بيان الكتب: نيكولاس فريزر من مواليد العاصمة البريطانية لندن، وقد تلقى تعليمه كله في اوكسفورد. عمل كصحفي وناقد وكاتب تحقيقات في باريس ونيويورك ولندن. شهد العقد الأخير من القرن العشرين بروز حركات سياسية في اوروبا تتبنى ايديولوجية يمينية متطرفة مستوحاة بشكل خاص من التجربتين الفاشية في ايطاليا بقيادة موسوليني ونازية في المانيا مع ادولف هتلر وبدرجة اقل فترة حكم فرانكو في اسبانيا. وقد تمثل هذا التيار اليميني الجديد في احزاب سياسية اثبتت حضورها السياسي على صعيد بعض البلدان الأوروبية الغربية مثل فرنسا التي فاز «حزب الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف بزعامة جان ماري لوبن في العديد من الانتخابات بنسبة تقارب 15% من اصوات الناخبين، ووصل الحزب اليميني المتطرف في النمسا الى السلطة حيث يشارك في الحكم منذ حوالي عامين من الزمن، كما اظهرت الانتخابات في المانيا وايطاليا وبلجيكا والدنمارك وغيرها حضورا متناميا لليمين الجديد على ساحاتها السياسية. مؤلف هذا الكتاب أمضى ثلاث سنوات في مختلف انحاء القارة الأوروبية مستقصيا عن الاسباب العميقة الكامنة وراء بروز حركات اليمين المتطرف الجديد وحيث اجرى عدة مقابلات مع سياسيين من مختلف المشارب الفكرية والايديولوجية والتقى مع بعض رموز هذا التيار اليميني الجديد. وكانت المحصلة العامة لهذا كله الكتاب الذي نستعرضه: «صوت الضغينة الجديدة». تعبير «الضغينة» الذي استخدمه المؤلف في عنوان هذا الكتاب، رمى به الى التأكيد على نزعة العداء التي يتبناها اليمينيون المتطرفون عن «سابق عمد وتصميم». و«الضغينة» كنقيض لـ«التعاطف» مع الآخر باعتباره «آخر» وليس «عدوا». وكتعبير عن «عدائية مرضية» قائمة احيانا على اساس «التميز العرقي» او الاثني او حتى الجغرافي. وعلى مثل هذه الخلفية العدائية شهدت يوغسلافيا «السابقة» عمليات تصفية اثنية كان الصربيون المتطرفون احد محركاتها الاساسية. وفي كل الحالات هناك نوع من الحنين لدى اليمين المتطرف الجديد لليمين المتطرف التقليدي الفاشي والنازي وايضا نوع من الرفض القاطع للديمقراطية.. إذ انهم يرفضون فكرة المساواة اصلا. ومن «الميزات» الاخرى التي يتمتع بها اليمين الجديد هناك «تغلغله» في صفوف مختلفة القوى والاجهزة الرسمية في اوروبا؟ اذ ليس من غير المألوف مصادقة «رجال شرطة» قريبين من افكار اليمين المتطرف «الجديد» ومن ممارسته ايضا. ان مؤلف هذا الكتاب يولي اهتماما خاصا لدراسة اطروحات «حزب الحرية النمساوي» الذي يترأسه «جورج هايدر» ذو الافكار اليمينية الجديدة وبين بعض الاطروحات الصادرة عن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مرجريت تاتشر او رئيس وزرائها الحالي طوني بلير. وحيث يمكن ايجاد بعض التشابه بين وجهات نظر الثلاثة حول قضايا عالمية جديدة. ما يؤكده المؤلف هو ان «جورج هايدر» يحمل العديد من وجهات النظر التي تحمل «الضغينة» حيال الغرباء الذين يعنون بالدرجة الاولى حسب القاموس السائد في اوروبا اليوم العرب والافارقة السود. لكنه اي هايدر، لم يكن نازيا. لكن هذا لم يمنع من قيام مظاهرات حاشدة ضده وضد حزبه وفي النتيجة النهائية ضد النمسا في شهر يناير من عام 2000 اثر توقيع الاتفاق حول قيام الائتلاف الحاكم اليوم. وضمن هذا السياق رفض الامير تشارلز حضور افتتاح معرض للفن البريطاني في العاصمة النمساوية فيينا. ان صعود اليمين المتطرف في اوروبا خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين. وظهور بعض ملامح هذا الصعود منذ الثمانينيات الأمر الذي يدل عليه بوضوح واقع ان حزب الجبهة الوطني اليميني المتطرف في فرنسا لم يحصل خلال الانتخابات الرئاسية لعام 1981 التي فاز فيها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بالرئاسة سوى على اقل من 1% من اصوات الناخبين لتقفز هذه النسبة بعد سنوات قليلة الى اكثر من 10%، يبدو ـ اي صعود اليمين المتطرف ـ بمثابة نوع من «الاستجابة المعاكسة» لبروز حركات يسارية متطرفة في اوروبا مارست «العنف الثوري» حسب قاموسها و«الارهاب» حسب الاعلام السائد وحيث كانت ايطاليا قد شهدت «الالوية الحمراء» التي اختطفت رئيس وزراء ايطالي سابق هو «الدو مورو» ثم قتلته؟ وعرفت المانيا مجموعة «بادر ماينهوف» التي قامت بعدة عمليات ارهابية واشتهرت في فرنسا جماعة «العمل المباشر».. الخ. وحتى ظاهرة «الهوليجانية» اي «الشغب» التي كانت قد بدأت تمارسه مجموعات من المشجعين على مدرجات ملاعب كرة القدم كانت ايضا في احد صورها، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، نوعا من الحركات الاحتجاجية المناهضة للبورجوازية على خلفية يسارية». ان اليسار المتطرف واليمين المتطرف يبدوان بمثابة نوع من «الانحراف» يمينا او يساراً عن الاطروحات التقليدية، وعلى نفس المقاييس اذا كانت النزعة القومية المتطرفة هي «انحراف مفرط» للاحساس الوطني فإن الفاشية هي ايضا نوع من «المغالاة» في «التمركز» حول «الذات القومية» كما بدا في مفهوم التفوق «الآري» الذي قال به ادولف هتلر. ان المؤلف يشرح على مدى فصل كامل تطور النازية من صيغتها «التقليدية» الى صيغتها «الجديدة» التي استمرت في تبني نفس الافكار «القديمة» وعلى رأسها مقولة التفوق الالماني و«احتقار» اليهود. الملفت للانتباه هو ان مؤلف هذا الكتاب يستخدم الكثير من «المرجعيات» الادبية والفكرية الأوروبية حيث تتردد اسماء «جورج اورويل» و«ميشيل نوكو» و«سيلين»، الكاتب الفرنسي ذو الافكار اليمينية المتطرفة، و«جان جينيه» وغيرهم. كما تتم مناقشة الدور الذي لعبته عدة مؤسسات «ثقافية» غربية ساهمت في نقاش التجربة النازية بكل وجوهها ومخلفاتها. ويقوم المؤلف في احد فصول هذا الكتاب بتحليل الشروط التي دفعت الشاب الجزائري الاصل والفرنسي الجنسية «خالد تلقال» الى ممارسة العنف في اواسط عقد التسعينيات وحيث يبدو في العديد من التحليلات التي قام بها اخصائيون أوروبيون بأنه كان ضحية الظروف التي دفعته للقيام بما قام فيه. لكن المؤلف يقوم عبر دراسته لشخصية «خالد تلقال» بإلقاء نظرة تاريخية على العلاقات الفرنسية ـ عامة والعلاقات الفرنسية ـ الجزائرية خاصة والنقطة الاساسية التي يتم التركيز عليها في شخصية خالد تلقال، هي انه كان يعاني باستمرار بأنه «لا مكان له في المجتمع الذي يعيش فيه» كما ان عملية الاندماج الكامل في النسيج الاجتماعي الفرنسي كانت شبه مستحيلة، كان هذا الاحساس العميق بـ «التهميش» دافعا نحو التطرف.. وعلى نفس الاساس يقوم «تطرف» اليمينيون المتطرفون الجدد حيث يسود الفكر «ذو البعد الواحد» في الحالتين. وانطلاقا من حالة عيانية محددة تتم مناقشة طبيعة العلاقة بين ابناء «الضواحي» كما تتم تسمية الشباب العرب والافارقة الذين يعيشون في ضواحي المدن الاوروبية الكبرى، وبين الشرائح اليمينية المتطرفة في المدن المعنية وحيث ان «البغض» هو الخلفية الاساسية التي تقوم عليها تلك العلاقة كما تتم ضمن نفس الاطار مناقشة مسألة الهجرة وما تفرضه من تحديات على المجتمعات الغربية وحيث ان بعض القوى السياسية اليمينية المتطرفة الجديدة قد جعلت من مسألة الهجرة والمهاجرين حجر الزاوية الاساسي في برامجها السياسية، وخاصة في برامجها الانتخابية، كما في حالة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا؟ وحيث ان المهاجرين من بلدان شمال افريقيا العربية الثلاثة اي المغرب والجزائر وتونس هم المستهدفون الاساسيون في اطروحات اليمين المتطرف العنصرية، انهم كبش الفداء الحالي كما كان الايطاليون في مطلع القرن العشرين ويذكر المؤلف بهذا الخصوص بأن مقولة ممارسة العنف ضد العرب تجد جذورها المتناثرة في بعض الاعمال الادبية مثلما هو الحال في رواية «الغريب» لالبير كامو عندما يقوم بطل الرواية «انطوان مارسو» بقتل العربي عند شاطيء البحر ويبدو بوضوح انه عاجز عن تقديم تبرير الاسباب التي دعته لقتله. ويستشهد المؤلف ضمن نفس الاطار بالفيلم السينمائي الذي قدمه المخرج الفرنسي «ماثيو كاسونتيش» تحت عنوان «البغض» حول الاوضاع في ضواحي «باريس». كتاب عن اوروبا وعن «الشروخ» التي ترتسم في صورتها في مطلع القرن الحادي والعشرين