كان المخرج رامين بهراني مفاجأة مهرجان الفيلم الأوروبي لهذا العام. وقد انجز صانع الافلام المولود في ولاية كارولينا الشمالية (25 عاما) لأبوين ايرانيين ثمانية افلام قصيرة حازت على جوائز. وتمكن خلال العام الماضي من اتمام فيلمه الطويل الأول، الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان السينما الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي، ويقام في مدينة فياريجيو الايطالية. هذه سيرة ذاتية مدهشة بالنسبة لأي شخص لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، لأن فيلم بهراني الأول، والذي يحمل عنوان «الغريب»، ليس مجرد فيلم جيد، بل انه الانتاج المشترك الأول بين الولايات المتحدة وايران منذ الثورة الاسلامية عام 1979، وفوق كل ذلك فإن صعوبات الانتاج التي واجهها بهراني في ايران اثناء التصوير، دفعت المخرج لأن يؤدي الدور الأول في الفيلم. منذ الثورة، وأزمة رهائن السفارة الأمريكية التي تبعتها، كانت العلاقات بين ايران والولايات المتحدة عدائية جدا، وقد فرضت واشنطن عقوبات على ايران لا تزال قائمة حتى اليوم، بما في ذلك تجميد الارصدة والممتلكات الحكومية الايرانية في الولايات المتحدة، ورغم ان العلاقات بين الجانبين بدأت بالدفء مؤخرا، إلا ان بهراني يقول انه واجه بعض الكراهية للولايات المتحدة خلال وجوده في ايران. لكنه يضيف انه «خلافا لما قد يتخيله الناس، فإن جميع من التقيتهم في الشوارع، يحسدونني على انني ولدت وترعرعت في الولايات المتحدة، البلد الذي يصفه الاعلام الرسمي بأنه بيت الشيطان. وقد اكتشف بهراني انه بالرغم من الخطاب الروتيني ضد الولايات المتحدة والغرب عموما في وسائل الاعلام المملوكة للدولة، فإن معظم الناس لا مشكلة لديهم بالنسبة لأمريكا. وفي الواقع فإن عددا متزايدا من الايرانيين يعلن رغبته في عودة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين. وبالطبع فإن المقاطعة الامريكية لايران جعلت الانتاج المشترك بين الدولتين امرا صعبا للغاية. ويقول بهراني: ان التغلب على العقبات المقيدة كان بحد ذاته انجازا فذا، وقد كان نوعا من المعجزة ان يتمكن من انتاج فيلمه. ويضيف المخرج ان فيلمه كان انتاجا مشتركا حقيقيا، حيث جاء نصف التمويل من الولايات المتحدة، والنصف الآخر من ايران، لكن كل طرف من الشركاء وقع عقدا مباشرا معه وذلك لتجاوز المشكلات القانونية، مما يعني من هذه الزاوية ان لا علاقة بين الشركاء. لقد غادر والدا بهراني ايران قبل اكثر من ثلاثين عاما، اي قبل ان يولد، وقد ذهب الى ايران بصحبة والديه للمرة الأولى عام 1997، في زيارة عائلية. وقد كانت هذه الزيارة بالنسبة له اكتشافا مهما ادى في وقت لاحق الى انتاج فيلم «الغريب». ويتحدث بهراني عن هذه الزيارة بقوله: لقد شعرت بالحاجة لأن ارى بعيني وطن اهلي، وكانت زيارتي للأماكن التي نشأ فيها والدي في جنوب ايران ذات اثر كبير في تشجيعي على انجاز هذا الفيلم، الذي هو في الحقيقة سيرة شخصية. تدور احداث «الغريب» حول شاب امريكي من اصل ايراني يزور ايران للبحث عن جذوره، ولأن بهراني مازال يتعرف على ايران اثناء تصوير الفيلم، فقد كان هناك تقاطع بين موضوع قصة الفيلم وطريقة العمل لانجازه. ويصف بهراني ما حدث بقوله: عندما وصلت الى ايران، كان النص بين يدي، وكنت جاهزا للبدء بالتصوير، لكنني شعرت كما لو انني اجنبي غريب عن المكان. لم تكن لغتي الفارسية جيدة، وكان الجميع يريدون ان يعرفوا من اين جئت، ولكن مع مرور الاشهر تحسنت لغتي الفارسية، وبدأ الناس يسألونني عن المحافظة الايرانية التي انتمي اليها. كل ذلك ساعدني على الاحساس بأنني في وطني. لقد وجد بهراني ان كل زاوية في ايران تخفي وراءها قصة تستحق ان تقال لكنها لم تقل بعد، وهذا الامر مختلف تماما في الولايات المتحدة، حيث ان معظم ما يجب ان يقال قد قيل او ترجم سينمائياً، كما ان هناك ميزة اخرى في ايران، وهي ان انتاج فيلم يعتبر عملا كبيرا. وبالنسبة لبهراني كان انتاج فيلم جزءا من محاولته لاكتشاف نفسه.. من يكون؟ ومن اين جاء؟ لقد كان الامر طقسا من طقوس الاكتشاف والتعلم. يقول بهراني انه «مع انتهاء التصوير، كنت اتحدث الفارسية بلكنة خفيفة، وقد اصبحت طهرانيا في محفظته من الدولارات الأمريكية. كان الوضع الاقتصادي الدرامي من اكثرما تأثر به بهراني خلال ثمانية عشر شهرا قضاها في ايران، ويصف هذا الوضع بقوله «ان الايرانيين يصبحون جنودا حقيقيين عندما يتعلق الامر بضمان الحد الادنى من الحياة المحترمة لعائلاتهم. انهم يعيشون في مجتمع استهلاكي ورثوه من الماضي، ولكن بدون الفرص الاقتصادية التي توفرت في السنوات الماضية. خلال التصوير اكتشف بهراني انه قادر على استغلال هويته المزدوجة لمصلحته، حيث كان بإمكانه ان يقول انه امريكي او ايراني تبعا للموقف الذي يجد نفسه فيه، حتى ان المنتج الايراني للفيلم كان يقدمه للآخرين مرة كأمريكي، ومرة كإيراني حسب ما تقضيه نوعية الحضور، ويقول بهراني في بعض الاحيان كنت مخرجا اجنبيا، او ايرانيا يعيش في الخارج، وقد كان تعريفي باعتباري اجنبيا يؤدي الى تسهيل الأمور، وفي احيان اخرى كان يجعلها اكثر صعوبة. وقد كان على بهراني ان يتأقلم مع مشكلة اخرى تتعلق بنظرة الايرانيين المختلفة الى العمل والوقت. لقد كان ذلك يخرجه من طوره في بعض الاحيان، كما كان يخل بنظام العمل ومواعيده. ويصف بهراني هذه النظرة بقوله: ان اخلاق العمل لدى الايرانيين مختلفة جدا عما تعودت عليه في الولايات المتحدة. إن الوقت في ايران له قيمة نسبية، لقد تعرضنا للكثير من انواع التأجيل في مواعيد الانتاج، وقد اضطر بطل الفيلم ان يعود الى الولايات المتحدة، مما جعلني اقع في ورطة كبيرة، وقد انتهى بي الأمر بأن اقوم بدور البطل بالاضافة الى اخراج الفيلم. لقد كان التصوير مشكلة حقيقية، ولكن كما يظهر المنتج النهائى، فإن الامر كان يستحق التعب. ان انتاج فيلم هو عمل صعب كالجحيم. وعندما يكون الفيلم هو عملك الأول فإن ذلك يعني صعوبة مضاعفة، وعندما يكون التصوير في إيران فإن ذلك يعني صعوبة لا نهائية. يعتبر رامين بهراني فيلمه الأول فيلما ايرانيا، ويقول: من الصعب ان تنتج فيلما أمريكيا في ايران، لأن العمل يأخذ وقتا اطول هناك، ولأن الامور تسير بشكل ابطأ كثيرا، ولأن لديهم فلسفة مختلفة للحياة. إن وقع حياتهم مختلف. وهم اكثر بشاشة الى حد ما، ولذلك فإنني اخطط لانتاج فيلم آخر في ايران فور عثوري على قصة مناسبة. ويعتقد بهراني ان تفسير النجاح الكبير الذي تحققه السينما الايرانية في الغرب يعود الى العزلة السياسية التي تعيش فيها البلاد، ويقارن بين الاعجاب بالسينما الايرانية في الوقت الحالي وبين الترحيب الذي استقبلت به الافلام الصينية في الغرب في نهاية عقد الثمانينيات، ويقول ان الافلام وسيلة رائعة لنشر ثقافة البلاد وعاداتها في الخارج، وعندما يتم تسليط الضوء الاعلامي على بلاد كانت تسمى (عدوا) كما حدث بالنسبة للصين وايران، يتجه الناس للاهتمام بهذه البلدان. ان سبب نجاح الافلام الايرانية هو هذا الخليط الرائع من السياسة والفن والفضول. روما ـ احمد رأفت