بيان الكتب: تقع أحداث رواية «بول ثيروكس» الجديدة «فندق هونولولو» في هاواي حيث يقيم هناك الآن، وقد أجرت صحيفة «الأوبزرفر» اللندنية هذا الحوار معه مؤخراً. ـ عم تتحدث الرواية؟ ـ من وجهة نظري فإن رواية «فندق هونولولو» هي كتاب يتحدث عن مكان من الصعب أن يكتب عنه، هناك مكانان من الصعب ان يكتب عنهما، مكان كبريطانيا، انجلترا على وجه التحديد التي كتب عنها الكثير والمكان الذي لم يكتب عنه على الاطلاق، لقد سعيت هنا إلى ابتكار صيغة ملائمة للكتابة عن المكان الذي أعيش فيه منذ 11 سنة. ـ هذه هي المرة الأولى التي يكتب فيها عن هاواي؟ ـ لا أعرف شيئا عن أي كتاب آخر، وهناك كتب عن هاواي مثل كتاب «جيمس. أ. ميتشنر» بعنوان «قصص جنوب المحيط الهادي» وروبرت لويس «ستيفنسون» الذي لم يحبها، وكان يعتقد بأنها كانت سخيفة مليئة بالبعثات التبشيرية وغير مريحة، ولم يعجبه جوها، فرحل إلى جزر ساموا . ـ الكتاب أيضا يتحدث عنك بلا شك. ـ لنقل انه نسخة مني لقد أردت أن أكتب عن كاتب توقف عن الكتابة، شخص يعاني من عقدة الكتاب، أنا استمتع بهذا كثيراً، لأني (وأمسكي الخشب) لم أصب بها قط، إنها عن رجل يعاني من التوقف عن الكتابة لمدة عشر سنوات بينما نشرت أنا في هذه الفترة 10 أعمال. ـ عموماً أردت أن تقول، وفي هذا الكتاب أكثر من أي وقت آخر أن كل الأعمال الروائية هي بشكل أو بآخر سيرة ذاتية، وان كل كتب السيرة الذاتية أعمال روائية. ـ حسنا، أتصور ان هذا صحيح، كل شيء رواية، ان ما لديك هو حياتك الشخصية، لتشتغل عليها بنفس الطريقة التي يعمل بها كاتب السيرة الذي يمتلك الرسائل والمذكرات والصحف. ـ ما هو دور القصة إذن؟ ـ قول الحقيقة وأعتقد انها نسخة من الحقيقة التي تتكون من.. ـ أكاذيب؟ ـ خيال، تأمُل أكثر منه كذب، وعلى الرغم من ذلك فهو الشيء الأكثر صدقاً لأنه أجمل ما فيها، ولهذا يستمر الناس في قراءتها، ولهذا فإن حاجتنا إليها مستمرة. ـ يقول الراوي «لقد كنت كاتبا فيما مضى»، هناك الكثير من النقد الذاتي وعدم الرضى عن النفس في هذا الكتاب، هل يوازي هذا النقد في قسوته ما ورد في كتاب محنة جلبرت بنفولد؟ ـ هناك ما يشبه هذه القصة وهذا لا يعتبر نقدا ذاتيا قاسيا، أعتقد انه يشبه التطهر من الخوف، ومن عدم القدرة على الكتابة. ويمكنك القول كذلك بأنه تعويذة تحميني من عين الحسود، ان عدم القدرة على الكتابة ليست هي الشيء الوحيد الذي يخيفني الواقع هو انني لا أجيد عمل أي شيء آخر. ـ هل كنت تتمنى دائماً ان تكون كاتباً؟ ـ لا، ما أردته بالفعل هو ان أكون فرداً نافعاً، كنت أحلم بأن أكون طبيباً إلى درجة أنني كنت استعد لهذا. ـ لكن كيف تغير هذا؟ ـ كنت في طريقي إلى كلية الطب لكن هذا ما درسته في الجامعة.. العلوم وعلم الأجنة والكيمياء. ـ لما كبرت صرت تقرأ لمن أيضاً؟ ـ كنت أقرأ كتب الرحالة والأشخاص الذين يعملون في أكثر من مهنة، كالطبيب الكاتب المستكشف الطبيب والكاتب الرسام والكاتب المكتشف. ـ مثل من؟ ـ حسنا.. تشيخوف، سومرست موم، جرين وادوارد لير، لقد أحببت وما زلت أحب لير، وفي النهاية وبسبب فيتنام إلى حد ما اعتقد بأنني كنت أريد فقط مغادرة البلاد والاختفاء في مكان ما حتى لا أتورط في المشاركة في الحرب، ولذلك فقد ذهبت إلى أفريقيا. ـ عشت في أفريقيا وبعد ذلك لندن، وها أنت الآن تعيش في هاواي، هل أنت مغترب بالفطرة؟ ـ أنا لست بهذا الشكل الذي تتصوره فكل ما هنالك انني عندما بدأ يتوفر لدي المال أخذت أفكر فعليا في ان يكون لي مسكن. ـ المسكن الذي كان هنا في لندن بالتأكيد؟ ـ أجل ولكنني عشت فيه كالغريب، كنت أشعر بأنني لا أختلف عن المخلوقات القادمة من الكواكب الأخرى على أية حال، وما ان توفر لي المال حتى اشتريت مسكنا آخر في «كيب ود» بالقرب من المكان الذي نشأت فيه، وكنت اعتبره وطني ، أي نعم كنت غريبا، إلا انه كان بوسعي ان آخذ طائرة من هناك وأعود إلى وطني لقد كان وضعي مختلفا عن وضع «رمبود» في اثيوبيا، الكاتب الذي توقف عن الكتابة، فقد توقف عن كل شيء. ـ لكن «الأنا» التي يصادفها القارئ كثيراً في هذا الكتاب التي ترمز إلى شخصية بول ثيروكس تؤكد في الواقع انه كان قد توقف عن القيام بأي شيء. ـ كل شيء نسف جسوره ولم يكن باستطاعته ان يتراجع عن موقفه بسهولة. ـ أنت تعبر عن نفسك بشكل مسرحي، لماذا؟ ـ هذا ما أشعر به أحيانا. ـ كيف كان شعورك عندما وجدت نفسك في هاواي للمرة الأولى؟ ـ كنت أشعر بأنني مقطوع ولو نظرت إلى الخارطة لاكتشفت ان هاواي ليست في أي مكان في العالم فهناك 17 ساعة من السفر إليها عبر مطار لندن وهناك الاحساس كما لو أنك تعيش على كوكب آخر، لكنني أحب هذا فهو يوفر أجواءً ملائمة للكتابة. ـ لقد كتبت «احد أهم مصادر الابتهاج لدي، وأنا أعيش في هاواي هي ان ماضي لا يهم أحداً». ـ نعم، أنت ورقة بيضاء هناك «هولي» أو روح أخرى، أنت مجرد شبح، طيف هذا هو الغريب في غالبية المجتمعات. ـ لكنك أيضا انسان مثقف وانت ضليع في الأدب وكتبك مقروءة وأذكر جيداً علاقتك وارتباطاتك القوية بالأوساط الأدبية والثقافية في لندن ألا تفتقد هذا؟ ـ لا.. لا أفتقده حقيقة، عندما كنت في لندن كنت أعيش في منزل سعيد وكنت أنعم بحياة عائلية دافئة وكنت أحب هذا الشيء أكثر من حبي لمجتمع المثقفين والأدباء، وكنت أعرف وما زلت أعرف أغلب الكتاب المقيمين في لندن ومجتمع المثقفين هذا مجتمع دافئ بمعنى ان الناس هناك يعرفون بعضهم جيدا، وقد كتبت موضوعا رثيت فيه «بروس تشاتوين» لقد تآزر كل من حضر جنازته، كانوا يعرفونه وكانوا يعرفون بعضهم، أما وفاته فقد كانت العلامة التي تؤرخ لحقبة من التألق الابداعي. ـ علاقتك الزوجية كانت قد انهارت أو كانت في طريقها إلى الانهيار؟ ـ لم يكن الأمر على هذه الصورة تماماً، ومن الصعب علي أن أتحدث عنه إلا انني كنت انسحب في ذلك الوقت ولا أعتقد ان زوجتي كانت هي السبب، وإنما أنا وكنت أشعر بعدم الارتياح، الشعور الذي بدأ في سنة 1989 ومعه كنت أحس بأنني غير ضروري وزائد على الحاجة كنت أشبه «أوبلوموف» وكنت أتساءل عما كنت أفعله وأتساءل عن الحياة. ـ ألهذا السبب ذهبت إلى هاواي؟ ـ عندما انفصلنا أنا وزوجتي السابقة ذهبت إلى المحيط الهادي، وأخذت أطوف بجزره وأمضيت شهوراً وقد كتبت عن هذا في كتابي «جزر أوشيانيا السعيدة» وعلى الرغم من انها لم تكن الاجابة الشافية إلا انها كانت تكفي، إذا كانت في رأسك فكرة، فإنها تساعدك فعلا على ان تكون لوحدك وان تعيش بين أناس غرباء في بقعة مختلفة تماما، وهذا لا يتأتى لك وأنت تعيش في القرية العالمية، لأن الناس يمتلكون هواتف متحركة. ـ لديك هاتف؟ ـ لا، لقد تركته معطلاً هناك، انه يحاول الموت بالنسبة لي، ولم أر أحداً يتحدث فيه هنا، انه مضيعة للوقت. ـ لديك بريد الكتروني؟ ـ في أثناء السفر.. لا.. وإنما في الأوقات العادية. ـ هناك الكثير من المغامرات العاطفية والانغماس في الملذات في «فندق هونولولو»؟ ـ قيل لي هذا في السابق. ـ وفي هذه الرواية أكثر من أي وقت سابق، فهل كنت تعبر عن الصورة التي تبدو عليها هاواي، أو عن صورتك أنت؟. ـ ربما كان للحياة في الفنادق أثر في ذلك، وهذا ما ينطبق على هونولولو البلد الذي تفد إليه أعداد كبيرة جداً من السياح. ـ هل هو فندق حقيقي؟ ـ لا، انه من اختراعي. ـ لقد كتبت «ان المكان الوحيد الذي يمكن ان يتحول إلى جحيم حقيقي هو المكان الذي كان كالفردوس في يوم من الأيام» هذا ما تريد ان تقوله عن هاواي؟ ـ نعم قلت، لأنه فردوس غزته السيارات والتلفونات النقالة. ـ ما هو رأي أهل هاواي في كتابك؟ ـ قد لا يحبونه، ان الناس الذين لا يقرأون كثيرا تؤذيهم الكتب، ولو انهم راجعوا الكتاب في هاواي لتمت مقاطعته عالميا، ان مجرد الكتابة عن هاواي تشكل خطراً كبيراً، وهناك أشخاص حقيقيون في الرواية لكن معظم أشخاصها هم أناس ليسوا على قيد الحياة. ـ إذن فقصة «اديل» مستوحاة من الواقع وهذا لا ينطبق على قصة «ظل سيرفيديا» أليس كذلك؟ ـ ان قصة سيرفيديا هي كل ما أذكره وما أعرفه عن صديقي «ف.س. نيبول» الذي كانت علاقتي به تشبه علاقة السيد بالخادم، لقد كان بسلوكه هذا يسبب الضيق للآخرين وكانوا يقولون أشياء غير صحيحة ويقدمون له عكس ما يريد، وكانوا يقولون أشياء غير صحيحة عن كتبه. وعندما رحل أخيراً قالت «ديان اثيل» لقد سررت لدى سماعي نبأ موته، كان ذلك انفراجاً، لقد بكيت من الفرح، لن أضطر إلى معاملته بلطف بعد الآن، ان رحيله يشبه بيع يختك». ـ لكن الكتاب لا يتحدث عن الانفراج في حياة الناس فقط. ـ لا تستطيع الكتابة عن صديق لكنك تستطيع ان تكتب عن صديق سابق، إنه أفضل ما كتبت وأعتقد بأنه مقنع. ـ لقد رسمت نفسك بشكل بعيد عن الغرور والاطراء. ـ لقد حاولت كثيرا، كيف أكون قاسياً عليه، وليس على نفسي، لقد أثار الكتاب اعجاباً حماسياً زائفاً، لكن هذا سيقل مع مرور الوقت