بيان الكتب: ان فهم المعنى الحقيقي لكلمة قومية ضروري جدا في فهم كل ما يتعلق بواقع آسيا المعاصرة ان جاز لنا ان نطلق عليها هذا الوصف، وبداية فان التجربة الاستعمارية، لدول آسيا ليست بعيدة وهو ما قد يكون كافيا لاحداث شيء كالصراع من اجل القضاء على نتائجها السلبية والبحث عن مخارج ايجابية بديلة للسيطرة على التجربة السياسية التعيسة التي أوجدها تشكل ظاهرة كالأنظمة السياسية المصطنعة. وفي بلدان كاليابان والصين فان المشكلة ليست كما تبدو حيث يتصور الكثيرون انها لا تحتاج الى اكثر من تطوير مجتمعات متماسكة سياسيا ولكن ما تحتاج اليه في الواقع هو المصالحة بين المعطيات التاريخية ومعطيات الحداثة. وبالنسبة لبعض الدول الآسيوية فان هذا الصراع يضرب بجذوره في الواقع عميقا ليؤثر في صميم ما يعرف بالهوية الوطنية. ان موضوع القومية الآسيوية هو احد اهم القضايا الراهنة التي تتم مناقشتها اليوم والتي يحتشد لها عدد من الخبراء الدوليين المعروفين بعملهم كمحللين في مجال النظريات القومية بالتركيز على التفاصيل التي توفر في النهاية مادة متوازنة نظريا وعمليا و هو ما يوفره كتاب «القومية الآسيوية» الذي تسلط فيه الاضواء على الشأن الآسيوي في عدد من دول القارة كالصين وتايوان واليابان والهند وباكستان والفلبين واندونيسيا مجموعة من كبار الاساتذة المختصين من كلية الاقتصاد التابعة لجامعة لندن. في الوقت الذي تظهر موضوعات نظرية مشوقة على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للقارئ العادي ومنها على سبيل المثال سؤال التداخل بين مفهومي الأمة والدولة ومدى قابلية شيء «كالمفهوم الغربي للسياسة» للتطبيق في هذه الدول فان موضوعات اخرى تكون هي الموضوعات الاكثر اهمية ومنها كما يرى الباحثون المشاركون في مواد هذا الكتاب السؤال حول الكيفية التي تتمكن من خلالها هذه الدول من العمل على كسب ولاء مواطنيها وهنا يحتاج القارئ الى الاستماع الى وجهة نظر كتلك التي يطرحها «مايكل يهودا». الباحث المختص في الشئون الصينية حيث يقول: «لقد مهد القادة الصينيون لظهور مذاهب سياسية متعاقبة يأملون ان يلتف حولها الناس بالتحام وهم يحملون وجهة نظر موحدة تتعلق بهويتهم الوطنية في الداخل وبمكانتهم وحقهم في أن يتبوأوا مكانة مرموقة على مستوى العالم، هو السؤال الذي استمر غيابه ولم يستوف حقه في البحث أو من جوانبه العملية. ان مشكلة الصين وحدها تبدو في غاية الحساسية فهي دولة مترامية الأطراف تضم أكبر تجمع سكاني في العالم يتميز مجتمعه أيضا بعدم التجانس بين أفراده، ولهذا فإن ما يخشاه القادة الصينيون بالفعل هو ان يكون مصير دولتهم شبيهاً بمصير الاتحاد السوفييتي السابق، ولحسن حظهم فإن الغالبية العظمى من هؤلاء السكان هي من «الهان» وعلى الرغم من ذلك فإن الأربعة آلاف عام من التاريخ ليست كافية للمراهنة عليها في العمل على إيجاد هوية وطنية، فهذا التاريخ الطويل هو أيضا ما يشكل أرضية صالحة للتمزق فهو ذاته الذي يذكر بسياسات الصين تجاه «تايوان» و«تايبيه» والأجزاء الغربية» وهذا في الوقت ذاته مما يرجح احتمالا خطيرا يتمثل في الانهيار الذي قد تشهده الدولة الكبرى. على الجانب الآخر وعلى نحو لا يقل أهمية يأتي تحليل «نش» للشئون السياسية في اليابان، فعلى الرغم من ايجازه في الكلام إلا ان ذلك لا يعني انه لا يضع يده على النقاط الرئيسية، فهو يضيف ان اليابانيون أنفسهم مستقطبون فيما يتعلق بمواقفهم من القومية، كما ان اليمينيين مازالوا هم الأقلية، وبوجه عام فإن القومية اليابانية لا تختلف في صورتها الأساسية عن مثيلتها في الدول الأخرى، بالاضافة إلى انها مكبوحة اكثر مقارنة بأوضاعها في تلك الدول. يراهن نش على ان تغيير الأوضاع السياسية خاصة ما يتعلق بالمواقف تجاه القومية هو شيء قابل للتطبيق من جهة أخرى وأن نظرة واقعية إلى مواقف احدى أهم الشرائح الاجتماعية وهو قطاع الشباب الياباني كافية لجعل الآخرين يتصورون امكانية حدوثه على الرغم من كونه أمراً من الصعب التكهن بوقوعه بسهولة، فجيل الشباب هذا هو أبعد ما يكون عن ذكريات الحرب التي لم يعاصرها في الوقت الذي يمر فيه بتجارب ذات صلة بواقعه، وبالتالي فإن ما يفرضه عليه الواقع هو ان يكون أكثر انحيازاً من الجيل السابق إلى تأييد السياسات الدولية التي تتخطى الحدود القومية وأقل انعزالا وقومية. وربما كانت للقومية أهمية خاصة في السياسات الآسيوية، ولكن على الرغم من ذلك فإن على الآخرين ان يتوخوا الحذر مما قد يسببه التوسع في تفسيرها، وفي هذا السياق يتحدث «مايكل ليفر» المختص في الشئون الاندونيسية عن مأزق القومية في اندونيسيا بشيء من التحفظ. وهنا ينوه ليفر إلى ان السياسة الخارجية التوسعية لبلد كاندونيسيا لم تعتمد على ما يسمى القومية في واقع الأمر وبالتالي فإن ما يجب على الآخرين فهمه جيدا هو ان مسألة مثل ضم تيمور الشرقية في سنة 1975 لابد من فهمها دون تبرير على انها ضرورة استراتيجية حددتها علاقتها بالارخبيل. وبمعنى آخر فإن لاعتبارات الأمن القومي علاقة مباشرة بهذه الاستراتيجية وليست الرغبة في رفض نظام الحكم الاندونيسي. وفي النهاية فإن ما يخلص إليه المرء هو هذه الأسئلة الكلية عن اهمية الارادة القومية ودور التجانس العرقي في العمل على إيجاد هوية قومية والمسئول عن اتخاذ القرار الذي يحدد شكل او صفة الدولة وقيمها السياسية. وكما كان النضال ضد الاستعمار هو المسألة الحاسمة في العمل على ايجاد هوية موحدة فإن المرحلة التي اعقبت انتهاء هذه الفترة التي شهدت صراعا قويا على مستوى كل الاشياء كما شهدت رحيل الاستعمار كانت هي الفترة الاكثر حسماً فيما يتعلق بالقادة الآسيويين الوطنيين الجدد الذين آل اليهم الميراث السياسي. واذا كانت مسألة كظهور حركات التحرير الوطنية الآسيوية لم تطفو على السطح إلا بسبب الحدود المصطنعة التي خلفها الاستعمار فإن على الآسيويين ألا يوقفوا معالجة النتائج المترتبة عليها كما حدث في دول كأندونيسيا والفلبين وكما تنبهت الى ذلك الهند مؤخرا. وثمة مسألة مهمة هي «الاسلام» الذي مازال يشكل قوة لا يمكن تجاهلها في لعب دور مهم في استقرار الاوضاع السياسية في المنطقة فلا احد يمكنه ان يتجاهل التأثيرات المتصاعدة الناجمة عن المطالبة الجادة بأن يكون للاسلام دور بارز على خارطة القرن الحادي والعشرين، وهكذا فإن الحلول المتاحة للعمل في مواجهة مشكلات القومية تبدو قليلة.