بيان الكتب: هذا الكتاب رسالة دكتوراه حصلت عليها لوتيسيا بوكاي من معهد الدراسات السياسية بباريس وقد جاءت هذه الشهادة نتيجة المعايشة لمدة ثلاث سنوات من قبل الباحثة في ضيافة أسرة من بيت (ساحور) بغرض تأمل، وبحث تجربة (الاستقلال الذاتي للفلسطينيين). وهكذا تعايشت الباحثة في أوساط شباب الانتفاضة وتغلغلت في المخيمات والأوساط الشعبية في ظل فضاء الحكم الذاتي. ويتمحور البحث الذي أجرته على الطبيعة وسط كيان فلسطيني في طور التكوين والذي تمخض عنه هذا الكتاب حول ثلاثة تساؤلات متتالية طرحت أولا بأول مع التطور التاريخي الذي شهدت لوتيسيابوكاي أحداثه فهناك أولا تقدير ما تمثله الانتفاضة بالنسبة للشبيبة الشعبية الفلسطينية. ثم كيفية تعامل النظام السياسي لسلطات الاستقلال الذاتي مع تلك الشبيبة وماضيها. وأخيرا دراسة نقاط التواصل بين مختلف القوى التي تحدد تطور الكيان الفلسطيني: الجماعات الاجتماعية والأوساط السياسية، أي حماس ومنظمة التحرير وحكومة الاستقلال الذاتي واسرائيل. الانتفاضة سلاح ضد الغاصب وضد السلطة: في مايو 1994 عشية اعلان الاستقلال الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة، أطلق شاب عاطل عن العمل في مخيم جباليا التحذير التالي: (لو اضطهدتنا السلطة الوطنية ولم تحترم الديمقراطية فسنثور عليها، وستكون هناك انتفاضة أخرى). وفي أغسطس عام 1996، دعت حماس عن طريق منشوراتها، الى الوقوف ضد السلطة الفلسطينية على أثر مواجهات وقعت بين قوات النظام والمدنيين الفلسطينيين متهمة اياها بتنفيذ المهام القذرة التي كلفها بها الاسرائيليون. وعندما تحركت الجرافات فوق تل حار حوما بغية اقامة مستوطنة يهودية جديدة في القدس الشرقية، دعا ابراهيم غوشة، زعيم حماس في عمان ، الى استئناف الانتفاضة فورا وباستمرار ضد اسرائيل. لقد كشف التلويح بهذا السلاح أنه ضد الغاصب وضد القامع في نفس الوقت حيث تحاول مختلف العناصر المتنافسة للامساك بزمام الحكم أن تنسب لنفسها تراث الانتفاضة وأن تستخدمه لصالحها، بالتذكير به. ويتحول التمرد باعتباره تحركا وطنيا الى حجة سياسية، ويتعين على ياسر عرفات، الفلسطيني الوافد من خارج الاراضي والذي لا يمتلك الرأسمال الأساسي المتمثل في المشاركة في هذا الحدث والمسئول عن اتفاقيات السلام المبرمة مع اسرائيل التي يدور الخلاف حولها، يتعين عليه أن يثبت أنه يعمل من أجل مشروع قومي. أما حماس فتحاول الاستناد بالموروث المعنوي والوطني والتأكيد على أنه نموذج للنضال. ويتمثل هدف القوى السياسية في التحكم في التمرد، أي شباب الانتفاضة. فالانتفاضة تشكل في المقام الأول حركة جماهيرية في السنوات الأولى (87-1990) انضم اليها النساء والآباء والتجار والمثقفون. وكانت مشاركتهم غير متساوية سواء من حيث مدنها أو أسلوب التحرك الذي اختاروه. واذا كان الشباب العنصر الأساسي في النضال ضد الاحتلال فإن مشاركة فئات أخرى من الأهالي أكسبت المقاومة طابعا جماعيا وقوميا. كانوا قد حاربوا الاحتلال من خلال الحركات السياسية الفلسطينية (فتح، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الحزب الشيوعي، حماس، الجهاد الاسلامي) إلا أنهم لا يشكلون مع ذلك جماعة متجانسة.. وهناك عدة معايير يمكن أن تفصل بينهم من حيث الالتزام النضالي. ورغم عدم التجانس الذي تتضمنه صيغة شباب الانتفاضة إلا أنها تسمح بتحديد جماعة اجتماعية وجيل كان تحركه حاسما في الأراضي المحتلة في نهاية الثمانينيات ويحتل شباب الانتفاضة وضعا مركزيا في نطاق مجتمع الأرض الفلسطينية. حيث كانوا المحرضين والمحركين لتمرد له أبعاد وطنية (ضد المحتل) واجتماعية (الاعتراض على العلاقات بين الطبقات في المجتمع الفلسطيني) وقد حصل على قسم محدود من السلطة في المجال السياسي المحلي.. وحلت السلطة الفلسطينية محل الشباب في الاشراف المباشر الذي مارسوه بشكل جزئي في المجتمع وقد وحدت السلطة الفلسطينية هذا الاشراف على مجموع أهالي الأراضي المستقلة ذاتيا باقامة جهاز دولة أوكلت مهامه القمعية الى فريق من الشباب. ورغم التراجع الذي تكبدته العناصر الشابة المنتمية الى الطبقات الشعبية إلا أنها ظلت عاملا مركزيا سواء بالنسبة للسطلة الفلسطينية أو بالنسبة للتشكيلات السياسية والمعارضة و منها حماس بالأخص. وعليه يعتمد نظام الحكم الذاتي اقامته السلطة على قسم من الشباب يضمن به قاعدة مركزية للنظام ويسبغ الحكام في الظاهر الشرعية على الانتفاضة بتنشيط شبكات الولاء والقيادة التي حولوها الى مؤسسات من خلال انشاء أجهزة أمن غير أن السلطة الفلسطينية لا تستخدم محركي الانتفاضة ليواصلوا تحقيق المشروع الوطني فالخدمة الموكولة اليهم تتمثل في الواقع في قمع المعارضة الفلسطينية ومن بينها أعضاء حماس التي تطالب اسرائيل بتحييدهم. وبناء على ذلك يشغل الشباب المختار مركز التابع في اطار النظام الذي يؤمن لعدد محدود من هم امكانية الارتقاء اجتماعيا وقد أبعدت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية واقامة سلطة الاستقلال الذاتي الشباب عن دائرة القضية القومية. ويرمي قادة السلطة الفلسطينية الى ضمان انفرادهم بالوضع. ولذا سعوا الى كبح التطلعات السياسية لمحركي التمرد والانطلاقات الرافضة إذ تتجاوز طموحاتهم القومية الى حد كبير مضمون اتفاقيات السلام. فكيف تصرف الحكام الفلسطينيون لكي تلين عريكة الشباب.. بدا في رأي القادة أن إشراكهم في ممارسة احتكار القوة الشرعية وسيلة لتحييدهم فاقامة جهاز أمن متشعب (حوالي خمسين ألف فرد) يضمن اعادة تأهيل جزء من شباب الانتفاضة.. وبالأخص المنتمين الى فتح والأوفياء لقادة الحركة. ولعله من المثير أن يلفت نظرنا في ظل التنافس بين قوى وأنصار فتح وبين حماس أن يتبين لنا أن مناضلي الانتفاضة الذين أسكنتهم فتح في مؤسسات الأمن والقوة 17 هم أنفسهم الذين يدافعون عن المؤسسات وعن أوسلو وعن القبض أو وجوبية القبض على الجناح المسلح لحماس المنافس لفتح ولأبو عمار وهكذا يتم الدفاع عن أمن اسرائيل حيث تتكفل من المنبع الأجهزة العسكرية البوليسية الفلسطينية بالقضاء على العنف الاسلامي الموجه ضد الدولة العبرية. مقاولات من الباطن في مجال الأمن تأسس جهاز الأمن الوقائي بعد لقاء تم في روما بين محمد دحلان وجبريل الرجوب وقادة عسكريين اسرائيليين في يناير 1994 ولم يكن هذا الجهاز واردا في اتفاقات واشنطن أو القاهرة، ولكنه تحقق بتدبير شفوي بين الطرفين، صرح بمقتضاه للمندوبين الفلسطينيين بتنظيم فيلق مسلح اضافي للشرطة في قطاع غزة والضفة الغربية. ويرجع اختيار دحلان والرجوب الى ثقة القادة الفلسطينيين فيهما وأيضا الثقة الصادرة عن الجيش الاسرائيلي. وقد صرح داني روتشيلد المنسق العسكري السابق في الأراضي المحتلة بأن تساحال وافق على النظر في التعاون في مجال الأمن لادراكه أن المتحدثين معهم رجلان يتمتعان بقاعدة شعبية في قطاع غزة والضفة الغربية ويتميزان بخبرتهما السياسية والعسكرية ولذا فقد راهن على كفاءتهما المهنية وعلى فعاليتهما وأسفرت الاتصالات بين الأجهزة الفلسطينية والاسرائيلية عن تعاون، نادرا ما علق، في مجال الأمن، وتبودلت المعلومات بين الطرفين بخصوص القضاء على الشبكات الاسلامية المسلحة. وتظل اللقاءات بين قادة أجهزة الاستخبارات الرابطة الأخيرة الباقية عندما يشتد التوتر بين حكومتي السلطة الفلسطينية والدولة العبرية ويختص جهاز الأمن الوقائي بالداخل وهو يستخدم 9 9 % من شباب الانتفاضة وهكذا تشابكت العوامل والعناصر الفاعلة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعدما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية أوسلو وأصبح لها كيان محدود صاحب سيادة شكلية فالصراع داخل القوى الفلسطينية وبين القوى الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والصراع بين السلطة واسرائيل والتعاون أيضا بين السلطة واسرائيل على حساب بعض القوى الفلسطينية إنها شبكة معقدة من التداخلات والأغراض والوسائل والأدوات والانتماءات. وتفضح الباحثة في فصلها الرابع.. موارد المقاولة من الباطن (كيفية سيطرة بعض المسئولين في القيادة العسكرية وقيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية على المبادلات التجارية وكيف يتم استخدام عدد محدود من شباب الانتفاضة الأولى ودفعهم الى (الدوائر المجزية) التي تؤمن ارتقاء ماديا سريعا لضمان الولاء للسلطة. أمين اسكندر