بيان الكتب: يعتبر امام الحرمين ابو المعالي الجويني أحد الائمة المجتهدين فهو ذو شخصية منهجية مستقلة حريصة على الابتكار والتجديد والاضافة العلمية وتأبى التقليد حيث حذر من خلو الزمان من العلماء ، كما حذر من عالم فاسق ومن زاهد اخرق واتى بفروض لا تجدها عند احد من العلماء كما لا تزال اسهاماته حية وفاعلة في مجال السياسة والاقتصاد والتنمية والبنية الاساسية والمالية العامة واعلان الحرب على الفساد المالي والاداري والاخلاق كما يعتبر كتابه «غياث الامم» قد سبق كتاب «ثروة الامم» لادم سميث «بسبعة قرون». وفي دراسة مستفيضة يقدم الدكتور رفيق يونس المصري بحثا عن الفكر الاقتصادي عند امام الحرمين الجويني مقسم الى ستة فصول يبدأ بمقدمة وينتهي بخاتمة حيث يتناول الفصل الاول شخصية الجويني الذي عاش في الفترة ما بين 419 ـ 478 هـ 1028 ـ 1085 م فيما يتناول الفصل الثاني منهجه والثالث افكاره الاقتصادية والرابع افكاره المالية والخامس الحاجات الاساسية اما الفصل السادس فيتحدث عن الفساد. وقد حرص الجويني على الابتكار والاضافة العلمية وتميز بالتفكير والتعبير لا سيما في كتابه الغياثي الذي تظهر فيه شخصيته بوضوح وخاصة في الفروض التي جاء بها كفرض خلو الزمان عن الامام وفرض خلو الزمان عن المجتهدين والمقلدين «نقلة المذاهب» وفرض خلو الزمان عن العلم بتفاصيل الشريعة وفرض خلو الزمان عن العلم في اصول الشريعة. فقد بحث الجويني في المشكلة الاجتهادية ورأى ان النصوص الشرعية محدودة وان الوقائع والنوازل والحوادث غير محدودة فالمشكلة الاقتصادية لا تختلف عن المشكلة الاجتهادية لا من حيث الصياغة ولا من حيث المضمون فالموارد محدودة والحاجات غير محدودة كما يقول الاقتصاديون وكذلك الأمر عند علماء اللغة فهم يطرحون مشكلتهم اللغوية بأن الالفاظ محدودة والمعاني غير محدودة. فالالفاظ والنصوص هي كالموارد النادرة والمعاني والوقائع والنوازل هي حاجات كثيرة ومتكاثرة ومتنوعة ومتغيرة ومتجددة وكل عالم اقتصاد او لغة او اصول او فقه انما يحتاج الى اجتهاد واستنباط لتكثير المعاني والموارد ولمواجهة الحاجات. وقد تعرض الجويني لمسألة العرض والطلب في كتابه «الارشاد» وهو من كتب علم الكلام ويبدو ان علماء المسلمين من سنة ومعتزلة قد بحثوا في هذه المسألة علم الكلام لانها متعلقة بالسعر والله سبحانه وتعالى هو المسعر فقد قال الجويني «السعر يتعلق بما لا اختيار للعبد فيه من عزة «ندرة» الوجود والرخاء وصرف الهمم والدواعي وتكثيف الرغبات وتقليلها». ولا ريب ان للاقتصاد علاقة وثيقة بالسياسة فما لم تنضبط قواعد اللعبة السياسية لن تنضبط اللعبة الاقتصادية ومما يأتي على رأس ذلك قاعدة اختيار الامام فهل يشترط فيه النسب «القرشي» ام الشوكة «القوة» ام الانتخاب كما في الديمقراطيات المعاصرة، كذلك الشورى بخلاف الاستبداد بالرأي لها اهمية سياسية واجتماعية واقتصادية فهي ترفع الكفاءة الاقتصادية والادارية وتجعل المسئولية مسئولية جماعية. ويرى د. رفيق يونس المصري في كتابه الجديد ان كتاب «غياث الامم» للجويني في القرن الحادي عشر الميلادي يشبه كتاب «ثروة الامم» لآدم سميث في القرن الثامن عشر الميلادي حيث يقول سميث: «اننا لا نتوقع الحصول على طعامنا بدافع حب الخير لدى اللحام «الجزار».. او الخباز وانما بمراعاتهم لمصلحتهم الشخصية، اننا لا نتوجه الى انسانيتهم بل الى حبهم لذاتهم ولا نتكلم معهم ابدا عن ضروراتنا بل عن منافعهم». وقد ذهب الجويني قبل سميث بسبعة قرون الى ان عقود المعاوضات احفز للناس من عقود التبرعات وضرب على ذلك مثلا بالاجارة والاعارة فرأى ان الاعارة لا تقع الا نادرا لضنة الناس بها ولو لم تكن الاجارة جائزة لتعطلت جميع المصالح المبنية عليها ففي الاجارة مصلحة شخصية دنيوية مادية تحرك اكثر الناس اما الاعارة فالمصلحة فيها دينية لا تحرك الا القليل من الناس وهنا يجتمع كل من الجويني وسميث على تحليل ما هو كائن لا على ما يجب ان يكون فالدوافع في المعاوضات دوافع مبنية على المصلحة الشخصية «الاثرة» في حين ان الدوافع في التبرعات دوافع مبنية على مصلحة الاخرين والدوافع الاخرى فهي دوافع استثنائية يمكن ان يبنى عليها العمل الخيري. هذا وقد تعرض الجويني ايضا الى مسألة الحوائج الاصلية «الحاجات الاساسية» ليس من المنظور الاجتماعي والانساني فحسب بل من المنظور الاقتصادي والتنموي ايضا لانه ربط تلبية الحاجات الاساسية بقوة البنية ورفع كفاءة الانسان وقدرته على الحركة والنشاط والتقلب ورأى ان القصور في تلبية هذه الحاجات لابد وان يؤدي الى انهاك القوى وانقطاع المحترفين عن حرفهم وصناعتهم وزراعاتهم ومعايشهم كما بين لأول مرة في الفقه ان ضابط الضرورة وضابط الحاجة لا يتحدد بناء على الاثر الحالي فقط بل ينظر اليه ايضا الى الاثار المستقبلية البعيدة فيجب ان تكون البنية البشرية قوية في الحال والاستقبال، كما عرض الى موضوع يكثر الحديث عنه في الآونة الاخيرة وهو موضوع الفساد وهو من الامور الحساسة التي كثيرا ما يدعيها البعض نظريا ويفضلونها عمليا. وفي النهاية يشير الباحث الى ثلاثة ملامح تميز شخصية الامام الجويني وهي الاستقلالية والاضافة والامانة وهذا ما تحتاج اليه البحوث الاسلامية المعاصرة. رأفت محمد