن يقربها إلى انفه ليشمها فقد فعل المعلم الأمر ذاته فكانت المفاجأة: فقد كان الطالب قد بصق على الزهرة.. وقتها جن جنون المعلم فانطلق إلى الطالب غاضبا وبدأ بضربه.. وكانت النتيجة كسر ساعد الطالب، ولدى سماع أهل الطالب بالقصة، حمل أبناء عمومته العصي وهرعوا إلى المدرسة يريدون الاقتصاص من المعلم (المجرم). إلا أن مدير المدرسة كان قد توقع ما يمكن أن يجري فأرسل المعلم إلى مركز الأمن ليتم وضعه مع المجرمين واللصوص، حتى يسقط أهل الطالب حقهم عنه. هذه القصة أثارت عددا من التساؤلات لدى بعض المعنيين في وزارة التربية والتعليم وقتها فهل كان على المعلم أن يغضب لنفسه ويكسر يد الطالب أم أن المطلوب منه وهو (القدوة) معاقبة الطالب بطريقة أخرى. بعد أسبوع عاد الطالب إلى صفه وكأن شيئا لم يحدث وبقي المعلم في مدرسته وقد هزت القصة كيانه ولم يعد يقدر بعدها حتى على ضبط صفه. فتم نقله إلى مدرسة أخرى، أما مبررات المعنيين عن عدم معاقبة الطالب فلأن المعلم قد فعل ما فعل. يعتبر أساتذة الاجتماع والنفس المتخصصين والمطلعين على شئون وأوضاع المدارس في الأردن أن هذه المدارس ما هي إلا وعاء تصب فيه جميع المظاهر المنتشرة في المجتمع الأردني وأننا سوف نظلم التربية والتعليم كثيرا إذا ما أشرنا بأصابع الاتهام إليها وحدها، فهناك الثقافة التي يقدمها الإعلام للطفل والتي في الغالب ما هي إلا ثقافة مشبعة بالعنف، إضافة إلى كونها ثقافة تخاطب الغريزة الإنسانية في الطفل اكثر من كونها تخاطب عقله أو تقدم له قيما ذات جدوى. ولكن ما هو العنف الذي نقصده، انه الإيذاء الجسدي أو النفسي والذي يترك آثارا في الجسم أو النفس ويتم التخطيط له مسبقا. اللافت للنظر بحسب المختصين أن ما يقدم للأطفال خصوصا في ظل اجتياح مفاهيم العولمة ونظام السوق يدور في معظمه حسب مفهوم ما يصفونه بالثقافة الاستهلاكية مشيرين في ذلك إلى الأسلوب التجاري التي تقدم فيها برامج الأطفال وحملات الدعاية التجارية التي تتبع كل برنامج ناجح. عوامل عنف يقول مصطفى القاسم أحد المعلمين في محافظة الزرقاء اننا ورغم شهرة العنف لدى طلاب هذه المحافظة إلا أننا لا نلمس أن العنف بين الطلاب يخرج عن كونه عنفا يمارسه أطفال ضمن ادواتهم واساليبهم الصغيرة ولا تبقى مع ذلك وجود بعض النماذج التي تخرج عن هذا الإطار باعتبارها نماذج لا يمكن القياس عليها والتي اثر فيها مجموعة من العوامل ومن أهمها الأسرة والمحيط الضيق للطفل بالإضافة إلى وسائل الإعلام المرئية كالتلفاز والفيديو والسينما ومشاهدة أفلام الكابوي وأفلام العنف والبوليس ويؤكد القاسم بأنه لا يعتبر أن ما يحدث في المدارس من تخريب بعض الطلبة للمرافق الحياتية أو بعض المشاجرات بين الطلبة (ظاهرة للعنف) فكل ما يجري هو عبارة عن حوادث فردية ضئيلة خصوصا إذا ما قورنت بأعداد الطلاب. ويشير القاسم إلى انه علينا توقع العديد من المشاكل عند الحديث عن شباب أو مراهقين لم يبدأوا حياتهم الحقيقية بعد إلا انه يشير في هذا الجانب إلى أن معظم طلابنا لا يجدون الموجه الخبير خصوصا وان الثقافة التي تسيطر على المجتمع لا تفسح المجال لمعظم المراهقين لتناولها بصورة علمية جادة. ومن هنا يجد القاسم ضرورة الحديث عن ترميم ثقافة المجتمع قبل الحديث عن الاعراض التي تفرزها الأمراض الاجتماعية الكثيرة التي تتعاطاها المجتمعات العربية بصورة عامة وليس المجتمع الأردني فقط. ولكن حتى يحين الوقت لهذا الترميم هل سنترك مراهقي اليوم وحدهم، لابد أن يبدأ المجتمع في استيعاب هؤلاء المراهقين والتطور الكبير الذي جرى على مخزونهم الثقافي، وإذا ما نجح المجتمع في ذلك وبدأ بالاستماع لهم وتقبل آرائهم، دون المساس بأساسيات الدين والتقاليد والعرف، سيتمكنون من تفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي يعود على المجتمع بكل خير ويمكنهم من النهوض بالمجتمع الأردني. ظاهرة عنف وباللغة نفسها تحدث المرشد الاجتماعي في إحدى مدارس العاصمة وائل محمد الذي أكد على عدم اعتبار المشاكل التي قد يسببها بعض الطلاب في مراحل مختلفة من العمر ظاهرة عنف، لأنها في كثير من الأحيان محاولات من هؤلاء الطلبة في هذه السن الحرجة لإثبات ذاتهم. إلا أن المرشد محمد يؤكد أن بعض سياسات التربية والتعليم والمتعلقة بالترفيع التلقائي أفرزت العديد من المشاكل في المدارس الأردنية، وقال إذا ذهبت إلى أي مدرسة أردنية ستجد أن الصف الوحيد الذي يثير المشاكل اليومية هو الصف العاشر وهذا يرجع إلى ما سببته سياسة وزارة التربية والتعليم عندما أقرت الترفيع التلقائي بحيث تفرض هذه السياسة على المعلم عدم ترسيب أي طالب مهما حصل من نتائج وان كانت دون 20% وهذا ما شجع الطلاب على عدم الدراسة الجادة، مما يعني إهمال الطلبة في دراستهم ومن ثم زيادة أوقات الفراغ لديهم والتي يستغلونها في اغلب الأحيان في الشغب والمشاجرة، وهذا الأمر ليس خارج الغرفة الصفية فقط بل وأثناء تواجد المعلم في الصف، على أن الأستاذ محمد يؤكد انه من النادر جدا أن يؤدي الشغب إلى إصابات جسدية بالغة. اشكال العنف لدى الطلاب وتعليقا على أشكال العنف قال: للعنف أشكال كثيرة وصور متعددة منها عنف الطالب مع زميله الطالب وعنف الطالب مع المعلم وعنف الطالب مع المرافق الحياتية التي يتعامل معها من مبان أو باصات، وقد لا يكون العنف ظاهريا بل من خلال العمل على إثارته أو حمل أفكاره كالفوضوية واللامبالاة والحساسية الشديدة للآخرين والتي كثيرا ما تقود إلى العنف. ويرى محمد أسباب العنف بأنها ذات مرجعية بيئية ووراثية، أما الأولى فناتجة عن المشاكل الأسرية الاقتصادية منها الاجتماعية، والتي تخلق فردا غير قادر على التعامل مع الآخرين بايجابية، اما الوراثية «فيمكن أن نقول بأن العدوانية التي يحملها الطفل منذ ولادته هي أحد أسباب العنف والتي يمكن كما أثبتت الدراسات معالجتها في مراحل مبكرة إلا انه لا ينسى أن الكبت الناتج عن عدم توفير وسائل تفريغ الطاقة لأبنائنا قد يولد الانفجار الذي يقود إلى العنف، ولذلك يجب علينا أن نحرص على عدم تعدينا أو تعدي الغير على حريتهم في مرافقتهم الترويحية الإيجابية. حياة المراهقين ويرى بعض المدرسين في المقابل أن العنف ليس بالضرورة أن يعني الدماء أو الجروح فهناك عنف نفسي يؤثر بصورة ابلغ على حياة المراهقين من العنف الجسدي، وقد علق على ذلك أحد المدرسين في محافظة مأدبا بالقول: الكل يعرف القصة التي ثار عليها المجتمع الأردني عندما اقدم شقيقان لطالب تعرض للضرب من قبل أحد المعلمين على قتل هذا المعلم في مجمع للسيارات بعد أن هشموا رأسه وتركوه يغوص في بحر من الدماء. لقد استدعت هذه الحادثة استياء قطاع المعلمين في الأردن ولان أنظمة التربية والتعليم بقيت على حالها والتي يصفها المعلمون بأنها لا تكترث بالمعلم ولا بحقه ولا بظروف عمله، فقد انقسم مجتمع المعلمين إلى قسمين الأول يقول على حد تعبير أحد المعلمين «فخار يكسر بعضه» في إشارة إلى انه غير مستعد أن يتحمل نتائج سياسة التربية والتعليم الخاطئة أما القسم الآخر فهو الأصولي الذي يتعامل مع مهنة التعليم انطلاقا من كونها رسالة على المعلم أن يؤديها بصورتها الكاملة. وفي الغالب أعضاء هذا القسم هم الذين يقعون في المشاكل سواء مع مدرائهم أو أهالي الطلاب. يقول أحد هؤلاء لدى سؤاله عن الجدوى في كونه دائم الجدية في تعاطيه مع مهنة التعليم أن مشكلة مهنة التعليم لا تعطي أكلها فورا وبصورة واضحة بل أنها عملية ذات نتائج غير مرئية في اغلب الأحيان رغم كون هذه النتائج دقيقة وفي غاية الأهمية لأن ما يترتب عليها سيؤثر على المجتمع وبالتالي على الدولة. ولدى مقارنة نسبة وشكل العنف بصوره المختلفة بين المجتمع الأردني والمجتمعات الغربية مثلا مثل الولايات المتحدة الأمريكية نجد انه من غير الدقيق أن نعتبر ما يحدث في مدارس المملكة ظاهرة عنف، حتى ذلك الطالب الذي قيل بأنه سحب «الموس الكباس» على زميله، فهذه ومثلها من الحوادث لا يمكن القياس عليها. وتأسيسا على ذلك يؤكد البعض بأنه لا يمكن اعتبار ما نراه في الأردن بوادر لنشوء ظاهرة العنف في المدارس مؤكدين أننا لا نريد الوصول إلى المدرسة التي يفترض بها عدم وجود احتكاك بين الطلبة بحيث نسمع (رنة الإبرة) فهذه الصورة ليست فقط فهماً خاطئاً لتفسير الانضباطية في المدارس وبين الطلاب بل وهي أيضا صورة مرفوضة تفرز طلابا ذوي أمراض نفسية وعقد اشد يلاما من الطالب العنيف وخصوصا في المستقبل. إلا أن المرشد التربوي سمير عبد اللطيف يؤكد على أهمية الوقاية من الظواهر السلبية في المدارس الأردنية قبل أن تنتشر ويصعب السيطرة عليها، وذلك يتم عن طريق تفعيل الإرشاد الطلابي السليم والمنطلق من ثقافتنا الإسلامية التي يفهمها الطالب وينصاع لها وان كان يتمرد عليها في مرحلة من المراحل، بالإضافة إلى المراقبة والمتابعة بين الطالب والبيت والمدرسة، وكذلك تفريغ طاقات الطلاب في ممارسة أشكال الرياضات المختلفة.