بيان2: على مدى قرون عدة ظلت قمة سبتي التي لم يتنافس على الوصول إليها السياح الأجانب مكانا متواضعا لا يمكن أن يفكر في الوصول إليه أحد من أولئك الذين يزورون وادي الهيمالايا وبالتحديد الذين يعبرون المنطقة المعزولة من الوادي التي تحيط بها القمم الصخرية، القاسية والأنهار الجليدية والتي لا تزيد الكثافة السكانية فيها على شخصين في الكيلومتر المربع الواحد. ولا يمكن أن يجد الزائر لها وسيلة أو منفذا للدخول طوال أشهر الشتاء قارسة البرودة التي تصل درجة الحرارة فيها إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر وتتحول على الرغم من قسوتها إلى مناسبة سانحة للاحتفالات التي يقيمها السكان المحليون تعبيرا عن احتفائهم بالحياة في سبتي. ويعرف العدد القليل من السائحين الغربيين الذين يصلون إلى وادي سبتي عبر واحد من ثلاث ممرات مرعبة يطلق على احدها اسم «ممر الجثث المجمدة» بمعاناته التي لا يمكن لأحد أن يتصورها من مشكلة ارتياد الأماكن الخطرة شديدة الارتفاع حيث يتسلق المرء القمة الجبلية بارتفاع 12 ألف قدم فوق سطح الأرض إما مشيا على الأقدام أو في أغلب الأحيان ضمن فوج سياحي منظم لتحمله إلى هناك سيارات الجيب شديدة الاحتمال. وإذا كانت سبتي وحسب موقعها واحدة من التقسيمات الجغرافية التابعة للهند، إلا انها ومن الناحية الثقافية والروحية مازالت مفصولة عنها بسبب انتمائها إلى حضارة التبت الأصلية. وسبتي هي «منطقة الحجر» حسبما يترجم هذا الاسم إلى اللغات الأخرى وحتى عام 1992 كانت تعرف باسم «الوادي المحظور» الواقع على بعد 17 كيلومترا فقط من الحدود مع التبت والذي لم يكن يسمح لأي سائح بعبوره ما لم يكن في حوزته إذن رسمي. وفي سنة 1874 كتب موظف بريطاني كبير يقول: «ربما كان مما يثير الدهشة أن تعرف أن سبتي البلد شديد الفقر قد كتب له أن يعتبر واحدا من البلدان التي تستحق بالفعل أن يتكبد المرء من أجلها مشقة قهر الصعاب». وعلى الرغم من اهمال البريطانيين إبان فترة الاحتلال البريطاني للهند إلا أن أهالي المنطقة استطاعوا بامكانياتهم البسيطة أن يجعلوا الحياة تستمر على نحو عادي جدا بواسطة العديد من الأنشطة الزراعية كزراعة الشعير والبازيلاء في الحقول التي تروى بمياه الأنهار الجليدية لدى ذوبانها ومرورها بتلك المناطق كما كانوا يربون بمشقة الثيران الضخمة طويلة الصوف ويهجنونها من أجل الاستفادة من عوائد منتجاتها من الصوف والقرون والألبان. إلى يومنا هذا فإن شيئا من ذلك الازدهار الزراعي لم يتغير على الرغم من معاناتهم من الفقر. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية كان التجار الهنود وأصحاب رؤوس الأموال قد بنوا العديد من الفنادق والمطاعم وبدأوا بنقل بضائعهم من السلع والخضروات الطازجة إلى أسواق المنطقة وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي وراء التدفق المفاجيء للسياح على سبتي التي يشتهر أهلها بالكرم وحسن الضيافة. وقد التقط باتريك سندرلاند صورا رائعة توثق لحركة التغيير التي تشهدها سبتي كما أنها عيون الكاميرا خلال زياراته الأربع للمنطقة ما بين عامي 1993 ـ 1998. وكانت بعض تلك الصور قد التقطت أثناء زيارة الزعيم الروحي للتبت «الدلاي لاما» للمنطقة للاحتفال بالذكرى الألف لتأسيس أحد الأديرة البوذية، حيث تجمع مئات السياح وأمطروا السكان المحليين في غمرة احتفالهم بالمناسبة بالصور الفوتوغرافية التي نقلت إلى العالم الخارجي فرحتهم بتلك الزيارة باعتبارها الزيارة الأولى التي تحولت بعدها أنظار الآخرين إلى الاهتمام بالتفاصيل الجميلة لسبتي وعلى رأسها المعبد الرئيسي الذي تحول إلى قبلة للسياح. غير أن أفضل ما يجده السائح في سبتي ليعود به إلى أهله هو تلك الهدايا التذكارية التقليدية من الصناعة الجميلة التي تجد لديهم رواجا كبيرا. وفي الوقت الذي يعتقد فيه أبناء سبتي من الشباب أن بضاعتهم تلك لا ترمز إلى شيء بقدر ما ترمز إلى التخلف الذي تعيشه المنطقة فإن جانبا كبيرا من تلك المخاوف يبدو بعيدا عن الواقعية بسبب ما تحققه تلك الخصوصية المتمثلة في الحفاظ على الصناعات والموروث التقليدي من النجاح في قدرتها على الصمود في وجه تيارات الحداثة والعولمة التي بدأت رياحها بالهبوب حتى على تلك الأماكن المعزولة من العالم لتتحول إلى مدن ذات مواصفات قريبة من العالمية من خلال ما تمتليء به قراها وفنادقها وبيوتها من وسائل الاتصال الحديثة التي تحمل بصمة الغرب. وعلى الرغم من ذلك فإن تلك الصورة لاتزال تحمل معها الكثير من التناقض في بيئة لا تخلو على الاطلاق من السؤال حول ما إذا كانت الحداثة تشكل تهديدا خطيرا في ذات نفسها ومثال على ذلك بلدة «كازا» التي لم تعرف إلى اليوم بنية أساسية منظمة يمكن الاعتماد عليها رغم كثرة ما يرد إليها من بضائع وأشياء استهلاكية جديدة. وليس هناك أجمل من أن يصف سبتي أحد أبنائها الذين يعيشون في الخارج بقوله: «ان سبتي منطقة تشبه المنارة الموجودة على تلة مرتفعة فهي تذكرنا بأسلافنا التبتيين الذين عاشوا حياة قاسية في منفاهم هذا في المرحلة السابقة للاحتلال الصيني في عام 1959. ولكن من المؤسف أن يكون التطور هو العامل الرئيسي الذي يهدد ثقافة سبتي لاسيما في مجال التعليم، حيث تفرض الهند لغتها على سكان المنطقة باقرار اللغة الهندية اللغة الرسمية التي يتعلمها تلاميذ المدارس الأمر الذي بدأت آثاره السلبية في الظهور من خلال تراجع استخدام اللغة الأصلية للسكان المحليين التبتيين المعروفة باسم «بوتي» فيما يشبه الموت التدريجي لها. وإذا توقف الناس عن استخدام لغتهم هذه فسيفقدون بلا شك العلاقة الأساسية التي تربطهم بحضارتهم وماضيهم. مريم جمعة فرج