بيان الكتب: جان دالاي هي محررة أدبية في صحيفة «الفاينانشيال تايمز»، هذا هو كتابها الأول. «ديانا موسلي» التي تكرس مؤلفة هذا الكتاب عملها لكتابة سيرة حياتها هي أحد رموز «الفاشية الانجليزية» حيث كانت هي وزوجها «أوزرالد موسلي» من المقربين جدا من «الفوهرر» الألماني أدولف هتلر. بل وقد كانت أختها «اوينتي» احدى النساء القلائل اللواتي عشن تجربة «حميمة» مع مؤسس النازية الذي كان وراء اشتعال الحرب الكونية الثانية. ان أسئلة كثيرة تثيرها مؤلفة هذا الكتاب منذ البداية وتتعلق بمحاولة فهم الأسباب التي دعت امرأة من الشريحة الأكثر غنى في انجلترا كي تعلن انتماءها إلى الفكر النازي؟ بل وتندفع في اعلان مناهضتها للسامية، بمعنى معاداة اليهود بشكل محدد ودقيق. وبكل الأحوال كانت ديانا موسلي تشترك مع عدد من المثقفين البريطانيين في الثلاثينيات من القرن الماضي. كانوا قد رأوا في الثقافة الجرمانية ثقافة أكثر رقيا من الثقافات الأوروبية الأخرى. تنتمي «ديانا موسلي» إلى عائلة انجليزية عريقة، بل وإلى أحد أكبر الأسر الصناعية الأوروبية التي شهدها القرن العشرين، كما تحدد مؤلفة هذا الكتاب القول، أحد اخواتها «نانسي ميتفورد»، هي أحد أشهر الروائيات الانجليزيات واختها اونيتي كانت احدى عشيقات هتلر، كما أشرنا، أما اختها الأخرى «جيسيكا» فقد شاركت في الحرب الأهلية الاسبانية إلى جانب الشيوعيين. وديانا موسلي من مواليد عام 1910، أمضت طفولتها في اوكسفورد مع اسرتها ذات الأفراد العديدين. عاشت ديانا ميتفورد، وهذا هو اسمها قبل أن تكتسب اسم «موسلي» عبر الزواج مع اخواتها الاخريات بنات الدوق «رودسدال»، في لندن خلال منتصف سنوات العشرينيات في أجواء الأدباء والفنانين «التكعيبيين بشكل خاص». وفي تلك الفترة تزوجت «ديانا ميتفورد» من أحد الأثرياء البريطانيين هو «بريان جينيس». كان ذلك عام 1929 وقد انجبت منه ولدان. كان زواجا فاشلا. إذ لم تقدم ثروة الزوج الكبيرة السعادة التي كانت تبحث عنها ديانا التي اندفعت باتجاه تعاطي الكحول.. ثم كان الطلاق. كانت أوروبا تعيش أزمة اقتصادية هائلة في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت الفاشية في ايطاليا بقيادة موسوليني والنازية في ألمانيا بزعامة أودولف هتلر بمثابة نموذجية جذبا نحوهما الكثيرين من الشباب الانجليز، خاصة من بين المثقفين والشرائح البورجوازية الانجليزية، وكان من بين هؤلاء طيار بريطاني شاب كان قد شارك في العمليات العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، كما كان آنذاك من نجوم حزب العمال البريطاني الصاعدة أو كان عضوا في الحكومة البريطانية والتي كان يرأسها آنذاك «مكدونالد». وكان ذلك الوزير الشاب المدعو اوزوالد موسلي، شديد الاعجاب بتجربة حكم موسوليني في ايطاليا ويحلم بأن تشهد بريطانيا تجربة مثيلة لها بكل ما تتميز به من بنى صناعية وقوات عسكرية ضاربة. تجدر الاشارة هنا إلى أن مثل تلك الظاهرة لم تكن تعبر عن خصوصية بريطانية حيث ان اسبانيا وفرنسا كانت قد عرفت اطروحات متشابهة وبرزت تيارات يمينية اقتربت في ايديولوجياتها من الاطروحات الفاشية والنازية. التقى اوزوالد موسلي وديانا ميتفورد التي كان يكبرها بأربعة عشر عاما في وقت كانت هي قد خرجت فيه من تجربة زواج فاشلة وتبحث عن رجل يناسبها أكثر. لقد وجدت ضالتها في الطيار السابق، ووجد هو امرأة تنتمي إلى طبقته الاجتماعية نفسها وتتبنى، وكان ذلك هو الأهم، الاطروحات السياسية والايديولوجية التي يتبناها نفسها. هكذا أكملا معا مسيرة حياتهما المشتركة، بحيث أصبحت ديانا ميتفورد ثم ديانا موسلي في طليعة أعضاء التنظيم السياسي الفاشي. على غرار حزب موسوليني والحزب النازي الألماني، لقد أصبح لـ«اوزوالد موسلي» من مؤيديه وأنصاره الذين كانوا يشاركونه مناهضة السامية ويقيمون اجتماعاتهم التي كانوا يبدأونها وينهونها بالتحية الهتلرية، أي بذراع ممدودة ومرفوعة إلى الأمام والأعلى. كان اوزوالد موسلي وأنصاره قليلو العدد يحلمون بقيام محور لندن ـ برلين منذ أواسط عقد الثلاثينيات الماضي. وفي ذلك السياق تزوج أوزوالد موسلي من ديانا ميتفورد في السادس من اكتوبر عام 1936 في برلين وبحضور هتلر نفسه وفي منزل الدكتور جوبلز الذي كان عرّاب الدعاية الهتلرية ومن أقرب المقربين إلى الفوهرر. كان شاهدا الزواج هما «اونيتي ميتفورد« و«ماجدا جوبلز». تجدر الاشارة إلى أن هتلر نفسه كان يرى في ديانا موسلي النموذج الأمثل للمرأة الآرية. مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ووجود بريطانيا التي كان يرأس حكومتها ونستون تشرشل إلى جانب الحلفاء، أي في الصف المجابه لألمانيا الهتلرية وجد أوزرالد وديانا نفسيهما اعتبارا من 23 مايو 1940 في السجن، وبأوامر من تشرشل نفسه، وبقيا فيه حتى شهدا نوفمبر من عام 1943. لقد ابتعدا عن العالم لكن سجنهما كان بمثابة حماية لهما. وعندما خرجت ديانا موسلي من السجن كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاما، وليبدأ الزوجان مسيرة حياتهما من جديد مع الاحساس المرير بأنهما ينتميان إلى معسكر المهزومين. لعل من أهم ميزات هذا الكتاب هو تتبعه لمسيرة زوجين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، يمثلان إلى حد كبير شريحة من الأوروبيين لم تخف ذات يوم عواطفها المؤيدة لموسوليني وهتلر ولمشروعيهما الفاشي والنازي، ولكنهم استمروا في معيشتهم التي تحيط بها مظاهر الرفاهية بل وأحيانا المجد عبر الأدب والسياسة، مثل حالة الكاتب الفرنسي بول موران، وحيث يشار بهذا الصدد إلى دوق ودوقة وندسور نفسهما. وما تكشف عنه مؤلفة هذا الكتاب هو أن الزوجين ديانا وأوزوالد موسلي، قد عادا خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي إلى نسج علاقات من جديد مع بعض أولئلك الذين كانوا يشاركونهما أحلامهما الفاشية والنازية سابقا، من أمثال الموسيقية وينفريد فاغنر، والجنرال بيرون زوج أبنة فرانكو وزعيم التيار الفاشي الايطالي الجديد جيورجيو الميرانتي. وتشير المؤلفة أيضا في هذا الصدد بأن أوزوالد موسلي حاول العودة إلى ممارسة النشاط السياسي عبر تشكيل محور أوروبي ونازي جديد، لكنها محاولة لم تثمر بسبب الارث الثقيل للماضي وتوفي عام 1980 حيث كان عمره 84 عاما. بينما لاتزال ديانا تعيش شيخوختها المتقدمة بهدوء. وفي الأسطر الأخيرة من الكتاب تغفل المؤلفة مقطعا من مقابلة مع ديانا موسلي جاء فيه: «هل تساءلتي أثناء فترة سجنك عن السبب الداعي لذلك؟». ـ نعم، غالبا. ـ وما هي النتيجة التي توصلت لها؟ ـ لأنني كنت متزوجة السير أوزوالد موسلي. إن ديانا موسلي لم تر في يوم من الأيام بأن أفكارها النازية تستحق أن يعاقبها عليها أحد