بيان2: عندما قامت المؤسسة الملكية البريطانية للطيران بنقل دافيد باريت من تصميم الطائرات الى الصواريخ والرؤوس الحربية في العام 1952 كان ذلك مفترق طرق، ليس بالنسبة اليه فقط وانما لطبيعة عمله ايضا. فقد استقال مهندس الطيران ليدخل سلك الكهنوت في كنيسة انجلترا املاً في ان تستفيد الكنيسة من خبرته في الرياضيات وعمله الرائد في ميدان الكمبيوتر. وقد قال له الاسقف «انس العلوم تماما» ولكن باريت لم يستطع ان ينسى فبعد ان اضاف الدكتوراه في الديانات من جامعة كولومبيا الى خلفيته التقنية امضى عاما في فهرسة ومنهجه المعلومات عن الاديان في العالم، وهي رغبة اكتشفها في نفسه عندما كلف بمهمة تبشيرية في افريقيا. وتوج تود باريت «73 سنة» عمله البارز والغريب بنشر الطبعة الثانية الارشيفية الكونية للاديان والمؤمنين التي تحتوي على توجهات وتفاصيل وتقديرات عن عدد المنتمين الى كل الاديان في 238 بلداً ومنطقة. ولم يسبق ان شهد العالم عملاً من هذا النوع اكبر من المجلدين المؤلفين من 1699 صفحة واللذين نشرتهما مطبعة جامعة اوكسفورد مؤخرا باسم «الموسوعة المسيحية العالمية». وقد زار باريت كل تلك البلدان شخصيا لجمع المواد ومنها ارقام الاحصاءات والمعطيات المتوفرة لدى الامم المتحدة وقام بتكليف 444 خبيرا لتزويده بالمعلومات وبينهم ويلي هينكل خبير مكتبات الارساليات في الفاتيكان ومحرر دائرة المعارف الامريكية للاديان جوردون ملتون. وقد سعت موسوعة باريت الى احصاء كل فرد في كل ديانة وكل مذهب متفرع عنها في كل بلد ابتداء من العام 1900 ثم 1970 و1990 و1995 و2000 مع التوقعات للعام 2025 . وتحدد طبعة 2001 التي تتبع طبعة 1983 الاولى والتي استغرق اعدادها عشر سنوات عشرة آلاف ديانة متميزة، منها 150 ديانة يزيد عدد اتباعها على مليون شخص، وفي الديانة المسيحية احصى وجود 33830 فرقة مختلفة. كما احصى باريت عدد افراد المجموعات الدينية لحساب الكتاب السنوي لدائرة المعارف البريطانية الذي يستخدمه بدوره العديد من الصحافيين في العالم. ويقول باريت ان مثل هذه الارقام قابلة للنقاش على الدوام غير انها افضل الموجود، فلا خصوم منافسون لنا، وهذه هي المشكلة. ولكن لماذا تم اختيار «الموسوعة المسيحية العالمية» كعنوان للمجلد مع انه يتناول كافة الديانات من الزرادشتية في افغانستان «304.000 نسمة» الى الوثنيين في زيمبابوي 3.52 ملايين نسمة على الرغم من ان باريت يقول انه ينشر معلومات حقيقية غير متحيزة إلا انه يعترف بأن عمله له غرض وهو استخدامه كقاعدة معلوماتية للعمل الارسالي المسيحي. ويقول باريت: لا املك موهبة التبشير بقوة الشخصية، ولا املك موهبة الوعظ التقليدية ويضيف بأن عمله هو خليط من الدين والعلم. وتبين موسوعة باريت حدوث تحولات كبيرة في حصص مختلف الاديان من سكان العالم بين العامين 1900 و2000 ومع ان المسيحية اضحت اول ديانة عالمية فعلا من الناحية الجغرافية وظلت هي الديانة الكبرى، إلا انها خسرت قسما من حصتها السكانية بينما حقق الاسلام توسعا مرموقا وظل في الترتيب الثاني فيما كبرت الهندوسية الى حد ما وتراجعت البوذية وشهدت الديانات الشعبية والصينية تراجعا، بشكل كبير. وكذلك حدث في الديانة اليهودية. اما الفئة اللادينية التي كانت طفيفة في العام 1900 فقد انتشرت بين خمس سكان العالم في مرحلة من المراحل إلا انها تراجعت اثر انهيار الشيوعية والاوروبية. واليوم يعمل باريت وموظفوه في مقر غير انيق جدا في قبو الكنيسة البروتستانتية في ريتشموند حيث يعدون نسخة لاستنتاجـاته على اقراص CD - ROM مرفقة مع مقالات تحليلية، والطريق لا تزال طويلة امامهم. وكان باريت قد ارسل الى كينيا لإجراء مسح ميداني للعلاقات الكنسية المعقدة للافريقيين وكانت هذه الدراسة بداية لتخصصه مدى الحياة والاحصاءات الكونية التي نشرها في الطبعة الاولى لموسوعته. إلا ان باريت وجد نفسه وسط الاضطرابات السياسية في نيروبي التي كان قد اتخذ منها مقرا لعمله وتعرض مكتبه لاطلاق نار الرشاشات ثم لاعمال نهب اضاعت كتبه وكومبيوتراته واقراصه المليئة بالمعلومات ولحسن حظه ان الطبعة الاولى كانت قيد الطباعة ولذلك جاءت الخسائر محدودة. وفي العام 1958 اي بعد 28 سنة من وصوله الى افريقيا وثلاث سنوات بعد صدور طبعته الاولى لجأ الى ريتشموند حيث حصل على مكتب ودعم لوجيستي لدى هيئة الارسال الخارجية للمؤتمر المسيحي الجنوبي. باريت متمسك باستقلاليته لكي يتمكن من كتابة ما يريد ولذلك انتقل الى وكالة مستقلة للابحاث تدعى «الحركة التبشيرية الكونية» وبالنظر الى انه ظل مبشرا «انجليكانيا» استمر في طلب الموافقة من الجمعية الارسالية الكنسية في لندن وفي العام 1989 انضم اليه تود جونسون البسبيتاري المتدين كمحرر شريك للموسوعة. وقد تتبع باريت تنامي قطاع المستقلين عن كثب فعندما ارسله الانجليكانيون الى كينيا في العام 1957 كان مفروضاً ان يعمل الى جانب الكاهن الافريقي ماثيو اجوغا. غير ان اجوغا كان قد انضم لتوه الى فئة من المستقلين الافريقيين ومنعته الزعامة الانجليكانية من الاتصال به، ويتزعم اجوغا تحالفا مؤلفا من 58 مليون عضو في كنائس افريقية مستقلة. والتوجه الكوني الآخر الذي تصفه موسوعة باريت هو تكاثر البنتيكوستيين الذين يؤمنون بتلقي مكرمات من الروح القدس، ومنها القدرة على التخاطب بلغات متعددة. كما يلاحظ باريت ازدياداً مماثلا بين الكارزميين داخل الشيع التقليدية وفي ال «نيو كارزميين» في الكنائس المستقلة. ويعتبر باريت وجونسون نفسيهما من الكارزميين ومما لاشك فيه ان تقديرهما لمجموعة عدد الكارزميين والبنتيكوستيين بـ 524 مليون نسمة هو اكثر الارقام اثارة للجدل في الموسوعة، ولم يحاول احد اجراء تقدير من هذا النوع قبلهما. وتهتم الموسوعة ايضا بالضرورات المادية الى جانب الحاجات الروحية. فهي تقدر ان 44 في المئة من البشر يعيشون حياة مريحة و10 بالمئة يتدبرون امورهم و28 في المئة فقراء و18 في المئة معوزون. ومن المزاعم الاخرى للموسوعة: ـ الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد متوفر بـ 1943 لغة والعهد الجديد بـ 2897 لغة اضافية. ـ المسيحيون يعمدون 12200 عضو جديد في اليوم ـ تنفق المسيحية المنظمة 270 مليار دولار على كل القضايا في السنة وقد توصل باريت وجونسون الى هذا التقدير بجمع قصاصات الجرائد وطرح الاسئلة على المسئولين عن الشئون المالية للكنائس. وحسب وثائق الموسوعة يتعرض المحور السكاني للمسيحية للتحول فالتنامي يتركز في القسم الجنوبي من الكرة الارضية، وفي القارة الافريقية بصورة خاصة. ويرى جونسون ان المسيحية كانت في بدايات القرن العشرين تشكل من 81% من البيض فأصبحت في نهاية القرن تتشكل من 44% من البيض، وهو يصر على ان هذا التحول لن يتوقف.