يعتبر الفنان الدكتور سليم سروة من الفنانين الذين أسهموا في ايجاد مناخات لموسيقى عربية اصيلة، سواء عبر مقطوعاته الموسيقية أو عبر ألحانه لاغنيات الفنانين. كما يعتبر من أهم عازفي القانون في الوطن العربي، حيث قدم معزوفاته وألحانه على مسارح العالم بدءا من أوائل الستينيات، كما رافق الرحابنة منذ مطلع الخمسينيات، وكذلك الفنان صباح فخري، تاركا لنا قرابة تسعمئة لحن موسيقي، وقد منح شهادة الدكتوراة من كلية التربية الموسيقية في جامعة القاهرة. التقيناه وأجرينا معه الحوار التالي: ـ ما الذي جاء بك الى الموسيقى؟ ـ نحن كعائلة توارثنا حب الموسيقى والاشتغال بها منذ مئات السنين، فوالدي كان مطربا وملحنا وضارب ايقاع، وكان مشهورا في مدينة حلب، وقد تنقل في العواصم العربية ملحنا ومغنيا، وكان من أعضاء الفرقة الموسيقية التي تشكلت في سوريا وذهبت الى اذاعة القدس في فلسطين، وكان معه الشيخ علي الدرويش وعمر البطش واسعد رستم وفهد الجنيات وأمير البزق محمد عبدالكريم. أما السبب المباشر فهو ذلك الخلاف الذي نشأ بين أبي كمطرب وبين عازف القانون، حيث لم يكن يتجاوب معه اثناء غنائه الموال والليالي، لذلك طلب مني ان أبدأ بالعزف على القانون. وهكذا بدأت في بيتي كل ما فيه محب للموسيقى. ثم تابعت دراستي لهذه الآلة على يد عازفين معروفين في الساحة الموسيقية منهم عبدالفتاح منسي، سوف بتروني، ويحيى السعودي. ثم أصبحت رئيسا للفرقة الأولى في اذاعة دمشق وكان ذلك عام 1956، وقد كلفت بتدريس وتعليم العزف على القانون عندما افتتح المعهد العربي للموسيقى في بداية الستينيات من القرن الماضي، وهكذا حتى منحت شهادة الدكتوراه في الموسيقى من جامعة القاهرة. ـ ما هي أهم المحطات الموسيقية في حياتك؟ ـ هناك عدة محطات اعتبرها مهمة، لعل أولاها: عندما كلفت بتأليف ألحان الدورة العاشرة للبحر الأبيض المتوسط الرياضية، وقد نلت جوائز مهمة من خبراء سوفييت في الموسيقى. المحطة الثانية: لقائي مع الموسيقار محمد عبدالوهاب عدة مرات في بلودان ودمشق وفرنسا، وكنت مع الاستاذ صباح فخري وكان دائما يقول لي «يا أستاذ سروة أنت قاعد بتعمل هناك ايه؟.. ما تجي على القاهرة مكانك عندنا». كان يدعوني دائما للذهاب الى القاهرة للعمل معه، وللعمل في الوسط الفني هناك، لكني كنت اعتذر، فقد كان وضعي في بلدي جيدا والاولاد كانوا صغارا، اضافة لحبي للركود والهدوء. أما المحطة الثالثة: عندما تشكلت لجنة موسيقية بعد وفاة عازف القانون الشهير محمد عبده صالح وجاءت هذه اللجنة الى دمشق حاملة رسالة من «أم كلثوم» تدعوني فيها للانضمام الى فرقتها كعازف قانون، وكان ذلك في بداية السبعينيات، طبعا لم تساعدني الظروف، واعتذرت رغم اني الآن ربما أشعر ببعض الندم. ـ يقال ان الاغنية السورية قاصرة على الانتشار لأسباب كثيرة.. ما رأيك؟ ـ كتبت منذ فترة قريبة مقالا في جريدة «الرأي» الاردنية قلت فيه ان المعايير اختلفت، المطربة مهما كانت جميلة فإن ذلك لا يكفي لكي تكون مقنعة اذا لم تمتلك صوتا جميلا وحسا موسيقيا سليما. الدراسة لابد منها لتصبح الموهبة حاضرة وقادرة على العطاء المؤثر والجميل والمتجاوز. أما على صعيد الالحان فأنا أرى ان معظم الالحان الحديثة هي ابنية مقامة على الرمال، وهذه تختلف عن القصر المشيّد على صخور قوية، وأقول ببساطة: للموسيقى لغة خاصة على من يريد ان يشتغل بالفن ان يتعلمها، وهناك مدرسون مختصون ومعاهد مختصة. سمعت أخيرا بأن بعض الملحنين يلحنون أغاني شبابية على الكمبيوتر، فماذا يعني ذلك؟ يعني انه لا يعرف الموسيقى وبخاصة موسيقاه العربية. يأتينا في الاذاعة والتلفزيون هدايا يومية، أشرطة غنائية وفيديو كليب، وهكذا تعرض اذاعيا وتلفزيونيا، ومعظمها كلام سخيف ملحن بشكل عشوائي بعيد عن الدراسة والعلم. لذا فأنا أضع اللوم ايضا على المستمع أو المشاهد فهو يساهم في ترويج هذا الهراء حين يرفض ذلك فإنه يقدم رأيا نقديا يساهم في رفع الذائقة الفنية. وما نراه في أكثر الاوقات هو ايقاع مرتفع وزعيق لهز الخصر لا أكثر.. هل نسمي ذلك فنا؟ انه ضجيج! ـ ألا ترى ان تقديم الجميل المبني على معرفة بموسيقانا العربية يساهم في رفع الذائقة الفنية وطرد ما هو غير أصيل، وبالتالي فإن الإعلام مساهم في هذا الانحدار؟ ـ طبعا، حين نقدم ما هو مبني على تراثنا بناء علميا معرفيا وجميلا فإننا نكون قد خدمنا شعبنا. رافقت الفنان الكبير صباح فخري في كل جولاته في العالم، لم يغن يوما الا الأغاني الاصيلة المبنية على قاعدة صحيحة وسليمة مدروسة وهو بذلك يرفع الذائقة، لكننا في المقابل نرى بعض النقابات الفنية التي تقبل الاغاني التي لا يتوفر فيها أي شرط فني مقبول. وكذلك المخرج الاذاعي والتلفزيوني الذي يريد تعبئة فترته، وبعضهم يقول «ان الشباب لا يريدون ذلك»، وهذا ليس صحيحا، حين نقدم ما هو أصيل فإننا نحافظ على كينونتنا وشخصيتنا وانساننا الداخلي. ـ من هنا لكل شعب خاصية تميزه عن الآخر فنيا.. موسيقيا.. والموسيقى العربية لها خاصيتها في ربع الصوت والقفلة والعودة الى نغمة القرار.. كيف يمكن ان نحافظ على هذه الخاصية في زمن العولمة؟ ـ في البداية اردنا لموسيقانا العربية ان تستمر، وان نستمر معها، فلابد لها من ممارسة عملية في ذلك بتدريس الموسيقى العربية دراسة علمية معرفية. وقد حاولت ذلك خلال تدريبي في المعهد العربي للموسيقى بدءا من عام 1963 ـ 1967، وقد تخرج خيرة عازفي القانون في سوريا واستلموا مناصب مهمة. لكننا الآن نرى ان المعهد العالي للموسيقى في دمشق مثلا، ان استاذ العود أو القانون هو استاذ غير عربي، أذربيجاني، جاء ليعلمنا العزف على آلاتنا!! مع ان في سوريا عازفين مهمين على هاتين الآلتين. فهل من المعقول ان استورد اساتذة ليعلموني العزف على آلتي؟.. من هنا فإن هؤلاء الاستاذة ليسوا قادرين للوصول الى أسرار الموسيقى العربية وخفاياها، وبالتالي فإن تدريسهم سيظل ناقصا، وسيتخرج عازفون ليس لديهم الخبرة الكافية. الشيء الثاني ان خاصية الموسيقى العربية تقوم بأدائها الآلات الشرقية العربية وتعجز الآلات الغربية عن ذلك، فالاكورديون والاورج وحتى الجيتار.. هذه الآلات لا تستطيع ان تقدم ربع الصوت الصحيح، وهي نغمة السيكا كما نقول في الموسيقى هي آلات ثابتة. قد يقال إننا سمعنا في بعض أغنيات أم كلثوم وبخاصة الأخيرة بعض هذه الآلات، وأقول: هذا صحيح لكن أم كلثوم كانت تقول للعازف على هذه الآلات: اعزف مقطوعتك واسكت خالص». ـ هل تدعو الى عدم ادخال الآلات الكهربائية الثابتة الاورج.. الاكورديون.. الجيتار الى تخت الموسيقى الشرقية؟ ـ يا أخي الكريم.. كنت مدعوا الى القاهرة من قبل الدكتورة رتيبة الحفني، وقدمت بعض المعزوفات في مؤتمر الموسيقى العربية الأخير ولفت نظري ان الفرق الموسيقية العربية لا تضم بين صفوفها هذه الآلات منها فرقة الاوركسترا الوطنية للموسيقى العربية بقيادة الفنان سليم سحاب، وفرقة محمد عبدالوهاب وفرقة أم كلثوم، ونرى في مقدمة هذه الفرق: العود.. القانون.. الناي وعشرات الكمنجات والفيولات، والكونترباص خلفهم. وقد قال لي أحد قادة هذه الفرق: الآلات الغربية.. الاورج.. الجيتار.. الاكورديون ممنوعة من المشاركة. هكذا يمكن ان نحافظ على أصالتنا ضمن العالم الذي سيحترمنا حين نحافظ على خاصيتنا. دمشق ـ محمد سطام الفهيد