بيان الكتب: مفتاح ميسوري مؤلف هذا الكتاب هو مؤرخ ليبي. ولد في «درنة» عام 1950 وعمل لسنوات طويلة في حقل الدبلوماسية، ولكن ظل البحث العلمي والتنقيب في تاريخ بلاده أحد اهتماماته الرئيسية، هذا إذا لم يكن اهتمامه الرئيسي بالمطلق، وهو أيضا باحث في ميدان اللسانيات ومهتم بالدراسات السياسية. هذا الكتاب «ليبيا في زمن الرحالة 1812 ـ 1912» هو في الأصل اطروحة جامعية كان مؤلفها قد عمل عليها سنوات طويلة ثم دافع عنها في جامعة السوربون عام 1997 لينال عنها شهادة الدكتوراه في التاريخ. ومن هذه الاطروحة وبحث السنوات الطويلة خرج بهذا الكتاب. لقد درس النصوص المتوفرة التي كتبها الرحالة الأجانب عن بلاده خلال قرن من الزمن، أي منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين وحيث جاب رحالة ومستكشفون أوروبيون عديدون صحارى ليبيا ومختلف مناطقها الأخرى وتركوا العديد من الشهادات المكتوبة التي شكلت مادة هذا التاريخ. لقد قرأ مؤلف هذا الكتاب نصوص هؤلاء الرحالة والمستكشفين بعين النقد، لاسيما وأنه يرى بأن كتاباتهم قد شابها في كثير من الأحيان درجة كبيرة من عدم الدقة، إذا لم يكن من التشوش، هذا إذا لم يكن لدى البعض منهم أحكاما مسبقة أو أنهم يقدمون تحليلات من موقع يتسم بكثير من النزعة الاستعمارية التي بررت فيما بعد لغزو الغربيين لبلاده. وذلك على قاعدة أن الواقع الليبي «المغرق في الفقر» كما رسمته بعض النصوص الأجنبية، يجعل البلاد غير مؤهلة للاستغلال، أي ما يمكن أن يشكل أساسا لتبرير «استعمارها». إن المؤلف يأخذ في هذا العمل موقع محامي الدفاع الذي يريد أن يقدم البراهين ـ وقد قدم البراهين ـ على أن ليبيا كانت لفترات طويلة من تاريخها ملتقى حضارات عديدة من فينيقية ويونانية وألمانية وعربية. كما يبرهن على أن ليبيا القديمة التي ساد فيها، وتحديدا في جزئها الشرقي الذي كان يسمى «سيرانيكيا» بعض البطالمة، وكانت تكتسي أهمية كبيرة كعقدة وصل بين الاسكندرية والقيروان اللتين كانتا بمثابة مراكز اشعاع حضاري لفترة طويلة من الزمن. وعلى خلفية محاولة الرد على مزاعم عدد من الرحالة والمستكشفين الأجانب الذين يصل عددهم الى العشرات، يقوم مؤلف هذا الكتاب بتأكيد الهوية التاريخية لبلاده وبأنها تتمتع منذ قرون بعيدة بدرجة كبيرة من التلاحم ومن وحدة أراضيها. وتدل الاحصائيات التي يقدمها «مفتاح ميسوري»، مؤلف هذا الكتاب بأن ثلاثة وثلاثين ايطاليا وتسعة وعشرين فرنسيا وستة وعشرين بريطانيا وعشرين ألمانيا وأربعة نمساويين وسويسريا وأمريكيا وهولندية واحدة، كانوا قد زاروا ليبيا خلال الفترة المدروسة وتركوا آثارا مكتوبة دونوا فيها انطباعاتهم ومشاهداتهم عنها. ويصفهم المؤلف بأنهم كانوا يتحلون بقدر كبير من الشجاعة والذكاء، كما كانوا بأغلبيتهم في موقع «وسط» بين العلماء والجواسيس. وفي مقدمة السمات الأساسية لليبيين يحدد مؤلف هذا الكتاب تعلقهم الكبير باستقلالهم و«خشونتهم» إلى هذا الحد، وذلك؛ حيث أن هذا كان سببا في واقع ان الرحالة الأجانب الذين زاروا هذا البعد الصحراوي خلال القرنين الاخيرين كان أقل نسبيا من أولئك الذين زاروا البلدان العربية الأخرى.. ثم ان حالة الحرب بين القبائل كانت أيضا سببا في عدم تجرؤ العديدين على قصدهم. وكانت ليبيا قد عرفت قديما غزو اليونانيين والرومانيين لها. وأصبحت عام 1551 تابعة للسلطان التركي وحيث تم ضمها بشكل كامل للامبراطورية العثمانية عام 1835 وفي عام 1941 أعلنت ايطاليا الحرب على تركيا لتحتل عام 1912 طرابلس الغرب ثم فزّان (1913 ـ 1914). ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق على أن المرافيء الليبية كانت ذات أهمية تجارية بالغة منذ القرن السادس عشر وأصبحت بعد ذلك بمثابة مراكز الصلات الاساسية بين أفريقيا وأوروبا. وقد كانت السفن الأجنبية التي تؤم مرفأ طرابلس الغرب مثلا تدفع مقابل ذلك مبالغ «لباشوات» المدينة. وحيث أن المنافسات لامتلاك مواقع قوية على الشواطيء الليبية كانت سببا في نزاعات مع القوى الأوروبية وحتى مع أمريكا نفسها (1801 ـ 1805). كانت تلك هي المجابهة الأولى بين ليبيا وأمريكا، كما أراد المؤلف أن يشير به ضمنا إلى الخلافات المتأصلة بين البلدين منذ فترة طويلة من الزمن. يقول بهذا الصدد: منذ عام 1801 والغربيون، وخاصة الأمريكيون، كانوا يتهمون ليبيا بأنها تمارس سياسة القرصنة البحرية، ثم يذكر بالحرب بين البلدين اثر قيام الليبيين باحتجاز السفينة الأمريكية «فيلادلفيا» التي كانت تقل 44 مدفعا وسجن طاقمها من قباطنة وبحارة، فرد الأمريكيون باحتلال مدينة درنة ـ بلد مولد المؤلف ـ لمدة تزيد على الشهر من الزمن. ولقد أبدى سكان تلك المدينة مقاومة عنيفة وبطولية ضد قوة الاحتلال وارغموا الامريكيين على التفاوض مع يوسف باشا سيد البلاد وقبول شروطه ودفع تعويضات وفدية للأفراد عن البحارة المساجين. ولعل ذاكرة تلك «الاهانة» التي لحقت بالامريكيين آنذاك لم تعد موجودة في قرارة أنفسهم ولعلها أيضا ليست بعيدة عن طبيعة العلاقات بين البلدين. وهذا ما يعبر عنه بوضوح مؤلف هذا الكتاب حيث يقول: «ان التاريخ ليس حياديا وهو يتكرر. ففي الأمس توجهت الاتهامات ليوسف باشا واليوم للعقيد القذافي». بالمقابل يؤكد المؤلف في تحليلاته التي يتضمنها هذا الكتاب على قدم العلاقات الأوروبية ـ الليبية والتي تعود بداياتها إلى العصر الوسيط التي عرفت قدوم الرحالة الأوائل إلى ليبيا. وكانت فرنسا هي أول بلد أوروبي ينشيء إدارة قنصلية له في طرابلس الغرب عام 1620، ثم تبعتها بريطانيا عام 1854 وبعدها البندقية عام 1678. كانت تلك القنصليات بمثابة مؤشر على الأهمية الاستراتيجية المتنامية التي كانت تكتسبها ليبيا بالنسبة لتلك القوى الغربية وحيث أصبحت «علبة الرمال» تلك، كما جاء في تعبير كتبه رحالة إيطالي إلى ليبيا خلال القرن الماضي، محط أطماع الغرب. وينقل مؤلف هذا الكتاب عن المؤلف الفرنسي «ميهييه دوماتويزيول» قوله في كتاب له نشره عام 1903 في باريس تحت عنوان «عبر طرابلس الغرب» وتحدث فيه عن الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة لفرنسا ما مفاده: «إذا لم يكن لتجارتنا الكثير مما يمكن أن تكسبه في هذه البلاد الفقيرة فإنه ينبغي علينا مع ذلك أن نكون متواجدين دائما فيها وأن نتحلى بدرجة كبيرة من الحذر كي نراقب دسائس جيراننا وتحركاتهم». الجيران المقصودون في هذا النص هم تحديدا البريطانيون. ويدرس المؤلف الآثار التي تركها الرحالة والمستكشفون الأوروبيون إلى ليبيا في ظل الاشكال التي تبدّت بها من مذكرات ومشاهدات عيانية وخرائط ورسوم توضيحية للطرق والدراسات الجيولوجية والمصادر المائية والآثار والمكونات الاتوغرافية. ان هذه المصادر كلها تقدم كما هائلا من المعارف التي لا تقدر بثمن حول البلاد، وأيضا حول ساكنيها. ان بعض الرحالة الذين جعلوا من ليبيا وجهة لهم وولجوا إلى مناطق داخلية عميقة من صحاريها قتلهم أحيانا الظمأ مثلما حل بالطبيب البريطاني «جوزيف ريتشي» الذي مات ظمأ عام 1819 والضابط «جوردون لينج» الذي توفي في واحة «غدامس» عام 1826 وعالم النبات الألماني «ادوارد فوجل» الذي اختفى بالقرب من بحيرة التشاد عام 1835. وانتظر الهولندية الكسندرا تين المصير نفسه حيث تم قتلها مع جميع أفراد قافلتها من قبل احدى عصابات اللصوص على طريق الغابات عام 1869 ومصير مشابه على الطريق نفسه عام 1874 بالنسبة للمدرس «نوربيرد وبير» والتاجر «روجين جويير» الفرنسيين. كتاب عن ليبيا في الماضي وعن اسقاطات هذا الماضي على معطيات الحاضر.