تعتبر تجربة الفنان الفلسطيني زيناتي قدسية غنية بمفهومها الانساني والفني خاصة وانه يمتلك هماً ابداعياً يتمثل في قلقه الدائم على المسرح الذي عمل لأجله منذ خمسة وثلاثين عاماً كاتباً، وممثلاً ومخرجاً بالاضافة إلى تقديمه لعدد من الأدوار الدرامية المؤثرة في المجال التلفزيون ومشاركته في الفيلم التلفزيوني «بستان الموت» الذي قدم فيه شخصية تحمل الكثير من المعاني النضالية والانسانية. يقول الفنان زيناتي قدسية في دوره في «بستان الموت»: في هذا الفيلم قدمت شخصية رجل فلسطيني يدعى أبو محمد تيسير الرحال وهو اب لشهيدين. قليل الكلام يميل إلى الصمت المثقل بالمحمول الدرامي. راسخ القناعة بعدالة قضيته وحتمية انتصار شعبه فهو متماسك حتى في أدق اللحظات حساسية. قد يغضب لكنه غضب الواثق والحاسم في قراره وقد يحزن إلى حد البكاء. ـ وكيف تعاملت مع هذه الشخصية الحساسة؟ ـ لا انكر انني كنت ممتلئاً بالقلق وبشعور ثقيل بالمسئولية فما تزال هذه المشاعر تلمؤني حتى هذه اللحظة خاصة وانني انتمي لهذا الشعب الصامد وراء الاسلاك وفي النهاية اعتبر نفسي مواطناً عربياً لا يمكنني ان اقدم هذه الشخصية بحيادية. ـ برأيك إلى أي مدى يمكن ان تساهم الاعمال الدرامية في خدمة قضايا مصيرية وحساسة؟ ـ لا احد ينكر دور الفن في ايصال رسائل معينة إلى الجمهور اعتقد ان فيلم «بستان الموت» الذي عرض على أغلب المحطات الفضائية العربية قد ادى رسالته الفنية والانسانية خاصة وانه يطرح مسألة مهمة في قضية الصراع العربي ـ الصهيوني. وهي ان الصهاينة لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يعيشوا بسلام مع العرب.. هذه حقيقة والاحداث الأخيرة تؤكد ذلك.. ومقتل العشرات وجرح المئات منذ اندلاع الانتفاضة يؤكد هذا الكلام.. انا لا اقول هذا الكلام من منطلق عاطفي بحت لكن انظر إلى ما يحدث في الواقع ترى حقيقة ما اقول لذلك اعتقد ان فيلم «بستان الموت» قد نجح بشكل كبير في تعرية الكثير من الجوانب المظلمة في هذا الصراع. ـ البعض انتقد اداءك الهاديء والرزين في حين ان البعض الآخر اشاد به فما السبب في هذا التناقض؟ ـ هذا أمر طبيعي لاشك فيه وهذا معناه أيضاً ان شخصية ابو محمد تركت انطباعاً معيناً لدى الجمهور سواء كان هذا الانطباع ايجابياً ام سلبياً المهم انه حرض الكثيرين على ابداء رأيهم بصراحة بكافة جوانب الشخصية وهذا امر مفرح للغاية بالنسبة لأي ممثل. ـ ولهذا السبب نراك مقلاً في اعمالك الدرامية في التلفزيون والسينما بخلاف المسرح؟ ـ ليست قاعدة فأغلب اعمالي الدرامية جيدة بنسبة كبيرة على المستويين الفني والفكري والأدوار التي اديتها كانت مقنعة أيضاً بنسب متفاوتة فكل شخصية أثارت اهتمامي من عدة زوايا وحفزتني على تقديمها. اما عن سؤالك عن قلة اعمالي السينمائية والتلفزيونية فهذا يعود إلى انني لا استطيع ان افرض شروطي على أحد ولكنني امتلك بالمقابل الحق في الاعتذار عن العمل الذي لا اراه مناسباً لي. ـ وهل الأمر كذلك في المسرح؟ ـ بالمسرح الأمر مختلف خاصة وانني اعمل في المسرح القومي وانا اعتز بانتمائي لهذه المؤسسة التي حملت على عاتقها مهمة ترسيخ ظاهرة المسرح بوصفه احد المظاهر الاساسية في ثقافة وحضارة الشعوب فما تزال هذه المؤسسة تعمل ومنذ ما يقارب الأربعين عاماً بكل الامكانات المتاحة وبجهود الكتاب والمخرجين والممثلين والفنيين في سورية للنهوض والاستمرار بأعباء هذه المهمة النبيلة وصحيح انني امارس العمل المسرحي منذ مدة طويلة لكنني سعيد بذلك وامتلك قدراً من التفاؤل بمستقبل المسرح العربي. ـ على الرغم من انك قلت في اكثر من مناسبة انه لا يوجد مسرح عربي أصيل؟ ـ ومازلت مصراً على ما قلته خاصة وان لدي العديد من الأسباب التي ذكرتها في أكثر من مناسبة... اولها لماذا لم نحقق مسرحاً عربياً بالمعنى الدقيق للكلمة ومثلما نتحدث عن المسرح الفرنسي او المسرح الانجليزي او الياباني وما جدوى البحث في تراثنا عما يسمونه بالظواهر المسرحية في المجتمع العربي وإلى اين سيفضي هذا البحث المحموم. وهنا أرى ضرورة ان نقوم بمراجعة شاملة جريئة وناقدة اذا لزم الأمر بعد خمسين عاماً مثلاً على تجربة المسرح في العالم العربي ولماذا لم نقم بهذه المراجعة بعد قرن او بعد قرن ونصف كما يحدث عادة في كل التجارب الانسانية في مجال الفكر والسياسة والاجتماع وغيرها... ـ وما السبب في رأيك؟ ـ لا استطيع الاجابة عن هذا السؤال لأنني حقيقة لا امتلك الأجوبة على هذه الاسئلة التي طرحتها والتي تقلقني بشكل جدي على مستقبل المسرح في وطننا العربي خاصة واننا لا نمتلك خصوصية مسرحية عربية حتى هذه اللحظة. ـ لكننا امتلكنا هذه الخصوصية في الدراما السينمائية والتلفزيونية؟ ـ ربما تكون الاجابة بنعم مئة بالمئة مغلوطة بعض الشيء خاصة وان الكثير من التجارب الدرامية العربية تحاكي بشكل او بآخر التجارب الدرامية العالمية وهذا أمر واضح للجميع ولا يمكن لأحد ان ينكره لكن ما حدث في التلفزيون ان كثرة الأعمال فرضت نوعاً من التجديد والابتعاد عن المكرر والتقليدي. في حين ان المسرح بقي اسير النصوص القديمة أو النصوص المسرحية التي يدعي أصحابها أنها قريبة من الواقع لكنها في الحقيقة لا تمت بصلة لهذا الواقع. ـ وإلى متى ستستمر هذه الحالة برأيك؟ ـ لن أكون متشائماً إلى درجة كبيرة.. لذلك أتمنى ألا تطول غربة المسرح عن الجمهور وان يعود هذا الفن الجميل إلى سابق عهده لأن المسرح وكما يقال «أبو الفنون الدرامية». دمشق ـ ميساء العلي زيناتي قدسية في شخصية «سيف الدولة الحمداني» بأحد أعماله في مسرحية «الطيراوي» التي عرضت في أيام الشارقة المسرحية ـ الدورة الثامنة