هذا المهندس المصري يفضل أن يقتل نفسه ولا يدع عائلته تعرف سره. فقبل ستة أشهر شخص الأطباء اصابته بمرض يعتبره غالبية الناس هنا صنوا للخطيئة والعار والموت ألا وهو مرض الإيدز. وقد رفض المهندس البالغ من العمر 38 سنة ذكر اسمه لئلا يتعرض للزجر والرفض من عائلته والمجتمع. وهذا التحيز الذي يخشاه هو جزء من المواقف والقناعات المنتشرة والتي تجرّد المؤسسات المعنية بمكافحة المرض من أكثر أسلحتها فعالية، أي القدرة على توعية الناس بأن الإيدز يمكن الوقاية منه. والمعروف أنه منذ اكتشاف الإيدز في العام 1983 كشف العديد من الأطفال وأبطال الرياضة والممثلين المشهورين في البلدان الأخرى أنهم ينقلون فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) الذي يسبب الإيدز، وعملوا مع آخرين من أجل زيادة التوعية بالمرض، وكان بينها بلدان محافظة جدا. ولكن في مصر وفي بلدان الشرق الأوسط أسلوب الصمت هو الأسلوب المتبع. وكثيرون يقولون ان التعاليم والتقاليد الاسلامية التي تمنع الجنس قبل الزواج وتحرم الزنا والشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات حمت البلدان الشرق أوسطية من الوباء الذي تفشى في بقية بلدان العالم. وهذه التقاليد نفسها تجعل الحديث علنا عن الجنس، ناهيك عن تعليم «الجنس السليم» من المحرمات، خاصة ان الإيدز يتفشى عن طريق العلاقة الجنسية غير السليمة وعمليات نقل الدم أو المشاركة في استعمال إبر حقن المخدرات. وقال المهندس انه لو كان يعرف كيف ينتقل الإيدز لكان احتاط في علاقاته الجنسية غير السوية. وأضاف: «كل ما كنت أعرفه عن المرض أنه يقتل المرضى في غضون يوم واحد أو يومين على الأكثر، وانه لم يصل إلى مصر وإن الأجانب وحدهم يصابون «بالمرض الذي يدمر جهاز المناعة وهو قاتل، رغم أن الأدوية تطيل أعمار المصابين قليلا». مثل هذا الجهل ليس غريبا على ناصر السيد، مدير البرنامج الوطني لمراقبة الإيدز في وزارة الصحة، فهو يقول إنه حتى بعض الأطباء يعتقدون أن الإيدز لا يمكن أن يضرب مصر التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة وهي أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان، والأكثر تقدما وانفتاحا في بعض النواحي. ويضيف السيد، الذي تأسس مكتبه في العام 1986، أي بعد سنة من تسجيل أول إصابة إيدز في مصر، إن البعض يرفض حتى الاستماع إلى أي معلومات عن المرض، ويقولون: «نحن أناس صالحون ومتدينون، وما هي علاقتنا بالإيدز؟ إنه مرض للآخرين». ومنذ ذلك الوقت يحاول السيد ومعاونوه نشر المعرفة بالمرض عن طريق الندوات والمحاضرات والمنشورات، وهو يشير إلى انه بالمقارنة مع الثمانينيات والتسعينيات أصبح الشعب المصري أكثر وعيا، ولكن الطريق لاتزال طويلة أمامه. وفي بلدان مثل جنوب افريقيا، حيث ينقل واحد من كل تسعة أشخاص فيروس المناعة البشرية يرجح أن كل فرد يعرف شخصا أو سمع عن شخص مصاب بالعدوى مما يجعل المعركة ضد الفيروس ذات أولوية قصوى. أما المصريون فهم يحسون أكثر بالحاجة إلى معالجة قضايا أخرى مثل التخطيط العائلي ومكافحة داء البلهارسيا والمشكلات الصحية الأخرى التي يواجهونها في حياتهم اليومية. وفي الحقيقة لا يعرف المصريون حجم مشكلة الإيدز. فثمة إصابات بالإيدز لا يبلغ عنها خوفا من العار والمسئولون يقولون انهم سجلوا 928 حالة عدوى بالفيروس فقط ولكنهم يؤمنون أن هذا أدنى من الرقم الحقيقي. فحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن الفيروس المتسببب بالمرض كان موجودا عند 8100 مصري في نهاية العام 1999. وفي العام 1996 أنشأت وزارة الصحة خطا ساخنا للإيدز يعمل فيه 12 من العاملين الاجتماعيين والأخصائيين النفسيين، وهم يتلقون ما معدله 1000 اتصال شهري على الخط الساخن من أناس من كل شرائح المجتمع يجمع بينهم الخوف من المرض. والتعريف بالخط الساخن يجري عن طريق الملصقات في القطار الأرضي والحافلات والنشرات التي توزعها وزارة الصحة في الندوات التي تعقدها. والسؤال الأكثر تكرارا هو سؤال عام حول كيفية تفشي الإيدز. ويعطي متصلون آخرون بالخط الساخن تفاصيل عن ممارستهم الجنسية الحميمة قبل أن يسألوا ما إذا كان أي عمل قاموا به يمكن أن يؤدي إلى اصابتهم بالمرض. ونحو 80% من المتصلين هم من الذكور. وتقول ميرفت الجندي طبيبة الأمراض النفسية التي تتلقى بعض الاتصالات على الخط الساخن: «نتكلم مع المرضى كبشر نجلس معهم ولا نخاف منهم، والخبراء في الميدان يساعدون على تقبل الناس للمرضى. ولكن رغم كل هذا الجهد فإن المواقف السلبية تستمر. يقول المهندس المصاب بالإيدز: «أنا مذنب. أنا جلبت هذا لنفسي. بالنسبة لأي مرض آخر في العالم يتعاطف الناس مع المصابين، أما بالنسبة للإيدز فالأمر مختلف. فالمجتمع يعاقب المرضى ويعتبرهم خطاة يستحقون ما أصابهم». ومثلما يفضل الكثيرون من المصريين أن يعتبروا الإيدز «مرض الأجانب»، فهم يرفضون أيضا «الإقرار بوجود الشذوذ الجنسي والبغاء في مصر وهذا الرفض يجعل من الصعب الوصول إلى المواطنين في خانة الأفراد الأكثر عرضة لخطر الإصابة، كما تقول سناء ناصيف التي تدير برنامج الإيدز في مصر عن منظمة كاريتاس الدولية للإغاثة. ويقول السيد ان الفتيات في مصر يتعلمن أن الكلام عن أي أمر له طابع جنسي عيب، وبالتالي فهن غافلات عن أبسط الأمور المتعلقة بالجنس ولا يستوعبن طبيعة المرض والوقاية منه. وتشير ناصيف إلى أنه حتى النساء اللاتي يعرفن أن أزواجهن على علاقة جنسية خارج المنزل لا يجرؤن على مفاتحة الزوج بضرورة إجراء فحوص الإيدز أو استعمال الواقي. أما المهندس الذي يعيش مع والدته وأشقائه وشقيقاته، فيقول ان العائلة تضغط عليه لكي يتزوج، ولكنه يرفض لأنه لا يريد أن ينقل العدوى إلى شخص آخر. ويضيف: «أصلي إلى الله لينهي حياتي في أقرب وقت ممكن قبل أن تظهر أعراض الإصابة. لقد بدأت أخسر وزني ولا أود التسبب بمشكلات لعائلتي.