بيان الكتب: كريستين أوكرنت هي صحفية فرنسية معروفة واحدى «نجوم» التلفزيون الفرنسي منذ سنوات عديدة حيث اختصت بعالم الأخبار والسياسة. لها مؤلفات عدة منها: «أوروبا كما شرحتها لابني» و«ارباب العمل الكبار» و«حرية الصحافة» و«صور من هنا ومن هناك»... الخ. في الثالث من شهر يناير 2001 رددت هيلاري كلينتون القسم الذي أصبحت بموجبه عضوا رسميا في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد أن فازت في الانتخابات بهذا المنصب عن مدينة نيويورك. وكانت سابقة لا مثيل لها في تاريخ ولاية نيويورك إذ للمرة الأولى يتم انتخاب امرأة لمثل هذا المنصب، وامرأة عمرها ثلاثة وخمسون عاما، جميلة وأنيقة وزوجة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عند انتخابها. ان كريستين أوكرنت، مؤلفة هذا الكتاب، تكتب سيرة هذه المرأة في بعديها السياسي والشخصي «الحياة المزدوجة لهيلاري كلينتون». كان ذلك في شتاء عام 1991 وفي ولاية «نيوهمبشاير» وكان شتاء شديد البرودة تلك السنة، على عكس الحملة الانتخابية بالنسبة للمعسكرين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، حيث كانت تجرى الانتخابات الأولية في كل حزب من أجل تعيين مرشحة لخوض الانتخابات الرئاسية التي كانت ستجرى في العام التالي 1992. كانت هيلاري وزوجها بيل كلينتون قد قاما بجولات في عدد من الولايات تحدث أثناءها بيل طويلا ووصل به الانهاك درجة قصوى بينما خفت «بحّ» صوته بحيث إنه كان من المستحيل أن يتحدث أمام الجمهور الذي كانت قد تمت دعوته للقائه.. ولم يكن هناك أية امكانية للتأجيل بالاضافة إلى أن ولاية نيوهمبشاير كانت بالغة الأهمية من أجل احتلال موقع متقدم في المنافسة مع بقية الطامحين بترشيح الحزب الديمقراطي الأمريكي لهم للسباق إلى البيت الأبيض. وصل بيل وهيلاري كلينتون ورفقتهم إلى مكان اللقاء في احدى الصالات الرياضية الكبرى وصعد المدعوون إلى المنصة واختاروا أمكنتهم عليها، بيل كلينتون في الوسط الذي بقي صامتا بينما أخذت هيلاري الكلام. لقد اكتشفت الصحافة ووسائل الإعلام الأمريكية القومية الأخرى في ذلك اليوم تلك المرأة اللامعة ذات الشخصية الجذابة وبمنطق المتماسك. لقد عرضت أمام جمهور من ممثلي الحزب الديمقراطي في الولاية، وتحت أنظار زوجها المليئة بالاعجاب برنامج المرشح الذي تعرفه أفضل من أي شخص آخر، انه «بيل كلينتون». كانت تلك هي بداية السيرة السياسية لهيلاري كلينتون على المستوى الأمريكي إذ انها لم تغادر بعد ذلك مقدمة مسرح السياسة الأمريكية، ولكن ليس دائما كي تدافع عن برامج أو عن مواقف وإنما أحيانا كي تدافع عن زوجها. وقد لا يكون من المبالغة القول بأنها قد أنقذته أكثر من مرة من «الغرق السياسي» ان مؤلفة هذا الكتاب كريستين أوكرنت ترسم صورة سياسية معقدة لهيلاري، حيث تبدو في مختلف «حالاتها» من المناضلة لمؤازرة حقوق المرأة وحتى الزوجة «المهانة» بسبب سلوكيات «بيل» حيث تقفز قضية «مونيكا لوينسكي» مباشرة إلى الأذهان. كما تبيّن المؤلفة سمات عدة تتميز بها هيلاري كلينتون مثل: ذكائها السياسي ومواهبها في المحاماة وتماسكها الأخلاقي، ولكن أيضا «انتهازيتها» في الكثير من المواقف وحبها للمال. يعود اللقاء الأول بين هيلاري كلينتون ومؤلفة هذا الكتاب إلى أواخر عقد السبعينيات الماضي أثناء ندوة نظمتها المؤسسة الفرنسية ـ الأمريكية في جنوب فرنسا، كما كانت تفعل دوريا منذ سنوات، لمجموعة من الشباب من البلدين كي يناقشوا أمور الساعة. الخصوصية الوحيدة لأولئك الشباب هي أنه كانوا «واعدين بمستقبل باهر» كانت هيلاري رودام كلينتون هي احدى الحضور من الجانب الأمريكي، وحيث كان مكتوبا مقابل اسمها العبارة التالية: «دكتوراه في الحقوق من جامعة يال، محامية في مدينة ليتل روك في اركانساس، زوجة بيل كلينتون، الحاكم الديمقراطي لتلك الولاية». كان كلينتون نفسه غائبا، لكنه كان «حافزا» إذ لم تكن هيلاري تتوقف عن الحديث حوله: «بيل هو أصغر حاكم في الولايات المتحدة الأمريكية، إنه الأكثر شبابا، وهو شخص لامع سوف يتقدم أكثر فأكثر.. لقد أنجزنا اصلاحات كبيرة متنوعة سوف تكون مثالا يحتذى به، كما سترون انها تشمل ميادين التربية وحقوق المرأة والطفل، إننا سوف ننجح في مشروعنا. وسوف يتم انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي. ثم ذات يوم ربما رئيس للولايات المتحدة الأمريكية». هذا القول لهيلاري كلينتون في نهاية عقد السبعينيات أثار لدى مستمعيها، ومن بينهم كريستين أوكرنت، مؤلفة هذا الكتاب نوعا من الاستهجان، لما يحتويه من نزعة استعراضية على الطريقة الأمريكية. لكن بعد سنوات تحقق ما كانت هيلاري قد قالته، فهل يتحقق ما قاله بيل كلينتون عندما التقت به مؤلفة هذا الكتاب عندما كان رئيسا للولايات في مقابلة تلفزيونية كان أثناءها برفقة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. وأثناء الاستراحة قال بيل كلينتون عندما أخبرته المؤلفة عن معرفتها القديمة بزوجته، ما يلي: «هيلاري ليست السيدة الأولى من طراز الأخريات. إنها تفعل أشياء كثيرة، فاسأليها عنها.. انها هي أيضا ستتقدم أكثر فأكثر ـ ستذهب بعيدا». تبدأ كريستين أوكرنت «كتابها عن هيلاري كلينتون بما تسميه «الفوز»، وذلك عندما «تم انتخاب هيلاري رودام كلينتون عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي بنسبة 55% من أصوات الناخبين في مدينة نيويورك بعد حملة انتخابه كانت الأطول والأكثر كلفة في تاريخ الكونجرس الأمريكي، «لقد انتصرت على خصمها الجمهوري، «ريك لازيو»، هتفت هيلاري يومها في نهاية كلمة مقتضبة وجهتها لسكان نيويورك: «شكرا نيويورك». وفي عام 1993، أثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفوز بيل كلينتون بها قال بصوت عال عن زوجته: «إنها من بين جميع الذين عرفتهم الأكثر كفاءة على تقديم خلاصة مشكلة معقدة وإيجاد الحلول الملائمة لها». لم تكن هيلاري من النوع الذي يفضل الجلوس على المقاعد الأخيرة في قاعة الدرس. بل كانت تحب دائما البروز والأضواء والمسئولية. إنها ابنة أسرة بورجوازية صغيرة من وسط غرب أمريكا. تربت على احترام الدين والأسرة والمجتمع وحب العمل. وقد بدا تعلقها بالأسرة من واقع أنها أهدت فوزها في انتخابات نيويورك لعضوية مجلس الشيوخ إلى أمها وإلى رجل حياتها الذي كان لايزال رئيسا للولايات المتحدة لبضعة أيام فقط. كان بيل كلينتون يقف وراءها يومذاك صامتا مبتهجا يمسح دمعة عندما توجهت منفعلة عضوة الكونجرس المنتخبة لأولئك الذين أولوها ثقتهم. كانت هذه المرأة «المستقرة» هي نفسها التي كتبت عنها صحيفة النيويورك تايمز في نهاية عام 1998 عنوانا على صفحتها الأولى يقول: «المرأة الأكثر تعرضا للمذلة في التاريخ الإنساني». وكانت هيلاري قد ناضلت طيلة ذلك العام كي تنقذ أسرتها وتنقذ رئيس الولايات المتحدة بعد فضيحة مونيكا لوينسكي الشهيرة والهجوم الشرس الذي شنه المحقق «كنث ستار» ضد الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون، ويومها أيضا قالت هيلاري كلينتون: «ان ما يقولونه هو حملة من الاضاليل! إنها مؤامرة كبيرة يعدها اليمين المتطرف! وليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها هؤلاء الناس اسقاطنا.. وهذه المرة أيضا لن ينجحوا في مسعاهم». وبالفعل بقيت أسرة بيل وهيلاري كلينتون متماسكة وأكمل الرئيس الأمريكي ولايته حتى اليوم الأخير. لكن تلك النهاية السعيدة لقضية مونيكا لوينسكي لا تخفي واقع اللحظات الصعبة التي عاشتها هيلاري كلينتون ومدى الاضطراب الذي عرفه محيطها كما يبدو من تصريحات بعض أولئك الذين كانوا من أقرب المقربين لهم مثل «ديك موريس» الذي اشتغل معها ولهما طيلة سنوات عديدة كمستشار سياسي ووصل به الأمر إلى القول بأنه لم يعد يريد أن يسمع بذكرهما: «لقد سئمت منه ومنها ومن الزوجين معا، ومن الأسئلة ومن الأجوبة». وأيضا مثل جورج ستيفانو بولوسي، الذي كان أقرب مستشاري كلينتون في فترة رئاسته الأولى 1992 ـ 1996 الذي قال لمؤلفة هذا الكتاب عند مقابلتها له بشأن كتابها: «لقد سئمت، هل تفهمين؟ لقد سئمت من الزوجين كلينتون. ولم أعد أريد التفكير بهما، هو وهي». عاشت هيلاري طفولة هادئة سعيدة ومحافظة، وناضلت عند وصولها إلى الجامعة في صفوف الحزب الجمهوري، بل وساهمت عام 1964 في الحملة الانتخابية لصالح المرشح المتطرف في رجعيته باري جولدووز، للرئاسة. أحد أساتذتها تنبأ لها آنذاك بالقول: «سوف تذهبين إلى ويلسلي، وهناك ستصبحين ليبرالية «ديمقراطية». أجابته هيلاري آنذاك قائلة: «مستحيل، أنا لست غبية، أعرف كيف أفكر. وسوف لن أتغير». لكن نهاية سنوات الستينيات رأت المجتمع الأمريكي تعصف به رياح الاحتجاجات المختلفة. وفي عام 1968 اغتيل الزعيم الأسود «مارتن لوثر كنج»، وكانت هيلاري قد استمعت إليه ذات يوم في شيكاغو وفي الفترة نفسها ضاعف الرئيس الأمريكي ليندون جونسون من الجهود الحربية الأمريكية في فيتنام. واغتيل روبرت كنيدي في كاليفورنيا. وفي صيف 1968 كانت هيلاري من مناصري «نلسون روكفلر» بأن يكون مرشحا للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية باعتباره كان معتدلا بينما دعم والدها المرشح الآخر ريتشارد نيكسون. بعد أسابيع عدة وأثناء ندوة للديمقراطيين في شيكاغو قام رجال الشرطة بقمع طلبة شباب مثلها. فما كان منها إلا أن قررت بأن تحضّر أطروحتها عن برامج الحكومة ضد الفقر بعد أن كانت قد قابلت «سول الينسكي» المنظّر والمناضل حول الحقوق المدنية بالنسبة للسود ـ الأفارقة الأمريكيين كما سادت التسمية فيما بعد». حازت على أعلى الدرجات عن اطروحتها مع توصية باستكمال دراسات الدكتوراه في الحقوق بجامعة هارفارد أو جامعة يال اللتين تعتبران بمثابة «قمة» في هذا الميدان. وقد كتب أستاذها «آلان شيكتر» على ملفها العبارة التالية: «طالبة استثنائية، تمتلك القدرات الشخصية والثقافية التي تؤهلها لتقديم مساهمة مرموقة للمجتمع الأمريكي». وكانت مجلة «لايف ماجازين» قد كرست في عام 1969 ملفا خاصا للشباب الذين يمكن أن يكونوا بمثابة آمال بالنسبة للمستقبل. وكانت صورة هيلاري بين صور الطلاب الأكثر موهبة في البلاد. وكان مدير اطروحة هيلاري، مثله مثل اختها دوروثي وزملائها في الصف، يعتقدون بأنها يمكن أن تصبح المرأة الأولى التي تصل إلى رئاسة المحكمة الأمريكية العليا. لم تكن هيلاري رودام تهتم بمظهرها الخارجي. لم تكن أنوثتها هي التي تؤسس لصعودها بين زملائها وانما حيدتها الفكرة وذلك «السحر المغناطيسي» الذي كانت تمارسه على رفاقها وأساتذتها على حد سواء. وذات يوم عبّر عنها أحد الشباب قائلا: «هذا أجمل شيء رأيته يمشي على ساقين». كان صاحب هذا القول يتحدث بلكنة أهل الجنوب وكان يلاحقها منذ أكثر من شهرين دون أن يتجرأ على التحدث معها. وكان يعرف عنها بأنها بارعة في مادة الترجمة، وانها نجمة في الجامعة، جريئة وملتزمة وصورتها منشورة في مجلة «لايف ماجازين» وانها صاحبة أكثر الخطباء تأثيرا في الجامعة وكانت تختار أينما حلّت في قاعة الطعام أو المكتبة، مكانا في مواجهتها على بعد خطوات ولا تفارقها نظراته. وذات يوم تقدمت منه قائلة: «اسمع» إذا تابعت التحديق بي بهذه الطريقة، فإنني سوف أفعل مثلك، لذلك من الأفضل اذن أن نتعرف على أسمائنا، اسمي هيلاري رودام». ظل صامتا، والحمرة تكسو وجهه. بل بدأ يتلعثم وهو ينطق باسمه وهو المشهور باجادته للحديث، وحيث أن مواهبه وامكانياته الشخصية كانت سببا في انتشاله من محيط الفقر في اركانسا فهو مجهول الأب وأم ممرضة تزوجت بصاحب مرآب سكير.. لم يكن ذلك الشاب سوى «بيل كلينتون» كان عمره آنذاك 24 عاما. كان كل شيء يجمع بينهما ويضعهما في موقعين متناقضين، كان حالما يحب رواية القصص، انفعاليا، وغائما في اجاباته وأفكاره. أما هي فقد كانت محددة دقيقة عقلانية.. وكانت أفضل منه في دراسة الحقوق.. لقد عرفت كيف تفرض نفسها عليه. ولم يفترقا بعد ذلك، لاسيما وأنه كان يحمل في أعماقه ما كان يجذب هيلاري أي «الطموح وارادة تغيير العالم». إن مؤلفة هذا الكتاب تقدم نوعا من السيرة الذاتية لحياة هيلاري كلينتون ولكن ضمن اطار علاقاتها مع الرئيس الأمريكي السابق. حياة قطباها الرئيسيان هي الحب والسلطة بكل ما يحيط بهما من انفعال وأهواء ودسائس ومؤامرات. وما يؤكده هذا الكتاب هو ذلك التمازج الهائل بين الحياة الخاصة وبين المسيرة العامة لهذين الزوجين وحيث أظهرت هيلاري كلينتون انها امرأة تريد كل شيء، السلطة والسعادة والأمومة والاستقلال والنجاح.. والتي ربما تريد أن تصبح ذات يوم أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية