بيان2: من البساطة ورقة الحال انتقل «أهل الجبل» في كافة ارجاء الامارات الى حياة تسودها الرفاهية ويظللها الرخاء فقد عرفوا كغيرهم من ابناء الدولة مظاهر الحضارة وشهدوا ايضا معالمها وآثارها في كل مكان. ورغم السعادة بهناءة العيش وبالاستقرار الا ان هناك من يحن الى ما مضى من زمن ادركه في مشوار حياته وايقن ان ما عايشه كان هو الاجمل والافضل لا في ادواته وامكانياته فتلك كانت معدومة تماما في الماضي، لكن بعادات وتقاليد كانت هي حصن ابناء الجبل في مواجهة صروف الايام. العم عبدالله محمد عبدالله الهنقري وقد جاوز عمره الخامسة والستين بعدة سنوات لا يزال يمتلك حنينا لما مضى عندما كان يحتسي القهوة مع رفاق العمر وجيران الحي عندما كان الكل يعيشون نفس الحال. عودة الفلج اما الحنين الاكبر للحاج عبدالله فيعبر عنه بقوله: احلم بعودة «الفلج القديم» الذي كان يخترق ارضنا بمياهه وكأنه نهر كبير، فقد كانت المياه لا تنقطع عنه ـ ولا عنا ـ في كل مواسم الامطار، كان الماء العذب يروي عطش الاهل، ويسقي مزارع النخل، وينشر فوق رمال «صفد» مراع خضراء تطعم بحشائشها ما نملكه من حلال. ويواصل: الحلم ليس ببعيد، فها هو قائدنا زايد أطال الله في عمره ومتعه بموفور الصحة يسعى ليعيد الينا ما كان، بعد ان امر ببناء سدود فوق الوديان ليزيد الماء بجوف الارض، وتعود مراعينا الخضراء وينمو الزرع، وتنفتح امام الناس ابواب الخير بأياد بيض لزايد الخير. ويضيف الهنقري: لقد اوصانا القائد زايد بالارض ودفعنا دائما الى الغرس والى الزرع، ودعانا الى الفلاح بالعمل الدائم بفلاحة الارض والعناية بمزارعنا كي تبقى ضمانا للحاضر والمستقبل، وبرؤيته الثاقبة ـ حفظه الله ورعاه ـ زودنا بكل ما نحتاج اليه نحن اهل الفلاحة كي تخضر الارض. ويقول مؤكدا حرصه على العمل بالزراعة: انا فلاح نشأت منذ مولدي بين الخضرة والزرع، وعملت بكلتا يدي من اجل نماء الغرس، ومن اجل الحفاظ على نخيل توارثناه ابا عن جد، ومهما كان الحال او كان الامر فسأبقى فلاحا اعشق مزرعتي وتراب الارض. ويضيف: نحن ابناء الجبل القدامى وقد عشنا ايامنا الاولى قربه وفي احضانه فاكتسبنا صلابتنا من قوة صخوره، واستطعنا ان نقهر الصعاب ونحن نحاول عبور الايام القاسية في معيشتها، الضنينة في رزقها، ولولا الصمود ما وصلنا الى هذه الايام التي يظللنا فيها الخير من كل جانب وتزداد فيها الرفاهية في كل يوم، وننعم فيها مع ابنائنا واحفادنا بنعم لا تعد ولا تحصى. ونشهد كيف تغيرت الاحوال ببلادنا الى الافضل وكيف تبدلت الاوضاع الى الايسر بفضل قادتنا وحكامنا جزاهم الله عنا خير الجزاء. المسئولية... قدر وينتقل بنا الحاج عبدالله الى حياته الاولى فيقول: عندما ولدت لم نكن نقيم في هذا المكان بل كنا هناك في الغرب على بعد عدة كيلومترات في عمق الوادي حيث الجبال الشاهقة والصخور الحامية، وعندما بلغت الثامنة من عمري توفى ابي وتركني انا وأمي واخوين وأختا واحدة، لأدرك ساعتها قدري في تحمل مسئولية اسرتي التي تركها والدي بعد ان فرط في كل ما يمتلكه، لأواجه وحدي ورغم صغر سني حينذاك اعباء تدبير المعاش لهذه الافواه الاربعة. ويضيف: ورغم كل شيء لم اعتبر الامر صعبا، بل بدأت على الفور في تحمل مسئوليتي، وكانت البداية التي لا مفر منها لانه لا يوجد غيرها هي ان اعمل في جمع الحطب فالقاعدة زمان ان من لا يملك مزرعة فليس امامه سوى بيع الحطب (اي اخشاب الشجر)، وقمت بذلك بالفعل فكنت اجمع الحطب من دروب الجبال ثم احمله على ظهري الى البيت حيث اقوم بتقطيعه في اليوم التالي وبعدها احمله على ركاب (هي الحمير عادة) لكي أبيعه في اليوم الثالث واتقاضى بعد ذلك عن الحزمة التي جمعتها 4 آنات (الآنة ربع روبية) ومن نعم الله علينا انها كانت كافية لتدبير معاش الاسرة. ويواصل قائلا: اتذكر في احدى المرات التي ذهبت فيها الى خورفكان لبيع الحطب آنني رغبت في شراء ذبيحة للاسرة فتسلمت الانات الاربع ودفعتها ثمنا للذبيحة التي اقامت بها اسرتي وليمة لا اظن انها كانت امرا عاديا في ذلك الزمان. احوال الماضي ويصف الحاج عبدالله احوال بيوت الفريج في تلك الايام، فيقول: الفرق كبير بين هذه البيوت التي نقيم فيها الآن وبين ما كنا نسكن فيه زمان، فقد عشنا في مساكن بنيناها بأنفسنا من الطين والحصى الذين كنا نقيم بهما الجدران ـ او جدارين على وجه التحديد ـ ونصنع من الدعون سقفا يحمينا من الرياح والامطار، وطبعا كنا نحصل على الدعون من النخيل اما الحصى فقد كنا نجلبه من شاطيء البحر ونخلطه بتراب الجبل لنصنع بيوتا قوية لا يزال بعضها قائما حتى اليوم رغم بساطة ما صنعت منه. ويتوقف عند النخلة وعنها يقول: لقد رافقتنا في حياتنا القديمة ولا تزال ترافقنا في حياتنا الحالية انها باختصار رفيقة اهل المنطقة منذ خلقوا وخلقت الدنيا ولولاها لما توفر لنا الغذاء فهي طعام الفقراء وفاكهة الاغنياء. ويضيف: في تلك الايام كنا نزرع جنب النخيل بعض الحبوب التي نحتاج اليها لصنع الخبز حيث كانت النساء يقمن بطحن الشعير او القمح بالرحى ليصنعوا ما يحتاج اليه اهل البيت من خبز. ويستطرد قائلا: كنا في زماننا نعتمد على التمر والقهوة في وجباتنا التي كنا نضيف اليها صنفا آخر هو مسحوق سمك «العومة» التي ينتشر صيدها وتجفيفها من المناطق القريبة منا والواقعة على شاطيء البحر البعيد عنا عدة كيلومترات، وبالمناسبة ليس هناك منا نحن اهل الجبل من عمل في مهنة صيد السمك لان معظمنا كان يعتمد على فلاحة الارض التي توارثناها عن الآباء والاجداد الى جانب قيامنا برعي الابقار في مراعينا القديمة التي كانت الحشائش ترتفع فيها الى اكثر من نصف متر نتيجة وفرة المياه معظم ايام العام حيث كان يجري الفلج القديم الذي نتمنى الآن عودته. كرم النفوس وسخاؤها ويحكي الحاج عبدالله عن ضيافة زمان فيقول: رغم شح تلك الايام وعدم الوفرة في المواد الغذائية التي كنا نعتمد عليها، الا ان النفوس كانت كريمة وسخية، وكان الاغنياء منا والفقراء على حد سواء لا يبخلون بما لديهم على ضيوفهم القادمين من بعيد او قريب، وكانت اجمل مظاهر الكرم تبدو ايام الاعياد حيث يخرج المصلون من المسجد عقب اداء صلاة العيد ليتجمعوا معا في بيت من بيوت الفريج حيث كان طبق «التمر» يقدم لاكثر من ثلاثين شخصا، وكنا نعمد الى توزيع حباته بالتساوي لينال كل واحد نصيبه بلا نقصان. ويضيف: وأذكر انه في ايام ظهور «الخلال» البلح على النخيل كنا نجمعه ونطبخه داخل القدور ونأكله ونحن نسبح بحمد الله ونشكره على نعمه. ويستطرد قائلا: كما كانت هناك شجرة اسمها «سيداب» كان الاهل يجمعون اوراقها ويطبخونها مع مسحوق اسماك «العومة» لنأكلها كوجبة مشبعة وهنية. سنوات الهجرة ويعود بنا الحاج عبدالله الى مرحلة الصبا التي شهدت هجرته المؤقتة، فيقول: في سن الخامسة عشرة رحلت مع ابناء جيلي من اهل المنطقة الى «قطر» حيث عملت هناك حوالي ثلاث سنوات لاكتسب الرزق الذي يعينني على رعاية اسرتي، وعملت مع رفاقي في اعمال البناء حيث كنا نتقاضى ثلاث روبيات فقط في اليوم كنت انفق منها على المسكن والمأكل وأدخر كل شهر حوالي اربعين روبية لأعود بعد عدة شهور بما جمعته فأبادر لحظة وصولي الى الذهاب للدكان الكائن في الفريج لأدفع دين الاهل خلال فترة غيابي فقد كانوا يشترون منه ما يحتاجون اليه على حسابي الذي اسدده بمجرد وصولي، وبعد سدادي للدين اسعى الى شراء بعض الاغراض لأفراد اسرتي بما تبقى لدي من مال قبل ان اغادر ثانية لاستئناف رحلة تحصيل الرزق والمعاش. وعن طبيعة السفر في تلك الايام يقول الحاج عبدالله: كنا نتجمع قبل السفر ونحدد ساعة السير الى «دبي» التي كنا نصل اليها بعد اربعة ايام متواصلة من السير على الاقدام، فلم تكن هناك سيارات اجرة او خصوصي، وكانت لنا محطة رئيسية في «مسافي» نلتقي فيها معا للاطمئنان على جماعتنا وبعدها يستمر السير الى ان نصل للشارقة وهناك لابد وأن يتوقف الجميع في منطقة «الرولة» ومن يسبق جماعته ينتظر حتى وصول باقي الافراد لننطلق معا الى دبي ومن هناك يأخذنا مركب الى قطر في رحلة تستمر ثلاثة ايام كاملة وكنا ندفع في هذه الرحلة البحرية حوالي ثلاثين روبية للفرد الواحد يتقاضاها النوخذا لتوصيلنا. وعن سنواته في قطر، يقول: انها سنوات ثلاث لا تنسى، عملنا خلالها في قطاع البناء وكانت المباني وقتها تقام من الطين والحصى قبل ان تتحول الى مباني من الطابوق والاسمنت والتي عملنا ايضا في بنائها وزادت فيها معاشاتنا من ثلاث روبيات الى اربع وكانت هذه الزيادة شيئا كبيرا بالنسبة لنفوسنا الراضية والقانعة بالرزق مهما كان قليلا. ويضيف: بعد ان امضيت السنوات الثلاث في قطر عدت الى وطني حيث تزوجت ودفعت مهرا لأهل عروسي مقداره 200 روبية وأولمت بذبيحتين واشتريت لنفسي حينذاك وقاية وكندورة ووزار هي كل ثيابي كمعرس، فقد كنا في ذلك الزمان نرتدي الكندورة من الحول للحول وكنا من الشاكرين الحامدين للمولى عز وجل. العودة للحطب وعن حياته بعد عودته يقول: لم اجد عملا في المنطقة فهكذا كان الحال زمان، فلم اجد سوى العودة الى جمع الحطب وبيعه، ولأني اصبحت رب اسرة فقد اعدت تدبير اموري واسلوب انفاقي لما احصل عليه من رزق، فكنت اوزع الروبيات الثلاث التي اتقاضاها مقابل حزمة الحطب على شراء التمر والعيش والقهوة فأخصص لكل منها روبية واحدة، وهكذا مضت بنا الايام دون تذمر او ضجر فالارزاق بيد المولى سبحانه وتعالى وفي القليل بركة لو احسن المرء تدبير شئون حياته على عكس ما نراه الآن في اجيالنا الجديدة فلا الكثرة اوجدت عندهم القناعة ولا النعمة والرفاهية اوجدت لديهم الشكر، ولو سألنا احد شبابنا الآن لقال لنا ما عندي شيء بينما كنا في الماضي نتعاون ونتكاتف في الخير والشر لأن ظروفنا كانت واحدة. ويتذكر الحاج عبدالله ما سمعه قبل عدة عقود من الزمان، فيقول: جاءنا ذات يوم قبل اكثر من 30 سنة رجل من «عمان» وحدثنا عن مركبة سوف تعبر من فوقنا، وآلة سوف تمشي على ارضنا، وحديد سوف نسمع صوت كلامه بآذاننا، ووقتها كان ردنا جميعا عليه: ما تقوله لا يصدقه عقل، ونحن نراه خطأ وضلالا، لكننا بعد حوالي 6 سنوات رأينا بأعيننا ما حدثنا عنه الرجل فالطيارة لمحناها تطير فوقنا، والسيارة شهدناها تسير داخل فريجنا، والمذياع كان هو الحديد الذي تكلم بيننا، وتلك كانت بداية لعصر جديد كان غريبا بالنسبة لنا، لكننا بالعقل تعايشنا معه واستفدنا منه دون ان نفقد ما غرسه الاهل في نفوسنا. التقاليد الاصيلة ويشير الى هذا الغرس الذي صنعه الاهل، فيقول: اننا لا نزال نعيش على عادات وتقاليد الاهل التي غرسوها فينا منذ الصغر، فقد كنا في الماضي متقاربين متعاونين، الى درجة ان «تجمعنا القهوة رباعة» فكل خمسة او ستة بيوت يجتمع رجالها معا لشرب القهوة معا، اما الآن «فكل واحد غناته في بيته» والعلاقات بين الناس لم تعد كما كانت في الماضي اي كعاداتنا وتقاليدنا القديمة ويقولون لنا دائما نحن في عصر مختلف لكني اقول اجيالنا هي التي اختلفت وعلينا ان نعيدها الى سابق عهدنا حتى لا يضيع ما بيننا من ود وتآلف ومحبة وتعاون. وكمن تذكر شيئا نساه يقول الحاج عبدالله: كلما نظرت الى الجبال من حولي تذكرت تلك الايام الجميلة في مرحلتي الشباب والرجولة، فقد كان الجبل الاصم بطبيعته الصعبة مصدرا للرزق سنوات طويلة، كنت اصعد اليه بين الحين والآخر في مواسم جمع العسل من اعشاش النحل في الكهوف العالية، وكنت بعد رحلة الجمع هذه اهبط مباشرة الى السوق لأبيع ما معي من عسل يتراوح وزنه بين الثلاثة والاربعة كيلوجرامات حيث ابيع ما يعادل كيلوجراما من العسل بريال واحد وهذه الكمية تباع الآن بأكثر من ألف وخمسمئة درهم فعسل الجبال غال لأنه اكثر فائدة ونقاء. علامات الكهوف وعن ممارسته لجمع العسل، يقول: كنا زمان نحترم حقوق الآخرين ولا نتعدى عليها حتى ولو كانت مجرد علامات صغيرة فوق «كهوف النحل» باعالي الجبال، فقد كنا نحن جامعي العسل نضع علامة مميزة على الكهوف التي نقطف عسلها وكان الآخرون يحترمون هذه العلامات ولا يتعدون علينا وكنا بالتالي نفعل نفس الشيء دون اوراق او عقود او اتفاقيات ودون حدوث مشاكل او خلافات. ويضيف: في مواسم القطاف هذه كنا نبدأ الصعود الى الجبال في الساعة السادسة صباحا ونمضي يومنا حتى وقت الغروب في جمع العسل من الكهوف التي تحمل علاماتنا، وكان ذلك يتطلب منا الى جانب الصعود الصعب سيرا لمسافات طويلة فوق الجبال اذ كنا في بعض الايام نتجه صوب وادي حام البعيد عنا بمسافة عدة كيلومترات، ولا اذكر ان مشكلة حدثت بين اثنين من جامعي العسل فالاحترام للآخرين وحقوقهم تفرضه العادات والتقاليد حتى ولو كان في اعالي الجبال وفي اشياء هي مشاع بين الجميع، على عكس ما نراه اليوم حيث يحتفظ البعض بما يملكون داخل بيوتهم فيأتي من يقتحمها ويغتصبها دون وازع من عقيدة او تقاليد. ويستطرد الهنقري قائلا: في تلك الايام كنا نعد عدتنا لرحلة جمع العسل، بحمل بعض الماء معنا لنروي به عطشنا في الاجواء الحارة، كما نحمل معنا «هبان» (أي قربة) كنا نصنعها بأنفسنا من جلود الماعز لنجمع فيها ما قطفناه من عسل النحل الذي كنا نبعده عن عشه بطريقة بسيطة تعلمناها من الاجداد اذ كنا نقطع جزءا من أكمامنا ونحرقه على باب العش او الكهف فيبتعد النحل هربا من الدخان فنحصل نحن على اقراص الشمع التي تحمل العسل النقي. أبي وأبنائي ويروي الحاج عبدالله حكاية اخرى ذات مغزى فيقول: لقد وعيت على الدنيا وأنا يتيم، وعندما بلغت سن الصبا نقل لي الاهل والمعارف سيرة والدي الذي كان قبل وفاته مزواجا وضيع ثروته من النخيل ورحل دون ان يترك شيئا، كما ابلغوني انه لم يكن ميالا للعمل، بل ان في ذلك الزمان الصعب والعسير على الناس جميعا استخدم لديه ثلاثة من الخدم احدهم لعمل القهوة وصبها، والثاني لتجهيز المدواخ بالغليون، اما الثالث فكان عمله هو تقديم التمر له ولضيوفه، وقد كانت هذه الحكاية سببا في زيادة الوعي لدي بما يجب ان اكون عليه، فحرصت دائما على البعد عن المظاهر الكاذبة، وعن حب الفخر والتباهي، وعن القعود عن كسب الرزق مهما كان لدي من فائض من اموال وقد نفعني ذلك كثيرا في تربية ابنائي على حب العمل والاخلاص فيه والسعي الدؤوب لكسب الرزق وتحصيل المعاش دون الاعتماد على احد حتى ولو كان ابا او اخا، وأحمد الله انني وفقت في ذلك وأسعد الآن باعتماد ابنائي على انفسهم لأن في ذلك ضمان لاستقرار احوالهم وهناءة عيشهم.