على أطراف مدينة بومباي الايطالية القديمة التي ردمها بركان مدمّر قبل 2000 عام اكتشف فريق من علماء جامعة نابولي أول فندق فخم يعثر عليه في المنطقة. جرت الحفريات في ضاحية تعرف باسم «مورسيني» أي «الجدران الصغيرة» على بعد 600 متر من بوابات بومباي. لقد كان الاكتشاف بمثابة مفاجئة كبيرة للعلماء، فالفندق الضخم وعلى نحو غير متوقع كان مجهزا بحمامات حرارية غاية في الاتقان وغرف طعام مزينة باللوحات الجصيّه ذات التصميمات التي تبهر الأبصار وتأسر الألباب. مدينة بومباي الايطالية، التي تقع على مصب نهر سارنو، كانت في الماضي ميناء يعج بالحركة والحياة. وخارج جدران الفندق البيضاء وسقفه المعلق، كانت ضفاف النهر تزدحم بالعمال المنهمكين بتحميل وتفريغ السفن. فمختلف أصناف الغلال الزراعية من فاكهة وحبوب وجوز وما إلى ذلك كانت تحمل في سلال خاصة لتنقل إلى الموانيء المجاورة. وكانت عنابر السفن تحمّل بالقوارير الثقيلة التي تحتوي على مختلف أنواع مواد البناء والشراب والطعام الروماني المترف «الجاروم» وهو عبارة عن صلصة سمك مصنوعة من الأحشاء المتعفنة. وكانت هناك حاويات أخرى مخصصة لحمل الصادرات الثمينة مثل المصابيح البرونزية المتقنة والتماثيل والأواني الزجاجية والأقمشة. واعتادت تلك السفن تقديم خدماتها للعديد من بلدان المتوسط حيث كانت تزور مرسيليا والاسكندرية وقرطاج وبرشلونة. ويقول علماء الآثار ان بومباي كانت تشهد تنوعا كبيرا في أصناف وأشكال أماكن المبيت والطعام، فقد كان هناك بيوت النزل البسيطة التي كانت تبنى عادة فوق الحانات والفنادق المتواضعة بالاضافة إلى الفنادق الفخمة المترفة التي كانت مقصورة على فئة محدودة جدا من الناس كما يبدو في مظاهر الأبهة والبهرجة الواضحة في فندق بومباي بتجهيزات ذات المواصفات العالية وموقعه المميز بالقرب من النهر ومراكز التجارة وسبل الراحة التي يوفرها لنزلائه بما في ذلك الحمامات الحرارية. انه المكان المناسب لاقامة رجال الأعمال المشتغلين بتبادل الصادرات والواردات، حيث يمكنهم الاهتمام بمشاغلهم التجارية والاسترخاء في احدى قاعات الطعام السبع المجهزة على نحو مذهل، وتقوم بمساعدتهم هناك إماء حسناوات ربما يمكننا أن نستشف جمالهن من جمال صور الآلهة على اللوحات الجصية التي تزين أركان فندق بومباي. وفي وقت تفجّر البركان العظيم لم يكن هناك أي نزلاء في الفندق كما يبدو من الآثار المكتشفة. ويعتقد الخبراء أن المكان كان يخضع لعمليات ترميم وتجديد لأن الهياكل العظمية الوحيدة التي عثر عليها هناك كانت لعمال بناء. ويظهر صندوق أقراص الشمع الذي عثر عليه في إحدى قاعات المآدب ان الفندق يعود لتاجر ثري يدعى سولبيشيوس من مدينة بوزولي المجاورة. كما أن ألواح الرخام التي عثر عليها في المطبخ كانت مدموغة بمقطع من اسمه هو «سول». ويعتقد سلفاتور نابو، عالم الآثار المسئول عن الحفريات في الموقع، ان اللوحات الجصّية الموجودة في الفندق تتمتع بمواصفات عالية استثنائية على نحو يتلاءم مع فخامة فندق من فئة الخمسة نجوم. ويقول نابور: «إنها بلا شك من أروع وأهم اللوحات الفنية التي وصلتنا في العصور القديمة، فغرف الفندق كانت تبّرد بنوافير ماء مجهزة برشاشات يمكن ضبطها. ولقد كان المنتج الأمثل لاسترخاء تجار الشحن الأثرياء. والفندق ليس سوى الموقع الأحدث في سلسلة من الاكتشافات المهمة التي شهدتها بومباي منذ بدء الحفريات هناك عام 1748، وتبلغ مساحة الموقع 66 هكتارا، 22 منها لم تحفر بعد. وقد سلطت الأضواء على هذه المنطقة بالذات في أواخر الخمسينيات من القرن المنصرم، عندما كان يخطط لإنشاء طريق سريع بين نابولي وساليرنو. وقد كشف مسح أجري في عام 1959 النقاب عن قمم جدران الفندق المزينة باللوحات الجصّية. لكن فيضانات الماء المتكررة على الموقع أعاقت العمل وعرضت اللوحات للخطر. ولانقاذها من الدمار، تم نزع ثماني لوحات صغيرة بما في ذلك لوحة لمخلوق مجنح يحلق على خلفية حمراء. وتم بعد ذلك إيقاف الحفريات واستكمال الطريق السريع. وبعض مضي أربعين عاما، احتاج الطريق إلى التوسيع وهو ما يعني التعدي أكثر على الخرائب الرومانية، لاسيما قاعات الطعام بالفندق. لكن هذه المرة اتخذ القرار بالكشف عن الموقع بأكمله، وتجريده من كنوزه وابقاء الجدران العارية فقط، مع تحميل منفذي مشروع الطريق السريع تكاليف الحفريات. والعام الماضي فصلت جميع اللوحات الجصّية بعناية ونزعت جميع المجسمات حتى الحنفيات البدائية المثبتة على النوافير. ويعتقد الخبراء أن تلك اللوحات التي عثر عليها في حالة جيدة إلى حد كبير والتي يعود تاريخا إلى العام 60 ميلادي، هي الأروع والأثمن من نوعها في العالم. وعن ذلك يقول جان ميشيل كرواسيل من جامعة كليمون برنارد الفرنسية: «إن أي دراسة مستقبلية على اللوحات الرومانية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار لوحات مورسيني الجصية». لكن ذلك الامتياز لن ينقذ الموقع للزوار، لأنه سيردم بالرمل ويغطى بالاسمنت عندما يتم توسيع الطريق. ولم تتضح حتى الآن المساحة التي سيتم إعادة ردمها في الفندق عند استكمال توسيع الطريق. لكن المؤكد أن بومباي التي لاتزال تضم مواقع عديدة لم يكشف عنها بعد وكنوزا كثيرة لم ينفض عنها التراب إلى الآن، ستظل أكثر الوجهات السياحية شعبية في ايطاليا، حيث يزورها في كل عام نحو مليوني سائح من شتى بقاع الأرض. وكما أشار الكاتب الألماني الشهير جوته عن زيارته للمدينة عام 1787 فإن «العالم شهد عبر التاريخ كوارث وفواجع عديدة، لكن أيا منها لم تتسبب بهذا لقدر من المتعة والتسلية للأجيال المقبلة كما حدث هنا». علي محمد