بيان2: تستطيع وكالة الفضاء الوطنية «ناسا» ان ترسل بشرا الى المريخ في غضون عشر سنوات من الآن اذا سمح لها صانعو القرار بذلك، أو هذا هو على الأقل ما يقوله علماء الفضاء الامريكيون منذ سنوات. وقد أعطى الرئيس الامريكي الاسبق جون كنيدي اشارة البداية لمشروع الهبوط على سطح القمر، فماذا لا يقوم رئيس امريكي معاصر بالشيء نفسه بالنسبة للكوكب الاحمر الذي لطالما داعب الوصول اليه أحلام البشر على امتداد قرون مضت؟ إن هذا هو ما حدث بالضبط في 20 يوليو 1989 عندما احتفل الرئيس الامريكي في حينه جورج بوش بالذكرى السنوية العشرين لرحلة مركبة الفضاء «أبولو 11». وقد قال بينما كان يقف الى جانبه نيل ارمسترونج وبوز آلدرين ومايكل كولينز: «بالنسبة لسنوات التسعينيات، لدينا محطة الفضاء وللقرن الجديد المقبل، علينا ان نعود الى القمر»لالا. ثم في كلمات كان وقعها كالموسيقى في آذان خبراء «ناسا» تحدث عن «رحلة الى المستقبل، رحلة الى كوكب آخر، أي مهمة بشرية الى المريخ». بدأ فريق كبير من «ناسا» بالعمل على «تقرير الـ 95 يوما» سيئ الصيت حاليا الذي وصف بذلك بسبب الفترة الذي استغرقها وضع خطة مضمونة لجعل بوش يتمنى لو انه لم يأت على ذكر المريخ أبدا. كان من المفترض، حسب الخطة التي تضمنها التقرير ان يتم صنع محطة فضاء تخدم مركبة فضاء تزن 1000 طن يجري تجميعها اثناء دورانها حول الأرض. وكان من المفترض ان تستغرق الرحلة حول المريخ عاما ونصف العام مع قضاء اسبوعين على سطحه، وهو وقت كاف لغرس علم والتقاط بعض الصور قبل العودة الى الأرض. لم تكن تكاليف تلك الرحلة محددة تماما، ولكن التوقعات كانت تقدرها بما لا يقل عن 500 مليار دولار. لقد أرعبت تلك التكاليف المتوقعة المهندس روبرت زوبرين من مؤسسة مارتن مارييتا وبدأ الامر وكأن صنع مركبة فضائية عملاقة أصبح اكثر أهمية من الرحلة الى المريخ نفسها. ويقول زوبرين من مسكنه ومكان عمله في انديان سبرنجز بولاية نيفادا الامريكية: «أرسلت مذكرة مفادها انه لا يكفي ان نصل الى غايتنا فقط، وإنما ينبغي علينا ان نفعل شيئا مفيدا عندما نصل الى هناك. لقد اعتقدت ان الخطة خاطئة كليا ومكلفة جدا. وعندما تحدثت عن ذلك شعر الكثير من الاشخاص في «ناسا» بالانزعاج. يضيف زوبرين «إن شركات الفضاء تخبر (ناسا) عادة بما تريد ان تسمعه، لأن تلك الطريقة هي التي تحقق المبيعات، أما أنا فكنت أنوي القيام بعكس ذلك، وأذكر الحقيقة سواء راق ذلك لـ «ناسا» أم لم يرق لها، فطريقتهم كانت أسوأ الطرق وأقلها كفاءة في الوصول الى المريخ». لقد أوكلت مهمـة تطـويـر مركبة فضاء تصلح لحمل رواد فضاء الى المريخ الى زوبرين ودزينة من علماء الفضاء. وبحلول عام 1995 كان الفريق قد توصل الى تخفيض دور محطة الفضاء الى نسبة معقولة وتخفيض وزن مركبة المريخ الى 700 طن وخفض النفقات. غير ان زوبرين لم يكن راضيا عن النتائج، فالوقت الذي من المفترض ان يقضية رواد الفضاء على المريخ كان لايزال شهرا من اجمالي مدة الرحلة التي تستغرق عاما ونصف العام، ناهيك عن ان التكاليف مرتفعة والوقود المستهلك كثير ووزن مركبة المريخ ثقيل جدا، ولهذه الأسباب مجتمعة خرج زوبرين بفكرة «مارس دايركت» وهي خطة تخفيض الحجم والوزن والتكاليف تخفيضا كبيرا ولا تحتاج لوقت في مدار الارض، وتمحو دور محطة الفضاء. سفينة مركزية يقول زوبرين: «معظم خطط المريخ تقتضي ارسال سفينة فضاء مركزية لتدور حول الكوكب الاحمر، وترسل فرق هبوط صغيرة، تصعد بعد ذلك لتلتقي بالسفينة، وتعود الى الأرض. وأنا اسمي ذلك نهج «باتلستار جالاكتيكا» ولكن ما الحاجة الى السفينة الأم من اصله؟ أما في خطة «مارس دايركت» فإنك تنقل الاجهزة مباشرة الى المريخ، ثم تقوم بعد ذلك مركبة صغيرة مخصصة للعودة الى الأرض بالانطلاق من سطح المريخ والعودة الى الأرض». والمشكلة في رحلات المريخ هي ان رواد الفضاء سيحشرون في قمرات صغيرة لمدة ستة أشهر ذهابا وستة أشهر ايابا. ويرى زوبرين انه لا حاجة الى صنع مركبة فضاء ضخمة من اجل الوصول الى المريخ، كما انه من الممكن توفير كميات كبيرة من الوقود وبالتالي من حجم المركبة الفضائية ووزنها اذا تمت عملية الاطلاق عندما تكون الأرض والمريخ أقرب ما تكون من بعضها البعض وفي الجانب نفسه من الشمس وهو ما يحدث كل عامين تقريبا. توظف خطة «مارس دايركت» عددا من الرحلات المبرمجة بشكل يتزامن مع التقارب بين الارض والمريخ. لكن مشكلة هذه الخطة الموفرة للطاقة هي ان الرحلة اكثر من عامين ويتعين على أعضاء الطاقم كذلك الانتظار عاما ونصف العام على المريخ حتى يقترب الكوكب من جديد من الارض قبل ان يتمكنوا من العودة. ويعترف زوبرين قائلا: «من الناحية النظرية فإن هذا الأمر يطيل من تعرضهم لمخاطر الاشعاع الكوني، لكن كتلة الكوكب وغلافه الجوي يعتبران دروعا جيدة تقي من الاشعاع. صحيح ان أسلوب السفينة الأم يوصلك الى المريخ ويعيدك منه في غضون عام ونصف العام، لكنك تقضي معظم ذلك الوقت في الفضاء الذي هو مصدر مخاطر الاشعاع الرئيسية». ويقدر زوبرين تكاليف «مارس دايركت» بحوالي 20 مليار دولار تنفق خلال عقد كامل، وهو مبلغ يعد ضمن حدود ميزانية «ناسا» ولا تحتاج هذه الخطة الى وجود مجمعات معقدة في الفضاء، وليس هناك داع للتوقف في محطة الفضاء ولا لوجود سفن أم عملاقة. ويبدو ان ناسا أدركت في نهاية المطاف ان زوبرين على حق، لكنها مع ذلك يتعين عليها ان تحمي مصالح موظفيها والشركات المكرسة جهودها لبناء محطة الفضاء الدولية وزوبرين مستعد للتوصل الى حلول وسط. ضرار عمير