بيان الكتب: «يركز ثيروكس في كتاباته الروائية والنثرية على تضخيم مأساة الغربي المنزوع من بيئته الذي يعيش في اماكن كالمستعمرات السابقة في افريقيا وآسيا. تشبه رواية «فندق هونولولو» الرواية الاخيرة للكاتب الامريكي «بول ثيروكس» الكابوس وهي تعالج مشكلة كاتب كبير يعاني من عقدة الكتابة التي تصيب صاحبها بالرغبة في التوقف عن عمل اي شيء دون ان يستثنى من ذلك الاستمرار في الكتابة. ويشبه ثيروكس «جراهام بل» في اختياره موضوعات غريبة تدور حول تصوير حياة الناس خارج اطار الثبات التي ينتمون اليها اصلا. وكما هو في رواية «كولون تونج» التي تحدث فيها عن مأساة حياة اهل «هونج كونج» في الصين وفي روايات اخرى كان قد تحدث فيها عن حياة اشخاص في مجتمعات وسط بين البيضاء والصينية كما في سنغافورة «سانت جاك» وفي ادغال امريكا الوسطى «ساحل البعوض» او عن حياة الاشخاص الاكاديميين الذي يجدون انفسهم في مجتمعات لا تمت الى حياتهم الحقيقية بصلة «شارع هاف مون» فإن ثيروكس يسلط الضوء هذه المرة على حياته في «هاواي» الجزيرة التي يعيش فيها بشكل جزئي أو كما يسميها «الفردوس المفقود» الذي كان هكذا ذات يوم. والواقع ان احساس ثيروكس بالمكان يتدفق بقوة ولا يبقى امامك انت كقاريء إلا ان تتأكد من انه القاسم المشترك الذي تتميز به كل اعماله الروائية وغير الروائية الاخرى التي تعالج مأساة الانسان الغربي الذي يضطر او يجد نفسه مجبرا على الانفصال والانسلاخ عن بيئته الاصلية اجتماعيا وثقافيا. في رواية «فندق هونولولو» يبدو توجه ثيروكس الى ابراز وجه هاواي الثقافي معتمدا على رؤيته كسائح شديد الوضوح. فحين يجد نفسه في مكان هو «كالفردوس» الذي تدمره اقدام السياح وموجة الحداثة والتقدم الحضاري والسيارات والتلفونات المحمولة .... و ..... في فندق صغير في «وايكي» حيث يقيم مواطنوه الامريكيون المنتمون الى الطبقة الوسطى من المجتمع الامريكي ليواصلوا احلامهم الوردية لايجد امامه بداً من مواصلة البحث عن جوهر الحياة الحقيقي في الجزيرة الشيء الذي لم يشر اليه من قبل لا الرحالة ولا الكتاب الروائيون ولا الشعراء الاجانب في مذكراتهم كما يجب ان يكون عليه الامر في الاشارة الى خصوصية المكان بكل تأكيد. يعيش في فندق هونولولو الكبير الذي يشبه السفر اليه السفر عبر رحلات الاحلام او رحلات الانتقال في حكايات كانتربري عدد كبير من السياح الوافدين الى هاواي الذين يقيمون موزعين على غرفه الثمانين ولا يتأخر المؤلف عن الاشارة الى هؤلاء التائهين على نحو لاذع شديد القسوة. ان كل واحد من هؤلاء كان قد وصل الى هناك ضمن رحلة البحث عن شيء مهم في حياته يبدو كالامسية وبينما كان البعض يبحث عن الحب او الشمس او السعادة فإن لكل واحد ايضا حكاية خاصة وظروف معينة تتحكم في مجريات حياته سواء كان هناك ليمضي اجازته السنوية او اجازة شهر العسل او الترحل والانتقال من مكان الى مكان وسواء كان اولئك الاشخاص هم من الجنود او الذين يصطحبون افراد اسرهم او الحالمين لكن يصادف وجود هؤلاء وصول كاتب تطارده عقدة الكتابة اينما ذهب سواء في علاقته بالاصدقاء او علاقته العائلية او في منزله او ظروفه المادية وكل ذلك دون ان يفصح ثيروكس عن اسمه هو الامر الذي يثير الشكوك في أنه هو. في «فندق هونولولو» لاشيء يمنحك متعة استنشاق رائحة المكان سوى اسلوب «بول ثيروكس» الذي يحتشد في كتابه عشرات الاشخاص وعشرات الرؤى ووجهات النظر التي تعبق بعطر الفردوس الذي يسمونه هاواي والذي يتوجه اليه الراوي «الكاتب» في البداية ضمن خطته الأولية للهروب من عالم الثقافة والأدب والاذى الذهني ليجد ما يفرض عليه ممارسة الكتابة وهو في خلوته التي يتكشف فيها امام ناظريه العالم الخارجي لينعكس في كتاباته المتخيلة عن هذا العالم الشيء الذي يحرضك على القول بأن ما يقوم بتأليفه في الواقع لا يمكن الا ان يكون شيئا من ابتكار ثيروكس ومن مغامراته الحقيقية في هاواي. إن ثيروكس يكتب هنا انطلاقا من تجاربه الشخصية التي طالما اشعرنا او امتعنا بها وهو يعبر عن احساسه بالاغتراب وعن موهبته كدليل سياحي لعوالم خارجية او داخلية اغلبها يشبه الخيال ما تظهر كتبه. ورواية فندق هونولولو كما يعتبرها العديد من النقاد عمل يجمع في مكوناته الروائية بين العناصر الروائية وعناصر الخيال المفرط على الرغم من كونها اقرب الى البحث الدقيق في الثقافة الحقيقية لهاواي. فهي في اسرافها في التصوير الخيالي لعناصر الجمال التي تتميز بها الجزيرة تصادفك وانت تقرأها قصص صغيرة في داخل القصة وكلها ملونة جميلة حالمة عن الحب والعلاقات الرومانسية والصعود والهبوط والصفقات والمغامرات وغيرها من الاشياء التي تجعلك تتصورها شيئا شبيها بألبومات الصور الجذابة التي يحّيى فيها ثيروكس قصة الفردوس المفقود الذي يحمل نفس التاريخ ونفس الاسم الذي يحمله الكاتب. ان للقاريء الحق ايضا في ان يتصور ان هذا العمل الروائي السافر المشاكس الذي ينطوي على الكثير من عناصر الغرابة القصصية المفرط في تناوله لأمور كالاسراف والتمادي والانغماس في الملذات الحسية الظاهرة المميزة التي تمر بها هاواي على ايامنا هذه تفضح زيف الاسطورة القائلة بأن هاواي لاتزال هي جنة المصطافين الذين يقصدونها كوجهة سياحية. والابطال الرئيسيون في رواية «فندق هونولولو» هم الراوي الذي لا يعرف الكاتب باسمه على الاطلاق ويعتمد في وصفه على القول بأنه كاتب مصاب بعقدة التوقف عن الكتابة وانه لا يتردد في قبول العرض الذي يقدمه له مالك الفندق الذي يقيم فيه لادارته بعد اتخاذه قرارا مفاجئا بالتنازل عن الادارة وعن صلاحياته لرجل امريكي. ومالك الفندق المليونير الفظ «جودي همسترا» الرجل الفاشل في كل امور حياته بما فيها حياته العملية الذي ينسحب فيبدو أمر انسحابه في غاية الخطورة لاسيما لدى تعيينه الكاتب الذي لا يحمل اي مؤهل سوى جنسيته الأمريكية الامر الذي يقبله ظنا منه بأنه السبيل الوحيد للهروب من عالمه الذي كان قد يئس فيه حتى من الكتابة لكن ذلك العالم الذي يقتحمه بالصدفة يبدو له مثل الحكاية الاغرب من الخيال، يعيش فيه المحامي الثري الذي يعاني من الاكتئاب ويحلم بالسعادة وهناك ايضا كاتبة عمود فضائحي متورطة في علاقات غرامية غير سوية والبطل الذي يتورط في علاقة غرامية وهمية مع امرأة يقابلها في اعلان على صفحات احدى الجرائد. وحتى في هذه المواقف المعقدة المحيرة التي تحتاج الى واقعية التفكير لا يتورع ثيروكس عن توجيه السخرية والنقد اللاذع لشخصياته وعلى رأسهم اهل هاواي الاصليين ومنهم زوجته الجميلة «كلهم بلهاء ساذجون» وهنا لا يستثنى سوى اشخاص قليليون هم الراوي و«ليون اديل» كاتب السيرة الحقيقي «لهنري جيمس» ومع ان الراوي يبدو مملا في بعض الاحيان إلا أن روايته تبدو في منتهى الهدوء والمرونة والوضوح تماما كغيرها من الاعمال الروائية التي كتبها ثيروكس من قبل. وثيروكس في روايته الجديدة رغم انه يكرر نفسه إلا انه قادر على الافلات من هذا الانتقاد بالاعتماد على ذكائه وحدة ذهنه فهو قاص لا تطرف عيناه يمتلك مزاجا من نوع خاص يؤهله للمشاكسة والخروج على المألوف والدخول في كل مرة في مغامرة جديدة مفصولة عن الاخرى تتألف منها الرواية المؤلفة من 80 فصلا التي يجمع بينها خيطان هامان هما عودة الكاتب الى حالته النفسية الطبيعية (رغبته في الكتابة) والتطورات الخطيرة التي تتعرض لها حياته في مجتمع الفندق والتي تمنحه مادة خصبة للتأمل والتخيل وممارسة الكتابة بلا توقف. ينجح المؤلف في نقل صورة صادقة عن الحياة في هاواي كما لم نرها في كتاب آخر ورغم كونها صورة ساخرة لعالم عائم منفصل جغرافيا إلا انه ايضا عالم امريكي بمن يعيشون فيه في اشخاص شبه منتمين الى الجزيرة. ولا يوجد ما يعيقه عن القيام بعمله هذا رغم انه ينقل في الحقيقة صورة تقليدية يحولها بذكاء وحدة ذهن الى صورة غير عادية طازجة واصيلة تثرى معلومات القاريء عن هذه المنطقة البعيدة جغرافيا التي لا توجد في حوزته صورة طبق الاصل عنها. كما ان ما يفعله بول ثيروكس في النهاية هو اقتفاء اثر كتاب كبار منهم «سومرست موم» و«كونارد». تعرف عن ثيروكس قدرته الفائقة على وصف الاماكن والناس باستخدام اقل عدد من المفردات المناسبة وعلى ابتكار شخصيات قابلة للتصديق تملك مبررات واضحة لتصرفاتها. كما ان سخريته غير المتعمدة من تلك الشخصيات التي تفقد كل شيء واختياره الذكي لبطل تطارده لعنة عقدة الكتاب هي من بين العناصر الرائعة التي تجعل اسلوبه الروائي نابضا بالحياة لايمكن للقاريء الا ان يتفاعل معه. اعداد ـ مريم جمعة فرج