بيان الكتب: كان ومازال للكتاب دور حيوي في حياة مرسي سعد الدين.. تلميذا وطالبا بالجامعة.. سار مع مسيرته سكرتيرا للمعهد المصري في لندن 1945- 1956 ثم كأحد المسئولين بالمجلس الأعلي للآداب والفنون، ومنظمة التضامن الأفريقي الآسيوي وعضوا بنادي القلم الدولي، حتى اليوم كاتبا كل أسبوع (بالأهرام اليومي) وبالإنجليزية (الأهرام ويكلي) يعرض للكتب الجديدة والقضايا الثقافية. وعن البداية مع الكتاب يقول: لقد ولدت في بيت كله كتب كان والدي أستاذا بالجامعة- للفيزياء ونشأت فوجدت كتبا كثيرة بالإنجليزية بالذات لأن التعليم في (مدرسة المعلمين العليا كان بالإنجليزية وكان والدي يشجعنى على القراءة منذ صغري في مرحلة الإبتدائي كان يحضر لي مجلات للأطفال من لندن وفي المرحلة الجامعية كان الأستاذ في المحاضرة يرشدنا للمراجع فلم يكن التعليم وقتئذ حشوا مثل أيامنا هذه وكنت أجد عددا كبيرا من هذه المراجع في الأدب الإنجليزي في البيت رغم أن والدي كان أستاذ علوم في قسم اللغة الإنجليزية بآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) لم نكن نزيد على العشرين طالبا وطالبة في الفصل، كل خمسة منهم لهم مشرف.. وكان المشرف على مجموعتي الدكتور لويس عوض..وكان أساتذتنا من الإنجليز من بينهم كتاب وشعراء معروفون مثل سبنسر وهولوادي. تربينا إذن على يد محبين للقراءة وقد تطورت علاقتي بالدكتور لويس عوض أستاذي حينما كبرت إلى صداقة. في مرحلة الدراسة الجامعية ارتبطت قراءاتي بالدراسة، وهذه الدراسة كانت واسعة مثلا كان في المقرر دراسة الأدب الروسي بجانب الأدب الإنجليزي قرأنا تشيكوف ودستويفسكي كما قرأنا ألسن النرويجى وغيرهم. ـ لا شك أن فترة عملك في لندن قد أثرت ثقافتك ووسعت قراءاتك؟. ـ عندما تخرجت من الجامعة جاءتني منحة من المجلس البريطاني لدراسة الصحافة في إنجلترا، وكنت مسئولا عن مجلة بالإنجليزية كنا نصدرها بالجامعة.. ولكن المنحة لم تتم بسبب الحرب 1944 ثم في عام 1945 شجعني الأستاذ أحمد نجيب هاشم على أن أكون سكرتيرا بالمعهد المصري بلندن حينما عين هو مديرا له بعد أيام كنت في باخرة حاملة جنود في طريقي لإنجلترا حيث مكثت اثنتي عشرة سنة.. وأصارحك أنني عرفت مصر أكثر وأنا في إنجلترا فقرأت أكبر عدد من الكتب عن مصر في مختلف عصورها قرأت كتب جاردنر وبيرتي عن مصر القديمة وكانت مكتبة المعهد المصري بلندن تضم عددا ضخما من الكتب من بينها كتب نادرة، كان الدكتور سليمان حزين أول مدير للمعهد قد زودها بها، قرأت معظمها واثناء إقامتي بلندن ترجمت قصصا عربية للإنجليزية واصدرت ديوان شعر، وانضممت إلى نادي القلم الإنجليزي حيث تعرفت على كتاب إنجليز أهدوني كتباً قرأت عن الموسيقى وعن السينما، كانت فترة لندن هذه فترة تثقيف عن طريق قراءة الكتب وعن طريقة حضوري المسرح والندوات. أذكر أنه في عام 1946 جاء إلى لندن إحسان عبد القدوس مع محادثات صدقي بيفين، وطلب مني إحسان أن أكتب لروز اليوسف، فبدأت أنشر ملخصات للكتب وأزعم أنني أول من نشر ملخصات للكتب في الصحافة المصرية. ـ عدت إلى القاهرة.. لتعمل في الرقابة على المطبوعات الإنجليزية صحفا وكتبا.. فما أثر هذا العمل ؟ ـ أحكي لك حكاية طريفة بعد عودتي من لندن عينت استاذا بكلية المعلمين وفي ذات أمسية أثناء الإظلام بسبب العدوان الثلاثي 1956 دق علي البيت عسكري طلب مني اصطحابه إلى مكتب الحاكم العسكري مما اثار مخاوفي.. وفي ذلك المكتب طلبوا مني أن أشرف على برقيات المراسلين الأجانب وعلى الرقابة علي الكتب والصحف الإنجليزية التي تدخل مصر.. كنت أقرأ في اليوم الواحد كتابين أو ثلاثة قادمة من إنجلترا وأمريكا مما أعطاني فرصة أن أتابع الإصدارات الجديدة مما جعل القراءة عندي هنا وظيفة أكثر منها متعة. ولكني حاولت أن أجعل الوظيفة متعة.. توسع أفق قراءاتي إلى السياسة وإلى الاقتصاد بعد أن كانت قاصرة على الأدب والفن في إنجلترا مما وسع مداركي. ـ هل كانت فرصة للتعرف على الأدب الافريقي الآسيوي؟. ـ كان يوسف السباعي أمين عام المنظمة وكنت أنا نائبه وبدأت حركة كتاب آسيا وأفريقيا وعقد أول مؤتمر في طشقند..ومنذ بداية الحركة عام 1958 حتى اليوم اهتممت بقراءة الأدب الأفريقي الآسيوي. وكان هذا أمرا جديدا على.. وأصدرنا مجلة (لوتس) باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية. قرأت لأدباء افارقة وآسيويين من غانا والسنغال ومن الهند والصين.. الخ.. قابلتهم شخصيا وترجمت لبعض منهم.. وخاصة الكاتب الهندي ملك راج أناند.. نوعية أخرى من القراءة.. وكانت أول مسرحية لمسرح الطفل هي (الأمير الطائر) لهذا الكاتب الهندي وقد قام نور الشريف بدور الأمير الطائر عام 1967. ـ بعد هذا الاهتمام بالأدب الافريقي- الآسيوي في الحقبة الناصرية وفترة الكفاح ضد الاستعمار.. ينحسر اليوم مع أهميته؟ ـ تميز الأدب الافريقي بحيوية في حين يتميز الأدب الأسيوي عامة بالحكمة ولهذا كنت أقول أن ارتباط الحيوية الافريقية والحكمة الآسيوية يفرزان نوعا جديدا من الأدب.. نحن نحتاج لحكمة الصين واليابان والهند.. نحتاج إليها في أفريقيا حيث كان العنف والنضال المسلح. ولهذا فإنني أتساءل بعد استقلال افريقيا ما هو نوع الأدب القائم اليوم ناقشت هذا مع كاتبة جنوب افريقيا الفائزة بجائزة نوبل توني موريسون فقالت لي: ان هناك أدبا جديدا نشأ اليوم. مثلا عن علاقة شاب أبيض مع فتاه سوداء.. مشاكل الاختلاط.. نوعية جديدة في مجتمع جديد يحتاج لمعالجة جديدة في المقابل كان الأدب الآسيوي مختلفا. أرى أن منظمة التضامن الافريقي الآسيوي كان لها دور ريادي في تعريف العالم بأدب آسيا وافريقيا.. ولم يكن من السهل الاتصال مع الدول الافريقية قبل 1962 وقبل الاستقلال.. كانت وسيلة الاتصال عن طريق العواصم الأوروبية.. وبعد الاستقلال لم تترجم للعربية إلا نماذج قليلة من الآداب الأفريقية مثل بعض مسرحيات الكاتب النيجيري يول سونيكا واتشيبي وفي ألمانيا الديمقراطية السابقة كانت تصدر سلسلة (سيفين سيز) (البحار السبعة) مخصصة للأدب الأفريقي والآسيوي. وكذلك الحال في الاتحاد السوفييتي السابق..وهذا ما يجب أن نعترف به لتلك الدول الشيوعية أو الاشتراكية سابقا.. وحاليا في لندن تصدر دار نشر هاينمان سلسلة للأدب الافريقي. وإذا راجعت مجلة (لوتس) ستجد عددا كبيرا من الأعمال الأدبية الافريقية الآسيوية مترجما إلى العربية أرى أن هناك تقصيرا شديدا جدا في ترجمة الآداب الافريقية الآسيوية.. في مشروع الألف كتاب الأول برعاية الدكتور طه حسين نشر كتابان للكاتب النيجيري أتشيبي.. ولهذا فإنني قد اتصلت بمندوب دار نشر هاينمان الإنجليزية بالقاهرة لاختيار إصدارات الدار في الأدب الافريقي وترشيحها للترجمة في مشروع الترجمة الحالي للمجلس الأعلى للثقافة أليس عجيبا ألا تجد كتابا واحدا للأديب الشاعر الهندي ملك راج أناند في في المكتبة العربية ؟.. وقد سبق أن ترجمت للعربية بعض كتابات الأديب الصيني لوسون وهو من مرحلة ما قبل الشيوعية في مجلة (لوتس) ولكنها لم تصدر في كتاب.. وفي زيارة لي لجامعة بنسلفانيا في أمريكا وجدت أن هناك قسما خاصا للدراسات الافريقية.. وكانت رئيسة القسم سعيدة للغاية حينما أهديتها بعض أعداد مجلة (لوتس). وأرى أن مكتبة الاسكندرية الجديدة يجب أن ينشأ فيها قسم للدراسات الافريقية الأسيوية وتزود بكل ما صدر من أعداد مجلة (لوتس) كنواة.. هذه فكرة تراءت لي الآن في حديثي معك. وهناك أعداد كثيرة منها مهملة في مخازن دار اتحاد الأدباء المهملة بدورها للأسف كان التركيز سابقا على البعد السياسي.. أما اليوم فالتركيز على الثقافة، وتقوم اليونيسكو بدور كبير في الدعوة للحفاظ على الثقافة القديمة والهوية والوظيفة أمام العولمة.. في فرنسا كانت تصدر مجلة (لابريزنس أفريكين) (الوجود الافريقي) برعاية الشاعر الافريقي الرئيس سنجور.. وأذكر الآن أن أول كتاب لنجيب محفوظ نشر بالإنجليزية كان رواية (زقاق المدق) في دار نشر هاينمان بالسلسلة الافريقية التي أشرت إليها.. وقد اقترحت أن تقوم هذه الدار بنشر سلسلة عربية.. ونشرت ثلاثة كتب ثم للأسف توقفت بسبب تقاعس الدول العربية. ـ مرحلة توليك مسئولية هيئة الاستعلامات هل كان الاهتمام قاصرا على نشر الكتب السياسية ؟ ـ نشرت دراسات سياسية واقتصادية وفي عهدي نشرت سلسلة للأطفال بعنوان (مصر أمنا) بإشراف أحمد نجيب مازالت تصدر حتى اليوم لكن قراءاتي اثناء تولي هيئة الاستعلامات اختلفت وامتدت إلى الدراسات الإسرائيلية كما دخلت قراءاتي إلى الإطار الأمريكي. ـ ماذا يشغلك اليوم فى قراءاتك.. وأنت كثيرا ماتكتب عن اصدارات جديدة؟. ـ اختار اليوم غالبا الكتاب الذى سأكتب عنه.. أى لا يجب أن تقتصر الفائدة علي بل اشرك الآخرين معى.. ومن هنا اختار الكتب التى يمكن أن يتقبلها القارئ بسهولة.. مثلا عرضت مؤخرا لكتاب عن مذكرات مانديلا. يختتم مرسى سعد الدين حديثه معنا قائلا يجب ان نشجع الطفل على القراءة بكل الوسائل.. أى نوع من القراءة.. جيلنا بدأ بقراءة روايات (اللص) ارسين لوبين.. القراءة بالنسبة لى عملية مستمرة مثل الأكل والشرب.. حركة طبيعية بشرية مثل التنفس