بيان2: فجأة ازدحمت أمام عيني الصور التي رأيناها وضحكنا لطفل يرتدي حذاء أبيه، أو طفلة تلبس ثوب أمها، أو صبي يضع البايب بين أسنانه، وغير تلك الصور التي يتفنن المصورون في التقاطها. وبعضها رأيناها رأي العين. وأنا في كل أسبوع أرى أحد أحفادي وقد قفز الى المكان الذي أجلس فيه عندما أكتب، ووضع أمامه شيئا ما يكتب فيه، ويدعي أحد هؤلاء العفاريت الصغار أنه لا يستطيع أن يذاكر إلا في هذا المكان، ويدعي آخر أنه لا يستطيع أن يرى إلا اذا وضع على عينيه نظارتي الطبية. وتشبه الصغار بالكبار كما ترى شئ يثير الضحك والمتعة، ونحكي عنه ونعيد القصة لأن فيها من الطرافة ما يجعلنا نستعذبها. ولكن هل اذا عكسنا الآية تكون الطرافة بنفس القدر.. أعني لو أن رجلا ناضجا كهلا أو تعدى الكهولة لبس حذاء طفل هل يبدو هذا لطيفا؟ أظن أنه سيدعو الى السخرية. والتعبير عن الطفل الذي لم يكبر في داخلنا له شروط لا يريد المجتمع أن يخرج عليها. ذات مرة كان معي ولداي وكانا آنئذ طفلين، وقضينا معا يوما كاملا، وصعب علينا الحصول على تاكسي إذ لم أكن أملك آنئذ سيارة، ولم أر ضيرا في أن أحمل طفلتي على كتفي وأسير بها وسط أكثر الشوارع زحاما، وكنت مبتهجا بذلك وأكاد أطير مداعبا الولد والبنت. وعندما انحنيت مع التفاف الشارع اصطدمت نتيجة لحماسي بسيدة أخذت أعتذر لها. وإذ بها سهير البابلي التي توقفت تحدق في بدهشة. وأخذت تنصحني بدلا من اللعب مع الأطفال في شوارع القاهرة أن أذهب الى بيتي وأكتب. ولما رأى الناس سهير البابلي تصيح ثم لما رأوها تتحدث عن الكتابة التفوا حولنا ليعرفوا ما يحدث. وطوال هذه السنين عندما نتذكر ما حدث تقول عني لقد عرفته منذ سنوات طويلة لكنني لم أعرفه إلا عندما رأيته يحمل ابنته في شارع سليمان باشا. وسهير البابلي مثلي تقول أنه شارع سليمان باشا. ولكن الشارع تغير اسمه مع ثورة يوليو وتحول الى شارع طلعت حرب، وكان ذلك في موجة ازالة الأسماء القديمة واحلال أسماء وطنية.وكان مما تغير اسم ميدان الاسماعيلية الى ميدان التحرير، لكن مدينة الاسماعيلية ظلت على اسمها القديم، وشارع الملكة نازلي تحول الى شارع رمسيس وهكذا ولكن هناك أكثر من خطأ وقع فيه الثوريون الجدد. من هذه الأخطاء تغيير اسم شارع ابراهيم باشا الى شارع الجمهورية. حقا ابراهيم باشا أحد أفراد الأسرة التي قامت الثورة ضدها.لكنه منشئ العسكرية المصرية الحديثة. والتشابه بين ابراهيم باشا وجمال عبدالناصر تشابه كبير خاصة في عروبتهما. وقد تدهش لقولي هذا فإبراهيم باشا ألباني حديث العهد بالشرق العربي وفي غالب الأمر ولد في الدولة العثمانية، وأتى مع محمد علي باشا أبيه أو زوج أمه أو والده بالتبني، وهي أمور لم يحسمها التاريخ حتى الآن وأظن أنه لن يحسمها. ولأن الثورة من طبيعتها الاندفاع، فلقد اندفعت أيضا في تغير اسم سليمان باشا الفرنساوي الى طلعت حرب. في حين أن سليمان باشا كان من الذين خدموا البلاد وحافظوا على العسكرية المصرية في أوقات الشدة. أعتذر لهذا الاستطراد الذي أتى ربما لطبيعتي في الثرثرة على الورق، أو لذكر اسم سهير البابلي التي أخذت من اسمها البلبلة فهي قادرة على أن تثير الارتباك دائما. ولقد التقينا أخيرا بعد مكالمات تليفونية عند أحد الأصدقاء.. وبعدها أخذ صديقي يشكو لي من الارتباك الذي أثارته في ذهنه سهير البابلي، فهو لا يعرف ماذا تريد ولا ما تقصد. اعتذر مرة أخرى وأعود الى تلك الصورة المعكوسة لما بدأت به حديثي. فلقد لاحظت أننا ثلاثة من كبار السن نرتدي ثياب الشباب ونحن نسافر في الصباح الى مدينة السويس لكي نطرح هناك فكرة اقامة مهرجان سينمائي، ولكي ندرس امكانية اقامة هذا المهرجان، وذلك خلال يوم واحد! في السيارة عقدنا اجتماعا حددنا فيه الأهداف وشكل المهرجان، ونزلنا من السيارة لكي نقابل المحافظ ونناقش معه الفكرة. وأنا من أنصار تسميته المحافظ التي قد يرى بعضهم أن هناك اصطلاحات أفضل منها، وذلك لخشيتي من تسمية هذا المنصب بالوالي. فلي ذكرى سيئة مع هذه التسمية. فلقد كتبت مسرحية كل شخوصها تتهم الوالي بكذا وكذا. وعرضت المسرحية في تونس وأجلسني الوالي الى جواره تكريما لي. وبدأت المسرحية فإذا بالكاتب ينهال هجوما على (الوالي). وطبعا كان الوالي الذي أتحدث عنه غير الوالي الذي يجلس الى جواري. ولكن من يقنعه بذلك. وتضاءلت في مقعدي. وعجزت عن الاعتذار إذ اعتقدت أنني لو قلت له أنني لم أقصد بكلمة الوالي فهذا يعني أنني أقصده. وكانت الكارثة أننا كنا مدعوين الى العشاء عنده. وتصور رجلا شتمته ثم تذهب الى بيته لتأكل، وهو يكشر لك عن ابتسامة صفراء، ويريد أن يسبك فيمتدحك. كانت ليلة سوداء انتهيت منها أن كلمة (المحافظ) أفضل من غيرها. وكان من مخاوفي أن السويس ليس فيها دور سينما على مستوى مهرجان. وكان آخر عهدي بدور السينما في السويس عند عرض (ناصر 56) وكانت السويس أول بلد طلب عرض الفيلم. وفعلا تم عرض خاص له في إحدى دور السينما. ودعوني الى هذا العرض. وتأملت الدار من الخارج في دهشة فلم تكن تصلح لشئ. ولكن اتضح أن الخارج فيها أجمل ألف مرة من الداخل. وعندما دخلتها لم أطق البقاء فيها دقيقة فطلبت السماح لي لأنني شاهدت الفيلم كثيرا. واصطحبني أحدهم الى الخارج وقال لي أنهم عانوا كثيرا من اعداد الدار للعرض، إذ كانت مغلقة فترة طويلة. وسكنتها الفئران. وكان اقناعها بالابتعاد صعبا. وحاولوا اعادتي الى الداخل بعد انتهاء العرض لكنني رفضت رفضا باتا. الآن مجمع سينمائي فيه ثلاث دور سينما على أرقى مستوى عالمي وليس فيه فأر واحد.. سبحان الله. وفجأة سقط الكهول الثلاثة تعبا. وعجزنا عن أن نتقدم خطوة واحدة، فوضعونا في سيارة، ولم ننطق حرفا حتى وصلنا الى القاهرة ونزل أولنا وقد خلع الجاكت وألقى به خلف ظهره كشاب في العشرين، وحاولنا أن نقلده ففشلنا.