بيان2: الفن لا يلغي جديده قديمه لأنه يتطور في اطار الهرم الفني لذات المبدع وذات البنية الابداعية التي أفرزته، ولكل مبدع هرمه، ولكل بنية هرمها، ولكل حقبة هرمها الذي يتحدد حجمه صغرا وكبرا بعلاقته بالحقب السابقة، وبعلاقة ذات المبدع بجوهر ذات الحقبة والحقب السابقة، عكس العلم الذي يتقدم مضيفا للهرم الشامل للانسانية كلها منذ بدء الخليقة. وبالتالي فالاكتشاف العلمي الجديد يضيف رأسيا لذات الهرم فيعلو على القديم بل وقد يوقف فاعليته تماما في بعض الأحيان، بينما في الفن لا يحدث هذا على إطلاقه. فالعلم مرتبط بالواقع الحياتي والحقيقة الحياتية، والحياة ممتدة من الأزل صوب الأبد. بينما الفن مرتبط بالواقع الفني والذي يرتبط بدوره بعصور وحضارات منفصلة ومتصلة. فهو إذن يتطور رأسيا في زمان الحضارات المتصلة التي ينهل لاحقها من سابقها ويبدأ من الصفر في زمان الحضارات المنفصلة التي انقطعت صلاتها بسابقاتها، ودونكم تاريخ الفنون. فنحن قد نستمتع ببتهوفن وباخ وسترافنسكي وسيد درويش وأم كلثوم في ذات الوقت الذي قد ندير فيه أسماعنا عن آخرين أحياء. فكل فنان هو نتاج عصره وفقا لعلاقته هو بجوهر العصر، والعصر العميق يفرز فنانين عميقين ينتجون فنا عميقا، والعصر المسطح يفرز فنانين مسطحين وفنا مسطحا. فالفنان هو جماع الحتمية التاريخية والحتمية الفنية اللتين كانتا سببا في إبداعه. لا مهرب من الحتمية الفنية وقيودها ولا مهرب من العصر وقيوده. وأية محاولة لفصل الروح الثقافي العام عن الابداع ودرجة التذوق هي محاولة فاشلة. والروح الثقافي العام هو الذي يتحكم في حجم هرم كل حقبة. ولهذا فالناقد المدرك لدوره هو الذي يلاحق تيارات الأفكار بالدراسات النقدية المتعمقة رابطا بين الأعمال الفنية التي ثبتت قيمتها الفنية العالية على مر العصور وبين ابداع اليوم فيثري الروح الثقافي العام بتيارات أفكار جديدة يتشربها المبدعون فيبدعون مضيفين إلى الوعي العام. فالناقد الحقيقي والمبدع الحقيقي هو ذلك الذي يقود الجمهور لا ذلك الذي يسير خلفه منساقا وراء بريق الهتاف والاعجاب المراهق. إن المقولة التي تتبنى شعار الحكم للجمهور هي مقولة مضللة وساذجة. فالحكم على الأعمال الفنية لا تقدر عليه إلا الصفوة المدربة مهنيا وأكاديما. الصفوة التي تربط ما بين العمل الفني وتراثه الفني عبر العصور فيتسع حجم الهرم الفني ويكبر لتكبر معه عقول المبدعين وإبداعاتهم بوعي منهم وبغير وعي. والابداع، كما تقول نظريات النقد الحديث، هو عملية تركيب وعرض تقوم بها ذات المبدع بجزء من الوعي وجزء من اللاوعي المكون بوعي. وبهذا يكون العمل الفني ليس هو ما يدور بذهن المبدع حال إبداعه فقط، ولكنه المخزون المعرفي والجمالي الذي اتحد مع اللحظة التاريخية بإزاء الموقف الضدّي لذات المبدع فكان الابداع. وبقدر انفصال العمل الفني عن ذات المبدع ووقوفه بذاته كائنا حيا يتنفس الحياة بعيدا عن مبدعه، بقدر ما يكون ممثلا حقيقيا للبنية التي أفرزته وللهرم الذي احتضنه. ولهذا ينتهي الفنانون الذاتيون بانتهاء عصرهم بعيدين عن الهرم الفني العام، بينما لايزال أمثال المتنبي وبتهوفن وشكسبير وبيكاسو هم الشغل الأوحد للنقد والنقاد. د. عز الدين هلالي