بيان الكتب: في تجربة تحسب للباحثين الدكتور جمعة قاجة وبشار إبراهيم، قدما بحثا على هيئة كتاب بعنوان (عبدالناصر والسينما) ويبحث بشكل أساسي في اشكالية الرؤيا بين سينما السيرة وسينما المعتقل الخاصة بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر، حيث يرصدون السينما المصرية والتي يمتد عمرها الآن ليصل نحو المئة عام، من خلال تلك الأفلام التي عبرت عن الثورة المصرية عام 1952 وما تبعها من فكر المد القومي العربي وانهيار الملكية وما كان يصاحبها من فساد، ثم وفاة الرئيس جمال عبدالناصر وتولي أنور السادات الحكم وما أحدثه من انقلاب خطير على أساس المباديء السياسية العربية التي أطلقها جمال عبدالناصر وذلك بعد فترة قصيرة من وفاته لم تتجاوز السبعة أشهر من خلال ما أسماه بثورة التصحيح في 15/5/1971 وما تبعها مما سمي بالحل السلمي أو الاستسلامي وفق المنطق القومي العربي وتوارث كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي وغيرها. ويناقش أو يستعرض الباحثان سينما عبدالناصر من جانبين الأول هو سينما السيرة بمراحلها المختلفة سواء قبل الثورة أو أثناءها أو ما بعدها والتي يؤرخها الباحثان برحيل الزعيم جمال عبدالناصر، والثاني سينما المعتقل ورصد أبرز ملامحها المعنية بمرحلة عبدالناصر مع عدم اغفال انتماء بعضها لمراحل قبل الناصرية أثناء مقاومة الشعب المصري لفساد الملك والاستعمار الانجليزي، ثم مرحلة ما بعد عبدالناصر وهي المرحلة الساداتية بما تضمنته من خيارات سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية اقتضت الصراع ضدها. وتحت عنوان (ناصر والسينما المصرية بعد الثورة) يؤكد الباحثان أن السينما المصرية عقب قيام ثورة يوليو كانت قد قطعت شوطا طويلا ولها تراث ابداعي، كما كانت هناك شركة مصر للتمثيل والسينما التي تأسست على يد الاقتصادي المصري طلعت حرب عام 1925، واثر الثورة ادركت السينما مدى التغيرات في المجتمع المصري بعد رحيل الملك وانتهاء الباشوية والأحزاب السياسية وبداية التغيرات الاجتماعية العميقة في قلب المجتمع المصري والعربي، فعمدت في أحد اتجاهاتها إلى الأفلام التي تمجد الضباط الأحرار مثل (رد قلبي) لعز الدين ذو الفقار، بعد ذلك أوغلت في الواقعية والأفلام النقدية مثل أفلام (صراع في الوادي) ليوسف شاهين و(جعلوني مجرما) لعاطف سالم و(حياة أو موت) لكمال الشيخ و(درب المهابيل) لتوفيق صالح و(الفتوة) لصلاح أبو سيف وغيرها. وبذلك يكون الفيلم المصري دخل مع الثورة مرحلة جديدة امتزج فيها التطور بالعمق وإن كان بعضا من تيار السينما الهابطة قد استرد أنفاسه وأنتج أفلامه القطاعين الخاص والعام على حد سواء ويرى الناقد علي أبو شادي أن السينما المصرية مرت بعد الثورة بثلاث مراحل من 1952 ـ 1970 وهي مرحلة الارشاد والتوجيه ثم مرحلة الدعم ثم مرحلة القطاع العام والتي تمثلت في المؤسسة المصرية العامة للسينما.. وجاء بعد ذلك انشاء المعاهد الفنية بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر نفسه الذي رأى في هذه المعاهد اللبنة الأساسية لمستقبل الثقافة وثقافة المستقبل وأسندت وزارة الثقافة لاثنين من أكبر المثقفين في مصر هما فتحي رضوان وثروت عكاشة. يبدأ الباحثان بعد ذلك في (سينما السيرة) ويقصد بها الأفلام التي تسرد السيرة الذاتية لشخصيات مؤثرة في المجتمع سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الفني أو الأدبي أو الرياضي.. الخ. وقد دخلت السينما المصرية هذا المجال فترة مبكرة من ظهورها حتى لأنها ظهرت كإحدى اتجاهات السينما العربية، فنجد آسيا داغر تنتج فيلم (شجرة الدر) وتلعب بطولته ويولع المخرج إبراهيم لاما وشقيقه بدر لاما بأفلام السيرة المرتكزة على الموروث التاريخي والشعبي، حيث قدم فيلم (قيس وليلى) 1939 و(صلاح الدين الأيوبي) 1941 و(كليوباترا) 1943.. وكذلك نيازي مصطفى الذي قدم (عنتر وعبلة) 1945 و(ليلى العامرية) 1948 وأخرج فؤاد الجزايرلي (شهر زاد) 1946.. وغير ذلك العديد من الأفلام التي تعتمد على السير الذاتية حتى وإن استندت إلى الموروث الشعبي والسير الشعبية والشخصيات غير الحقيقية ولكن لها وجود في الوجدان الشعبي العربي. كل ما سبق كان قبل قيام ثورة يوليو 1952 وقد أعاد الباحثان الأفلام التي عرضت في العامين 1952 و1953 إلى ما قبل الثورة حيث بالضرورة سبق الإعداد لها وانتاجها قبل قيام الثورة.. لكن بعد ذلك شهدت السينما المصرية عددا كبيرا من أفلام السيرة مثل فيلم (جميلة) ليوسف شاهين عام 1958 الذي قدم فيه أيضا حسين صدقي فيلمه (خالد بن الوليد) وعام 1959 يقدم هنري بركات فيلم (حسن ونعيمة) من الموروث الحكائي الشعبي ثم 1960 يقدم المخرج سيد زيادة فيلمه الشهير (عمالقة البحار) الذي يكرس فيه لتلاحم النضال القومي العربي، ثم فيلم (قيس وليلى) لأحمد ضياء الدين وفي عام 1962 يقدم حلمي رفله (ألمظ وعبدو الحامولي) وينجز عباس كامل فيلمه (شهيدة الحب الإلهي) عن رابعة العدوية.. ويعد نيازي مصطفى من أشهر المخرجين المهتمين بالجوانب السيرية في الأفلام، حيث قدم سلسلة من الأفلام بدأها عام 1963 بفيلم (أميرة الحب) ثم (فارس بني حمدان) ثم (عنتر يغزو الصحراء)... الخ. وبذلك يؤكد الباحثان أن سينما السيرة في ظل الثورة واحدة من أهم أشكال التعبير الإبداعي عن المناخ الشعبي والشروط التاريخية والتحديات الصعبة التي كانت تواجه الثورة والبلد والأمة ككل. بعد ذلك يدخل المؤلفان جمعة قاجة وبشار إبراهيم إلى منطقة سينما السيرة بعد مرحلة عبدالناصر ويؤرخان لها تحديدا برحيل الزعيم عبدالناصر وما أسماه السادات بثورة التصحيح عام 1971 والذي هدف إلى الثناء على تراث الناصرية ورموزها وحضورها في السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والمجتمع.. ويثبتان أن سينما السيرة بعد عبدالناصر منذ عام 1972 وحتى الآن لم تبد ذات اتجاه محدد وخطة سينمائية هادفة، بل ظهرت كحالات فردية ورغبات خاصة من المخرجين أو أحد الفنانين، كما أنها لجأت أحيانا إلى شخصيات نسائية مصرية كنوع من أنواع الجذب للمشاهد أو شخصيات الراقصات الشهيرات مثل فيلم (بمبة كشر) و(بديعة مصابني) و(سلطانة الطرب) لحسن الإمام و(شفيقة ومتولي) لعلي بدرخان 1978. ناصر في سينما السيرة، هي النقطة التي انتقل إليها الباحثان في كتابهما بعد ذلك حيث قدما لكل الأفلام التي تناولت شخصية عبدالناصر من بعيد أو من قريب سواء في السينما المصرية أو السينما العربية بشكل عام سواء ما انتمى منها إلى سينما السيرة أو سينما المعتقل أو أفلام مراكز القوى.. إلخ، ثم يعرضان بعد ذلك بشكل مفصل وربما نقدي وتحليلي لفيلمي (ناصر 56) للمخرج محمد فاضل والذي تم انتاجه عام 1997 ثم فيلم (ناصر) للمخرج أنور قوادري. سينما المعتقل أو أفلام مراكز القوى أو سينما الثورة المضادة هي التسميات التي أطلقها الباحثان على مجموعة أفلام تتشابه في الأسلوب والحيثيات وطريقة البناء وتتبع التركيبة نفسها أو النموذج الأساسي وتشتمل على المكونات الأساسية نفسها في المناظر والشخصيات والحبكة والوسائل السينمائية، فسينما المعتقل هي التي تأخذ من المعتقل السياسي أو الأمني محورا لموضوعها، كما تنتقل هذه الأفلام من علاقة الفرد بالسلطة والعكس حيث يقف الفرد في موقع الضحية والآخر في موقع الجلاد وبالتالي سينعكس ذلك على أساليب الصياغات الفنية وأبعادها.. والجلاد هنا أيضا هو النظام السياسي بمختلف أجهزته ومفرداته التي تخرج على منطق القانون، ومن هنا يثبت الباحثان أن سينما المعتقل لها صورة موازية لها وهي أفلام مراكز القوى حيث يبرز الربط الجدلي بين الناس في المعتقلات وسطوة مراكز القوى التي تجسدت في الواقع المصري عقب الثورة ومرحلة عبدالناصر معبرا عنها من خلال سطوة المشير عبدالحكيم عامر ورجاله في الجيش والمخابرات العسكرية والأجهزة الأمنية السرية الخاصة التي بناها. ومن أهم الأفلام التي عبرت عن هذه المرحلة فيلم (الكرنك) لعلي بدرخان و(وراء الشمس) و(التحويلة) وهي أفلام حاولت فضح مراكز القوى وخروجها على منطق القانون والدستور وكشفت عن بشاعتها ولا انسانيتها، كما حرصت الأفلام ألا تضع جميع رموز مرحلة الناصرية في سلة واحدة وإن كان هذا النوع من الأفلام مارس النقد الجاد لمرحلة عبدالناصر والثورة وقال: الحقيقة مهما كانت جارحة منطلقا من خندق الثورة لا من الخندق المضاد، لكن ظهرت أفلام أيضا في عهد السادات لنسف حقبة كاملة بانجازاتها بشكل غير منطقي وبدأت هذه الموجة على يد يوسف السباعي بعد وفاة عبدالناصر مباشرة حيث كان وزير الثقافة المفضل للسادات ومن ثم قاد حملة مضادة لكل ما هو ثقافي وتعرضت العديد من الأفلام للتشويه والمنع مثل (العصفور) ليوسف شاهين ومنع أكثر من مئة مبدع وصحفي وكاتب من العمل وشن حملة عنيفة على جماعة السينما الجديدة ومنع المهرجان القومي للأفلام الروائية الطويلة.. وقد توازت هذه الممارسات بطبيعة الحال مع ظهور موجة من الأفلام التي تخدم ذات التوجه مثل (امرأة من زجاج) لنادر جلال 1977 و(طائر الليل الحزين) ليحيى العلمي و(أسياد وعبيد) لعلي رضا و(القطط السمان) لحسن يوسف و(احنا بتوع الاتوبيس) لحسين كمال و(وراء الشمس) لمحمد راضي.. إلخ. ويمكن التأريخ لهذا التيار السينمائي المضاد لكل ما هو ناصري بـ 15 مايو 1971 حيث تم تصفية رسمية للناصرية تحت شعار ثورة التصحيح الساداتية.. بعد ذلك يفصل الباحثان لبعض الأفلام التي مثلت قمة التجني على عبدالناصر وحقبته من خلال نقد الفيلم من حيث عناصره وفنياته وقصته بما يناقض الواقع الفعلي لعصر عبدالناصر، فيبدأ بفيلم (وراء الشمس) للمخرج محمد راضي والذي اخرج عام 1979، ثم فيلم (احنا بتوع الاتوبيس) لحسين كمال 1979. بعد ذلك يقدم الباحثان سيرة ذاتية عاجلة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر منذ مولده عام 1918 ثم المناخ السياسي الذي تربى فيه ثم علاقته بمحمد نجيب والثورة وعلاقتها بالمنطقة العربية ككل، ثم فكرة الوحدة العربية والتي بدأها بالوحدة مع سوريا، ثم الانفصال.. كما يستعرضان لعلاقته مع القوى العظمى وأزمة اليمن ثم نكسة العرب الكبرى.. وكذلك يوردان سردا سريعا لعلاقة عبدالناصر بعبد الحكيم عامر وناصر بعد النكسة 1967 ثم محاولته إزالة آثار العدوان ثم مرضه فوفاته. وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يسوق الكاتبان دلالات وشهادات من المقربين للرئيس جمال عبدالناصر يدللان بها على عدم ديكتاتوريته وتعسفه في مسألة المعتقلات السياسية وما تردد حول التعذيبات اللاإنسانية التي تمت آنذاك، مما تنتج عنه أفلام المعتقل أو مراكز القوى التي حاولت التجني وتشويه صورة جمال عبدالنصر الرجل والإنسان الذي يبقى امثولة عطاء لا ينضب وملهماً ولا تغيب صورته مهما جرت محاولات تغييبه أو تشويهه وإلباسه الأثواب المغرضة. أمنية طلعت