بيان 2: لعلها ظاهرة علمية فريدة، تلك الخاصية التي تنفرد بها مسلسلاتنا العربية عن غيرها من مسلسلات العالم، والتي تجعلها- كما الكائنات الحية- تتوالد وتتكاثر، فهي مسلسلات (ولادة)، لاتؤمن بتحديد النسل ولا حتى بتنظيمه، ولاتملك القدرة على التحكم في نشاط خلاياها التي غالبا ما ينفلت عيارها فتروح تنقسم وتنقسم، وتتكاثر وتتكاثر، حتى تغرق التليفزيون ومشاهديه بحلقاتها.. وأبناء حلقاتها.. وأحفاد أحفاد حلقاتها..! يبدأ المسلسل مثلا بعائلة تجمع أفرادها قضية اجتماعية معينة، ويبدأ المشاهدون في متابعة تطور هذه القضية وانعكاساتها على أفراد هذه العائلة الذين لايقل عددهم عادة عن ستة أو سبعة..، وفجأة يحدث الآتي: يخرج الأب في طريقه الى عمله، ويبدوا منشغلاً مهموما بقضيته العائلية، وفجأة أيضا- وكما هو متوقع في عالم المسلسلات- تصدمه سيارة يسوقها أحد أعوان المخرج، ولايفيق إلا بعد أيام في المستشفى، وقد فقد- كما توقعنا- ذاكرته، مما يؤكد أن (فقدان الذاكرة) شيء عادي وطبيعي ووارد في كل لحظة لكل بني آدم منا، ولايخلو بيت أو شركة أو مكتب من فاقد (أو أكثر) لذاكرته، لهذا فإن مخرجي المسلسلات يعتبرونه من معالم الواقعية اللازمة لإثراء أحداث أي مسلسل..! المهم أننا- نحن عباد الله الذين كتب عليهم مشاهدة المسلسل- نبدأ في متابعة قضية فقدان رب الأسرة لذاكرته وننسى قضية العائلة ذاتها، فالمخرج بخبرته الطويلة يجعلنا نتناسى قضية المسلسل ليبدأ معنا مسلسلا جديدا، يتزوج فيه الأب فاقد الذاكرة من سيدة أخرى- ولامانع من أن تكون هي الأخرى فاقدة لذاكرتها- وينجب منها أولادا وبناتا آخرين، نعيش معهم حياة جديدة.. وقضايا جديدة.. وحلقات عديدة!! بعد عدة حلقات تعود للمخرج (وليس للأب) ذاكرته، فيتذكر بداية المسلسل، ويتذكر أنه ترك أسرة منكوبة فقدت عائلها وأهمل المخرج (عامدا) إخبارها بما فعله برب الأسرة، لنجدها في أسوأ حال، وبعد استعراض مفصل مشحون بالهم والغم تبدو لنا الأم- كما هي حال الأمهات في مثل هذه الحالات في معظم المسلسلات- مريضة ومشلولة ومحتاجه لمصاريف دواء وعلاج، والأبناء لاحول لهم طبعا ولاقوة، فلا مصدر رزق لهم بعد أن عملها فيهم المخرج وأفقد أباهم ذاكرته، وهنا تسنح للمخرج فرص ذهبية عديدة لتوليد المسلسل والانطلاق به الى عالم مثير من الحلقات التي تستطيع أن تمتد- لوسمحت قوانين التعاقد التليفزيوني إلى العشرات والمئات..! هذه الحالة النكدية في الأسرة المنكوبة تفتح الباب لنكد أكبر وأعظم، فالإبن الأكبر يدفعه المخرج الى الاختلاس بحجة تسديد نفقات علاج أمه ويجرجره المخرج الى الشرطة والنيابة ثم المحكمة لننعم بقدر أوفى من الهم والغم والدموع، والإبنة الكبرى يحرضها المخرج- بدعم من المؤلف- على الانحراف لتصرف من دخل انحرافها على استكمال تعليم أخويها الأصغر، والبنت الصغرى لايرحمها المخرج ولا المؤلف- وهي في زهرة شبابها- وعلى وش جواز- من قبول الزواج من (المعلم) صاحب العمارة والجزارة، مضحية بحبها من زميلها الشاب الحليوة حبيب القلب من أجل المساعدة في حل مشكلة أسرتها في ظروفها العصيبة، ويبقى بعد ذلك الإبن الأصغر، وهو طالب بالسنة النهائية في الجامعة، وهو الورقة الأخيرة في يد المخرج الذي يستعد للعب بها لحل كل المشاكل التي تعمد خلقها لإطالة عمر المسلسل وحلقاته، وهنا لابد أن يحب بطلنا الصغير زميلته الجامعية- ماشي.. ثم يسعى للزواج بها- ماشي برضه- ، ويتفقان على موعد يزور فيه بيت أسرتها ليتعرف على أهلها ويطلب أن يمسكوا أنفاسهم استعدادا للمفاجأة الكبرى- التي لاتحتاج ذكاء كبيرا منهم لاستنتاجها.. بحكم تعودهم على رؤية المسلسلات العربية- وإذا كنتم- أعزائي القراء- في ذكاء المشاهدين- وأنتم بعض منهم- فستدركون طبيعة المفاجأة (التي يتصور المخرج أنها مفاجأة)، فبطلنا الصغير سيكتشف أن والد زميلته.. حبيبته.. خطيبة المستقبل، هو أبوه الذي خرج من زمان ولم يعد، والذي تعمد المخرج وضع صورته مكبرة داخل بيته القديم لتظل عالقة بذهن الطفل الذي كان طفلا حين خرج الأب وفقد ذاكرته، وليدرك الشاب المسكين الذي وضعه المخرج في هذا الموقف الصعب أن خطيبته المنتظرة ليست - وياللهول- إلا أخته، ورغم فداحة الموقف وتأثيراته الدرامية إلا أن المشاهدين وقد تربوا على أفلام مخرج الروائع (حسن الامام) يتقبلون الأمر كشيء عادي، فقد تعودوا في معظم الأفلام والمسلسلات العربية على الأب الذي يتضح أنه ليس الأب.. أو الأم التي تعترف بأنها لا أم ولا حاجة، وقد تزيد الجرعة الدرامية فيعترف الأب بأنه هو الأم.. أو تعترف الأم بأنها هي الأب، وكله عند المخرجين (صابون)..! (عموما.. سنقضي وقتا مع بعض الحلقات العامرة بالانفعالات.. والبكائيات..، وفي ظل هذه (الهيصة) الدرامية تعود للأب ذاكرته بعد أن يكون المخرج والمؤلف قد استنفدا كل أحاييل المط والتطويل، فينكسف المخرج على دمه فيحاول لملمة المسلسل وإصلاح ما أفسده في حلقاته السابقة، خاصة وأن العداد قد وصل بالمسلسل إلى أقصى حدود المسموح به من الحلقات في قوانين التعاقدات التليفزيونية ليقبض المقابل المادي لكل هذا (العك) الدرامي العبيط، وليستعد مع مجموعة مافيا المسلسلات للبدء في ارتكاب مسلسل جديد، يتكرر فيه نفس (العك) السابق تحت مسميات جديدة وفي أماكن جديدة للتمويه على المشاهد أولا، ولتسويق نفس البضاعة القديمة باعتبارها بضاعة (طازة)، ولا مانع في العمل الجديد من بعض التغيير والتطوير في الشكل وليس في المضمون، وإذا كان الأب هو الذي فقد ذاكرته في المسلسل القديم فلماذا لاتكون الأم هي فاقدة الذاكرة في المسلسل الجديد؟، وكل شيء وارد وجائز في عالم الفضائيات الرحب..! وتحت شعار (يا احنا.. يا المشاهد) يدور الصراع ويطول.. والبقاء في النهاية للأطول صبرا.. أو الأكثر احتمالا..!