بيان الكتب: بعد توقف عن كتابة الشعر دام اكثر من عشر سنوات، يعود الشاعر السوري خليل صويلح بديوانه الشعري الثالث (اقتفاء الاثر)، ليطرح قصائده الجديدة الى الساحة، وقد مضى بها الى نكهة الشعر الثمانيني، تلك النكهة الحاملة لتأثيرات الماغوط الشعرية، كوضوح الصورة، ودقة المعنى، وتكوين القصيدة الضربة او البوستر، عدا عن تلونات القصيدة الفرنسية المترجمة، وبالاخص منها لجاك بريفير. وها هو الشاعر الفلسطيني رسمي ابو علي يقدم خليل صويلح قائلا: لو لم يخلق انساناً لكان عمود كهرباء للارياف او شجرة تستقطب اكثر العصافير نزقاً. يحجل في الشارع كالقطاة ناشراً ظله البدوي بلا تكنيك. يلبس طاقية الاخفاء دون ان يحس بذلك. ذلك ان الاشياء تعبره بسهولة. يحاول ان يكون وغداً الى حد ما ليحمي نفسه من صمغ المدينة الاسود لكنه لا يستطيع. يستطيع فقط ان يشرع قلبه ويكتب الشعر. وذلك هاجس خليل الذي عاد محملاً بذاكرة تغص بالماضي، ماضي البداوة التي نشأ في كنفها. نشأ وسط كثبان الرمل والعوسج والرعود والجمال المحملة بالمونة التي كانت تسافر بين الحسكة والموصل وحلب، قبل ان تندثر وتزول. والرحم الاول يغنيه خليل برنة حزينة، فلا يخرج منه، رغم انه قطن المدينة منذ عشرات السنين، الا ملوثاً بالارصفة وغبار الابنية الطابقية وضجيج السيارات. يقول دافعاً عن نفسه تهمة الانتماء الى المدينة، باعتبارها حاضنة لما هو مفتعل ومصنّع وسريع الزوال، ويمكن ان يشترى من اقرب سوبرماركت: كأننا لم نشرب ماء الغدران، كأننا لم نأكل الثريد، في ليالي العشائر العاصفة، بالخديعة والمكائد، كأننا لم نسرق الدجاج كالثعالب، كأننا لم نصب بالجدري والسل وفقر الدم والرمد، كأننا لم نصبغ ايدينا بالحناء، ونشم سواعدنا بالرماح والسيوف. وتلك مفردات الزمن القديم، الذي يستعيده الشاعر بحب احياناً او بألم ايحاناً، فهو على دفئه الرحيم في الفسحات الفاضحة، وفي ذلك الزمن البهي، وفي ذلك النعيم، الا انه يحمل ذكرياته المؤرقة القاسية وتخلفه ورعبه، على الاقل لأنه يقف حاجزاً بين الحاضر وبين طموحات الحلم المقبل. يظل الشاعر الانسان هناك، مستلباً من ذلك الماضي، مصاباً بحمى الارياف ورائحة البعر تملأ خياشيمه. ثم يتذكر اصدقاءه دائماً، وهم لم يتخلصوا من عاداتهم القديمة في مطاردة الحمير والارامل وبطح الفلاحات في سواقي القطن، وحفظ الآيات بصعوبة، والاغفاء في الظهيرة القائظة، ومذاق التمر يملأ الافواه. انها الذاكرة التي تحطم دفاعات الشاعر وقد قطن المدينة وصار خياله ينسج من مفرداتها وتداعياتها، فتأتي المرأة في المقام الاول. المرأة الحلم، بخرزها وعطورها ولمساتها ومواعيدها تحت الجسور وفي الحدائق وعند المحطات. المرأة قصيدة خليل صويلح التي كلما هجرها عاد اليها، سواء اكانت فلاحة من الريف او صديقة تكتب الشعر وتموسق الالحان. الشعر والجيد والازاهير، مواعيد المساءات الدمشقية وتعانق الاصابع في ظلمة السينما. المرأة الخالدة يخاطبها بحزن دائماً: اية غيمة هطلت بك في صحرائي «انا الجمل بسنامين من الوحشة ألوك فتات الذكريات». وتلك حالات صغيرة يصنع الشاعر منها قصائد برقية، تلتمع بخفة امام الذهن لتزول بعد القراءة. وخليل يبحث عن صوته، في هذا الديوان، بحالاته تلك وجملته الشعرية المسبوكة بحرفية جيدة، غير انه يحتاج قليلاً الى انطلاقة حرة، عالية، غير وجلة ولا خائفة. وهو يحتاج ايضاً الى اتساع، خاصة اذا ما فتح قمقم روحه، المليء بتداعيات حسية عارمة، وخزين شعبي يمكن ان يخلق شعراً ذا بصمة متفردة. نعم كانت القصائد عموماً، برقية تذوب بعد القراءة مخلفة طعم كلمات ناعمة، واعشاب احاسيس رهيفة تبحث عن لوحة قماش، كي ترسم عليها صورة شعرية قلقة: نلمس ذلك في قصيدة جندي، وغصن مائل، وثأر، ومقهى. واخيراً قصيدة تشكيل، التي يبوح عبرها بسر الخلق الممنوح للانسان الضعيف، لانه قبس من النور صغير: رساموا الطبيعة الصامتة، عندما يرسمون زهرة، او تفاحة، او عنقود عنب، انما يتخيلون امرأة عارية!! دمشق ـ «بيان الكتب»