بيان2: «أتذكر ساليناس بأفضل ما يكون حين كان تعدادها السكاني يتراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف نسمة» هذا ما كتبه جون ستاينبيك قبيل وفاته، متذكرا المكان الذي ولد فيه قبل نحو مئة عام، مضيفا «حين كان بإمكانك أن تتمشى في الطريق الرئيسة، وتتحادث مع أي شخص في البلدة». لكن منذ هذه الأيام التي يتحدث عنها الكاتب الموهوب ستاينبيك، طرأت تغييرات عدة على البلدة الواقعة في قلب وادي ساليناس، المنطقة الزراعية الأساسية في كاليفورنيا الأمريكية. تغيرات متتالية بدلت من شكل ساليناس إلى الحد الذي كان يصعب معه على ستاينبيك نفسه -الذي توفي في 1968 عن 66 عاما- التعرف على موطنه الأصلي. المدخل درامي إلى ابعد الحدود، حين يصف ستاينبيك جبال سانتا لوسيا غرب ساليناس بأنها «مظلمة كئيبة موحشة وخطيرة». وحتى بعد سنوات، لم يفلح انتعاش السياحة في المنطقة في تغيير الطابع «الانعزالي» للبلدة. ولذا تجد أن زوار المنطقة يفضلون التوجه إلى مجتمعات أخرى قريبة (مثل مونتيري وكارمل)، كتب عنها ستاينبيك واصفا أحواضها المائية وشواطئها. ومثل العديد من المدن الأمريكية، تدهور الحال بساليناس في الستينيات والسبعينيات حين نزح السكان إلى الضواحي بحثا عن الكلأ والخضرة. وكذلك رحل التجار عن البلدة التي تحولت إلى ما يشبه بيت أشباح. أما اليوم، فيبدو الشارع الرئيس في وسط المدينة -بكل ما يحمله من عبق الثلاثينات- أكثر حيوية وازدحاما بالمارة. ففي مقابل بعض المتاجر العتيقة التي ما زالت تبيع نسخ الإنجيل ومعدات وملابس رعاة البقر، توضع اللمسات الأخيرة حاليا لتحويل المسرح القديم إلى مجمع ترفيهي على أحدث طراز يضم دار عرض سينمائية ومطاعم في خطوة جديد لاجتذاب المزيد من السياح الذين بدأوا يتوافدون بانتظام على ساليناس. لكن إذا كانت هذه البلدة الأمريكية تشهد أي انتعاش في الحاضر، فالفضل كل الفضل في هذا لابنها المتواضع جون ستاينبيك الذي لم يتقبل يوما فكرة «المواطن الأهم»، بل واقدم على حرق مؤلفاته مرتين خلال حياته. ويتفق كثيرون في ساليناس مع مدير جهاز التحقيقات الفيدرالية السابق ادجار هوفر في زعمه بأن ستاينبيك كان «شيوعيا مخلصا». ويدعم هذا التصور، بعض إصدارات الكاتب التي تناولت إضرابات العمال في الثلاثينات، فضلا عن زياراته المتكررة إلى الاتحاد السوفييتي السابق. وإن كان ستاينبيك شخصيا لم يفتأ عن تكرار أنه مهتم فقط بمصير الأفراد وليس سياسات الدول أو فلسفات الفلاسفة. لكن هذا الجدل (بشأن أيديولوجية ستاينبيك) تلاشى منذ زمن طويل. فتجد اليوم شوارع ومدرسة ومشروعات تجارية، بل وحتى المكتبة العامة، وقد أطلق عليها اسمه أو على الأقل إحدى شخصيات رواياته. وباستطاعة الزوار تناول الغداء في المنزل الذي ترعرع فيه هذا الكاتب المعروف باسم «بيت ستاينبيك»، والذي تحول إلى مزار سياحي بارز. وهو مبنى فخم من الطراز الفيكتوري (نسبة للملكة البريطانية فيكتوريا). وفي هذا البيت أيضا يستطيع الزوار تأمل الصور الفوتوغرافية وبعض مقتنيات الأسرة. أما البقعة المحورية في جغرافية البلدة، فتلك التي تحمل مركز ستاينبيك الوطني في بداية الشارع الرئيس. فهذا المبنى الحديث الذي تكلف 11 مليون دولار، ويشغل مساحة 12 ألف متر مربع، يضم معرضا مخصصا لإبراز أعمال هذا الكاتب الأمريكي. وقد افتتح في يونيو 1998 أي قبل أربع سنوات من الموعد المحدد للاحتفال بالذكرى المئوية لميلاده. ووقت افتتاحه أعرب العديد من كبار الكتاب الصحفيين في سان فرانسيسكو ولوس انجلوس عن إعجابهم بمعجزة إقامة مثل هذه المتحف الحديث تكريما لشخصية أدبية بحجم ستاينبيك في بلدة «قزمية الحجم»مثل ساليناس. والأعجب أن تسعى البلدة التي طالما حاربت ستاينبيك إلى تكريمه اليوم بكل هذا الحماس، بل وربما الاستفادة من شهرته. فحين رحل هذا الكاتب الموهوب عن بلدته لآخر مرة عام 1960، كان يشعر بمرارة نتيجة أن أهل بلده لم يفهموه ولم يقدروا أفكاره .. وقرر ألا يعود أبدا إلى ساليتاس، برغم كل ما يحمله من ذكريات طيبة نحوها. وبكل المقاييس، فإن مركز ستاينبيك الوطني متحف بالغ التميز، وهو ما تؤكده أماندا هولدر مديرة التسويق بالمركز قائلة «إنه متحف فريد فما من كاتب أو روائي آخر حظي بمثل هذا التكريم لحياته ولأعماله». ووفقا لهولدر، فإن النمط التفاعلي القوي للمركز وأسلوب العرض التفسيري لأعمال ستاينبيك يميزه إلى كبير عن غيره من المتاحف الفنية، ويرضي أذواق كل من عشاق الروائي الراحل وأولئك الذين لم يطالعوا أعماله على حد سواء. فالمركز أو المتحف المتميز ينجح في إعادة مؤلفات ستاينبيك إلى الحياة عبر سلسلة من المسارح المتصلة ببعضها البعض، والتي يخصص كل منها لأحد أعماله الرئيسية .. مثل «شرق عدن»، «أعناب الغضب»، حيث تلعب الأفلام السينمائية والقطع التذكارية، وحتى الأصوات دورا واضحاً في خلق أجواء هذه الروايات الشهيرة. وأغلب الناس يتذكر ستاينبيك كأديب حاصل على جائزتي نوبل و بوليتزر، واضعين إياه في مصاف كبار الأدباء الأمريكيين من أمثال ارنست هيمنجواي وسكوت فيتزجيرالد و ويليام فولكنر. لكن الحقيقة أن روح الإنسانية وعشق ستاينبيك الأصيل لحق الإنسان وحريته كرامته، هو ما يشع من جميع أعماله. وهذا بالتحديد ما يعكسه المعرض بكل نجاح. إذ يبدأ الزوار بالتعرف على الأيام الأولى في حياة المؤلف، حين يدلفون هذا الجزء من المعرض الممتد عبر نموذج لشارع يطالعون في جنباته صور الكروم في ساليناس وما يجاورها من بلدات، ويطالعون نصوص مقابلات مع أفراد عائلته وأصدقاء طفولته. كما يستطيعون قراءة ما كتب عن اقترانه بزوجته الأولى، كارول هيننج، ومعاناة الزوجين في المرحلة الأولى التي كان الأديب الناشئ يحاول خلالها تهذيب موهبته الأدبية وفشله في تسويق مؤلفاته الثلاثة الأولى (شقة تورتيلا 1935، والحصان الأحمر 1937، والفئران والرجال 1939) التي جلبت له الشهرة والتقدير لاحقا. وهناك مقتطفات من نسخة الفيلم الشهير المأخوذ عن رواية (شرق عدن)، الذي لعب بطولته جيمس دين. ثم ينتقل المعرض إلى مرحلة زراعية، يسلط فيها الضوء على أعمال ستاينبيك المبكرة، حيث يستطيع الزائر مرة أخرى مشاهدة أجزاء من أفلام سينمائية اقتبست منها ومطالعة فقرات من كتبه أو الاستماع إليها. بينما يطوف الجزء الأوسط من المعرض حول أعناب الغضب، التي تعد اشهر روايات ستاينبيك والتي تتناول مآسي عائلة جود في فترة الثلاثينات العصيبة، حين اضطرت - مثل كثير من الأسر الفقيرة آنذاك- إلى مغادرة وطنهم في أوكلاهوما في رحلة شاقة طويلة إلى كاليفورنيا بحثا عن فرصة عمل. وبعد سلسلة من الإخفاقات، يكتشف آل جود أن كاليفورنيا ليست الأرض الموعودة التي كثيرا ما سمعوا عنها. فبدلا من الحياة الكريمة التي تخيلوها، حشروا في مخيمات مثل الحيوانات، وأجبروا على أن ينافس بعضهم بعضا إلى الأبد من أجل أعمال دنيا تدر أجورا هزيلة. وفي الشتاء، حيث ينتهي موسم الحصاد، يبقون في العراء بلا مأوى. والمعروف أنه عند إصدار هذه الرواية -التي كتبها ستاينبيك من واقع معايشته لأحد معسكرات العمل الزراعي في كاليفورنيا- ثارت ضده انتقادات من جانب المحافظين الذين اتهموه بالمبالغة في الدفاع عن أولئك الذين أضيروا من فترة الكساد الأعظم. ومع ذلك، فقد جلبت الرواية لمؤلفها جائزة بوليتزر الشهيرة. وفي المعرض يطالع الزائر مقتطفات حية من تلك الرواية العظيمة، ومن بينها كلمة توم جود (الذي لعب دوره هنري فوندا في الفيلم المقتبس عنها 1939) الشهيرة، بعدما قتل رجلا انتقاما لمصرع صديقه كايسي «ستجدني في كل مكان .. أينما تنظر .. أينما توجد معركة، حتى يطعم الجوعى .. ستجدني أصرخ مثل الشبان حين يصيبهم الجنون .. وستجدني أضحك مثل الأطفال الجوعى حين يعلمون أن العشاء أصبح جاهزا». وعبر سنوات الحرب يتنقل المعرض ببراعة على لسان ستاينبيك، الذي يتحول مثل هيمنجواي إلى الكتابة عنها. ثم ينتهي بمرحلة متأخرة من حياة ستاينبيك التي حاول خلالها إعادة استكشاف أمريكا التي شعر وكأنه فقد الصلة بها، فهام الكاتب في الشوارع باحثا عنها. وينتقي المعرض عملين من أبرز أعماله في تلك الفترة، وهما «السفر مع تشارلي» تشارلي هو الكلب الذي اصطحبه في نهاية حياته، و أمريكا والأمريكيين. لقد شعر ستاينبيك بوضوح أن البلد التي ولد فيها لم تعد مألوفة له كما كانت، وأنها قد تحولت إلى شيء لا يفهمه على الإطلاق. ومصدوما بمادية أمريكا في الستينات، كتب ستاينبيك عن «تسرب غاز أعصاب اللاأخلاق في أنحاء أمريكا». وكتب أيضا مخاطبا المرشح الديمقراطي للرئاسة آنذاك ادلاي ستيفنسون «إن امتلاك أشياء كثيرة لا يمنع من إنفاق الوقت والأموال بحثا عن الروح». ويبدو أن اعتماد أمريكا الحديثة على الإعلان، وما رآه ستاينبيك من تزايد سذاجة أبناء بلدته وسط طوفان المادية، أصابا الكاتب العظيم بالرعب في السنوات الأخيرة من حياته. فكتب يقول «قريبا، سيكون بإمكانك أن تسافر من نيويورك إلى كاليفورنيا دون أن ترى شيئا واحدا». و. ن. ل