بيان الكتب: كريستيان اوتييه هو صحفي رياضي. يصدر مجلة اسبوعية في مدينة تولوز الفرنسية تحت عنوان «الرأي المستقل ـ او بينيان اندباندنت». لاشك بان كرة القدم هي احد اكثر الالعاب الرياضية شعبية. لكنها لعبة غيرت كثيرا خلال السنوات الاخيرة من «مواقعها» كي تدخل اطارا جديدا لم يكن معروفا من قبل بالنسبة لها. وهذا ما يمكن مقارنته مع النظام الدولي الجديد الذي نتج عن انتصار الرأسمالية واقتصاد السوق، وبروز قيم جديدة وطرق جديدة وآليات اجتماعية جديدة. يبدو هذا الكتاب بمثابة تحقيق طويل عن اكثر الالعاب الرياضية شعبية وعن الكثير من الاسرار والصفقات التي تحيط بها. وايضا على الدور المركزي الذي يحتله «المدراء التجاريون» و«المتعهدون» في التحكم بمصائر اللاعبين الذين غدوا بمثابة «رهائن». وحيث لم تعد الحسابات الرياضية هي العنصر الاساسي والرهان «النهائي» لمباريات كرة القدم وانما دخلت عوامل جديدة اكثر «حسما» واكثر «جوهرية» لها علاقتها «العضوية» مع الحسابات الاقتصادية بالدرجة الاولى ابتداء من حقوق نقل هذه المباريات على شاشات التلفزيون وحتى مرتبات اللاعبين ومرورا بـ«ثمن» انتقالهم من ناد الى ناد آخر. هذا فضلا عن مبيعات الادوات الرياضية وتجهيزاتها. يقول «سيرجيو جرانيوتي» رئيس نادي «لازيو روما» لكرة القدم جملة شهيرة لها دلالاتها الوافية والكافية عن اهمية كرة القدم كسلعة جاء فيها: «هل هناك أية سلعة اخرى غير كرة القدم يشتريها ثلاثة مليارات من المستهلكين؟ ان الكوكاكولا نفسها لا تصل الى هذا العدد من المستهلكين». ولكرة القدم مثل غيرها من «السلع» لها رموزها ونجومها. هكذا اصبح زين الدين زيدان مثلا هو الرياضي «المفضل» لشركة احذية «اديداس» الرياضية وغيرها من منتوجاتها وتجهيزاتها. وتتميز لعبة كرة القدم بانها الرياضة التي استطاعت ان تجمع حولها مختلف الشرائح الاجتماعية اعتبارا من العامل البسيط وحتى مدير الشركة الكبيرة ومن طوكيو الى القرى الافريقية الصغيرة المنتشرة بين الغابات. ولعل كرة القدم هي احد أكثر «السلع» مصدرا للربح بالنسبة لعدد من الشركات متعددة الجنسيات التي تمتلك في احيان كثيرة النوادي الرياضية الخاصة بهذه اللعبة كما الاقنية التلفزيونية التي تقوم بنقل المباريات، ولعل «سيرجيو كرانيوتي» رئيس نادي لازيو روما لكرة القدم افضل من عبر عن اهمية «السوق» الجديد للكرة المستديرة حيث قال: «تشكل كرة القدم المسألة الأكثر شمولا في عصر العولمة وانتصار مفاهيم الاستفادة من اوقات الفراغ (.....). ان اقتصاد الكرة في توسع مستمر وكذلك الامر بالنسبة لمستهلكين في هذا الميدان الذين يمكن لعددهم ان يزيد على ثلاثة مليارات مستهلك الى خمسة مليارات عبر اكتساب اسواق جديدة مثل الشرق الاقصى والولايات المتحدة الامريكية. وقد كنت اول من جلب كرة القدم الى سوق البورصة لان مهنتي هي ان اعطي للاشياء قيمها الحقيقية». وما قاله «كرانيوتي» ينطبق ايضا على عدد آخر من كبار رجال الاعمال في العالم من امثال «برلسكوني» احد اكبر اثرياء ايطاليا و«برنار تابي» رجل الاعمال الفرنسي المغامر الذي عاد مؤخراً الى عالم الاعمال الخاص بكرة القدم عبر بوابة نادي «اولمبيك» في مدينة مرسيليا من جديد. ومن الملاحظ ان السنوات الاخيرة قد شهدت تزايد اعداد النوادي الرياضية لكرة القدم وخاصة الأوروبية والامريكية الجنوبية ـ البرازيل والارجنتين في المقدمة ـ التي دخلت اسواق البورصة كأية مؤسسات اقتصادية اخرى تدر ارباحا كبيرة على الشركات الكبرى المالكة لها. لكن واقع تطور مفهوم كرة القدم من رياضة شعبية تقوم على اساس المنافسة في ارض الملاعب الى نشاط ذي طابع اقتصادي بحت بالنسبة للقائمين عليها قد دفعها الى الخضوع لنفس الآليات السائدة في عالم الاعمال ورأس المال بكل ما فيها من مظاهر الفساد والرشوة فيما يخص اللاعبين والحكام على حد سواء في بعض الاحيان، ووجود شبكات ذات طابع تجاري يشكل اللاعبون الفتيان الواعدون: بمستقبل زاهر في ملاعب الكرة «سلعة» التبادل الرئيسي في نشاطاتها. بتعبير آخر، وهذا ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب باشكال مختلفة، تضاءل الى حد كبير فعل المنطق الرياضي والاخلاقي من آليات ممارسة كرة القدم بل ان هذين المعطيين الذين سادا اللعبة منذ تأسيسها في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر هي الآن بصدد «الاختفاء» شيئا فشيئا لصالح معطيين اساسيين جديدين يحكمان أكثر فأكثر منطق عمل النوادي الرياضية الكبرى لكرة القدم و«اخلاقياتها» ويتمثلان في «الاستثمار» و«المردودية». ويكرس مؤلف هذا الكتاب اهمية كبيرة لدراسة «التطور» الذي طرأ ايضا على طبيعة جمهور المشاهدين الذين اصبحوا اكثر «بورجوازية» لكن اهميتهم الاقتصادية اصبحت ثانوية بالقياس الى «المداخيل» الاخرى وخاصة بيع حقوق نقل المباريات تلفزيونيا والمنتوجات «الملحقة» برياضة كرة القدم. هكذا اصبحت «ميزانية» عائدات رسوم الدخول الى الملاعب متواضعة جدا في الميزانية العامة للنوادي الرياضية الكبرى. ومن جهة اخرى ظهرت «بورجوازية» المشجعين الجدد في ميدان كرة القدم عبر بروز ظاهرة جديدة هي لجوء بعض الشركات، بل وحتى البلديات، الى تأجير مقصورات صغيرة يمكنها ان تضم حوالي عشرة اشخاص الى «مشجعين» اثرياء يقومون بدفع ايجار سنوي مرتفع لقاء بعض الخدمات الاضافية مثل وجود «مضيفات» يقمن بالخدمة وتحضير المرطبات والمشروبات والاطعمة ـ الخفيفة ـ اثناء سير المباريات بالتأكيد لايزال المشجعون، ومهما اختلفت انتماءاتهم، يأتون الى الملاعب حبا باللعبة وبالنوادي التي يدعمونها وبابطالهم المفضلين وباللون الذي يدافع عنه وليس لاي غرض اقتصادي يخص البورصة واسواقها. لكن اشكال التعبير عن تشجيع الفرق المعنية قد تغير حتى ان نادي «مانشستر يونايتد» البريطاني الشهير يفكر: باستثمار قسم من المدرجات «اقتصاديا» وهذا ما نفذه نادي «تشيلسي» اللندني الذي بنى مقصورات فخمة مخصصة للشخصيات المهمة جدا سيفتتحها للموسم الرياضي 2001 ـ 2002 وقيمة الايجار السنوي لكل منها هو عشرة ملايين فرنك فرنسي (مليون ونصف مليون دولار امريكي تقريبا) مع ضرورة الالتزام لمدة عشر سنوات مسبقا. هذا يعني بان المهم لم يعد عدد المشجعين في المدرجات وانما ما «يدرونه» من مكاسب مادية. ويفتخر نادي «تشيلسي» بان عشرين الفاً من اعضائه هم من بين الاكثر غنى في البلاد. وقد دلت دراسة بهذا الخصوص ان 60% من بين مشجعي هذا النادي المسجلين كاعضاء في قوائمه ينفقون سنويا ما يزيد على الفي دولار سنويا لناديهم. ان السوق الحقيقي في ميدان كرة القدم لم يعد يعني المشجعين وعددهم ومدى مساهماتهم وانما اصبح سوقا ذا ابعاد عالمية. إذ ان الاسواق الحقيقية موجودة في طوكيو وروما ومدريد وريو دي جانيرو وحيث اصبح الهدف الاساسي هو امتلاك النوادي لنجوم عالميين يؤمنون ببيع «ماركة» النادي والمنتوجات «المشتقة» عنه لاكبر عدد ممكن من البلدان، واعتمادا على هذا المفهوم اصبح اختيار لاعبي النوادي الكبرى خاضعا لمعطيات جغرافية واقتصادية صارمة ومدروسة بدقة على ضوء متطلبات الاسواق العالمية المستهدفة. هكذا حرص نادي «انتر ميلان» الايطالي مثلا على وجود لاعبين هولنديين وفرنسيين واسبانيين وايرلنديين ويوغسلافيين واتراك وارجنتيين وبرازيليين.. وغيرهم، مع عدد قليل من الايطاليين. ونفس التنوع الجغرافي تشهده اندية كبرى اخرى مثل جوفنتوس الايطالي وبايرن ميونيخ الالماني وغيرهما.. ما يؤكد عليه المؤلف، ويدعمه بالكثير من الاحصائيات ذات الدلالة البالغة مثل تجاوز دورة النشاطات الرياضية الخاصة بكرة القدم عام 1998 مبلغ 1500 مليار فرنك فرنسي (اكثر من 200 مليار دولار امريكي)، هو ان عمليات الشراء والبيع وما ينجم عنهما من فضل القيمة الكبيرة خلقت اقتصادا جديدا لكرة القدم فيه اصحاب مليارات مهنتهم هي «الجري وراء الكرة المستديرة في الملاعب». كتاب ـ تحقيق موثق ينتهي مؤلفه الى تقديم البراهين «القاطعة» بان تغيرات جوهرية قد طرأت على عالم كرة القدم ومفاهيمها واهدافها وآليات عملها. اذ كانت القاعدة سابقا هي «البحث عن المال من اجل ممارسة لعبة كرة القدم ودفع تكاليف ذلك بينما اصبح الكثيرون اليوم يبحثون عن كرة القدم من اجل كسب المال»