إنه لمن أصعب الأمور أن تتصدى لمناقشة موضوع استقر في الأذهان طويلا على نحو معين واستكان إليه الناس واطمأنوا وأعفوا أنفسهم من عناء البحث أو التفكير فيه. والحال في موضوع تطور الخط العربي كذلك. وتزيد الأمر صعوبة سيادة النقل على العقل لفترة طويلة بدأت منذ رضينا الانصياع لمن قرروا اقفال باب الاجتهاد في وجوهنا، ليس في أمور الدين فحسب، بل وفي اللغة والعلوم والطب والهندسة، وفي الفكر والأدب والفنون. لقد كان اقفال هذا الباب إقفالاً لبوابة الحاضر والمستقبل ما انفك يزداد احكاما منذ العصر العثماني إلى يومنا هذا، حتى بتنا أسرى طوعيين للجمود والتقليدية والجهل والتخلف، بعدما كنا نعيش في نور الحضارة الذي ملأ حياتنا لقرون عدة. بهذه الأسطر استهل الفنان منير الشعراني محاضرته عن «تطور الخط العربي» التي استضافتها ندوة الثقافة والعلوم بدبي ضمن فعاليات موسمها الثقافي الرابع عشر بحضور أعضاء مجلس إدارة الندوة وعدد كبير من الحضور والمهتمين ومقدمها د. صلاح شيرزاد. تحدث منير الشعراني قبل الدخول إلى متن محاضرته عن الكتابة العربية وأصولها كمثال على سيادة النقل على العقل وإعفاء المختصين أنفسهم من عذاب البحث حيث انقسم المؤرخون العرب في كتبهم التراثية إلى فريقين الأول يدعي ان الكتابة توفيقية أوحى بها الله تعالى لآدم أو ادريس، أو هود ووصل بالتسلسل إلى اسماعيل ثم انتشرت بينما يرى الفريق الثاني أن الكتابة العربية اشتقت من «الخط المسند الحميري» الذي يعرف أيضا باسم «الخط العربي الجنوبي» وأن هذا الخط وصل إلى موطن المناذرة وبلاد الشام ثم انتقل عن طريق الحجاز إلى بقية الجزيرة. وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الرأي من منظور تاريخي ومن ميل معظم المؤرخين المدققين العرب إلى الأخذ به في كتب التراث، ظهر رأي آخر في العصر الحديث يعتمد على الاكتشافات الأثرية ويثبت وجود صلة وثيقة بين الكتابة العربية والكتابة النبطية، وان الأولى استمرار متطور للثانية التي انحدرت من الكتابة الآرامية المتطورة عن الكتابة الفينيقية. كان المستشرقون هم من أطلق الرأي الأخير، وقد أخذ به معظم المؤرخين العرب المعاصرين واستكانوا إليه، دون أن يلتفت أحد منهم إلى أسباب قول المؤرخين العرب القدامى بصلة الكتابة العربية بالخط المسند، بينما استكان آخرون إلى ما تقوله كتب التراث. وأضاف الشعراني أن وقفة متأملة في الآثار المعمارية المنتشرة في الصين شرقا، إلى الأندلس غربا، وفي ذلك الكم الهائل من التحف الفنية العربية الإسلامية التي يشكل الخط العربي قاسما مشتركا لها، وتتسابق كبريات المتاحف والجماعة في كل أنحاء العالم إلى اقتنائها تبرز لنا مدى تقصيرنا في دراسة التطور الجمالي للخط العربي، وعلاقته بالفنون الأخرى، وتبرز لنا مدى تقصيرنا في دراسة التطور الجمالي للخط العربي، وعلاقته بالفنون الاخرى، وتبرز لنا الفقر الفاضح في الدراسات التي تتناول الخط العربي فنيا وجماليا في المقام الأول، انطلاقا من خصوصياته وخلفيته الفلسفية والجمالية على ضوء علم الجمال وفلسفة الفن. واذا كان مفهوما ان يغيب هذا الامر عن كتب التراث التي خلفها المتقدمون لأسباب لسنا بصددها هنا، فكيف نبرر اكتفاءنا بالنقل منهم دون تمحيص، كيف نبرر النقل منهم دون اضافة او دراسة معمقة تقوم على قواعد وطرائق البحث العلمي المنهجية المتطورة وتستفيد مما حققته عصر الصورة من امكانية تجميع كل الصور اللازمة من كل انحاء الارض ومتاحفها للاعتماد عليها كمرجع ومستند ووثيقة في دراسات من هذا النوع؟ وكيف نبرر الاستكانة الى النتائج التي خلص اليها المستشرقون في دراسة تاريخنا وتراثنا مستفيدين من كل ذلك في تثبيت افكارهم في اذهاننا، الم نردد ما قالوا به من ان الخط العربي والرقش والتجريد في الفن العربي الاسلامي كان بسبب تحريم الاسلام للتصوير. وفي موقع اخر من ورقة منير الشعراني اشار الى ان الخط العربي هو القاسم المشترك الاعظم للفنون العربية الاسلامية وهو التجريد الارقى بل هو تجريد التجريد، جمع الوظيفتين النفعية والجمالية، جمع جمالية المحتوى والشكل، تعامل مع العقل والفكر والمعرفة بشكل بصري راق ينفذ الى القلب من خلال العين متطورا على مستويات عديدة انطلاقا من التطور الذي اوصله اليه رواده، وعلى مستوى الرسائل والدواوين والعقود والمخطوطات وبفعل اتساع رقعة استخدامه وتفاعله مع ذائقة كل شعب من الشعوب التي وصل اليها وتعاملت معه، فولدت انواعا واشكالا كثيرة على درجة عالية من الجمال او عبر التفاعل الذي تم بين الخامات المختلفة وبين اجيال الخطاطين الذين استطاعوا ان يولدوا لكل خامة انواعا واشكالا تتلاءم معها. فعلى صعيد العمارة ظهرت أنواع عديدة من الخط العربي على درجة عالية من الجمال نتيجة التعامل مع الحجارة او مع الطين او مع الجص او مع الخزف الفسيفساء وغيرها، وليس أدل على ذلك من الخطوط المنحوتة والمشكلة في حجارة ورخام العمائر الفاطمية والمملوكية في القاهرة وبلاد الشام وتونس، وتلك الخطوط المشكلة من بلاطات خزفية صغيرة تغطي قباب ومآذن وجدران المساجد في سمرقند وبخارى وغيرهما من البلدان، وتلك الخطوط المشكلة من الجص التي تكسو جدران قصر الحمراء وغيره من الأبنية في الاندلس والمغرب العربي. وفي ختام ورقته تطرق الشعراني الى اشكالية راهنة تتمثل في التعامل مع المعطيات الحديثة في الكمبيوتر وغيره من وسائل الاتصال الحديثة فيما يتعلق بالخط العربي، وتكاد تكون تكرارا للاشكالية التي رافقت وصول المطبعة الى بلادنا والتي استطاع حسمها بعض خطاطينا الكبار فأنتجت اشكال من الخطوط ملائمة للطباعة، ومختصرة كان لأصحابها دور الريادة، بمزاياه وعيوبه، في فترة الصحوة القصيرة التي سبقت سباتنا الحالي العميق، الذي ادى فيما ادى اليه، الى عدم تطوير هذه الاشكال الطباعية، والارتقاء بها جماليا ووظيفيا بشكل متتابع. والاشكالية اليوم تتجلى في منطق الرافضين لبرمجة الخط العربي للكمبيوتر خوفا من أن يقضي على الخطاط والخط، أو تذرعا بأن برمجة الخط لا يمكن أن تحافظ على أنواعه، تاركين الامر لشركات البرمجة لتعبث بالخط العربي، بدلا من ان يتصدوا لهذه المهمة مسترشدين بتراث اسلافهم العظام في التعامل مع الخامات المختلفة وابتكار الخطوط الملائمة لكل خامة، بعيداً عما رسخ في اذهانهم من أن الأنواع الستة التي قرر العثمانيون انها قمة الجمال هي الخط العربي وذروة تطوره التي لا مجال للابتكار والاضافة بعدها. وفي مواجهة منطق هؤلاء ارى لزاما علينا ان نكمل ما بدأه اجدادنا لا أن نجتر ما انجزوه وان نستفيد من منهجهم الذي قام على الفرز المستمر والانتخاب والتوليد والاشتقاق والاضافة والابتكار والابداع تبعا للجماليات العامة وجماليات الوظيفة وخصوصيتها وخاماتها واساليب تنفيذها وأغراضها وغير ذلك من العوامل المؤثرة، ان العلم والثقافة والوعي هي ما نحتاج الى جانب الموهبة والفن، للارتقاء باستخدامات الخط العربي لتلبي المتطلبات التي يطرحها التطور ومستجدات الحياة.