اكد الداعية الاسلامي الدكتور محمد الراوي رئيس قسم القرآن الكريم وعلومه بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية وعضو مجمع البحوث الاسلامية بالازهر ان الصراع مع اليهود ليس صراعا على الارض، بقدر ما هو صراع على الوجود.. وطالب الدول العربية والاسلامية بتوحيد مواقفها لمواجهة التحدي الصهيوني الذي يعادي كل ما هو اسلامي. وحذر الدكتور الراوي من التهاون مع اليهود في قضية القدس وما يحدث من تهويد لهذه المدينة المقدسة ووصف حملات التطاول على الاديان والاستهزاء بالاسلام عن طريق بعض المتطرفين اليهود بأنها «بالونات اختبار» لقياس مدى رد فعل المسلمين تجاهها ولا ينبغي التهاون معهما حتى لا نشجع المتطرفين اليهود على اهانة ديننا ومواصلة العدوان على مقدساتنا الاسلامية. وأكد ان واقع المسلمين الآن ليس قائما كما يصوره بعض الدعاة.. فالواقع به الكثير من الايجابيات ويحمل العديد من المبشرات بانتصار الاسلام على كل التحديات وقوى الشر الذي تناصيه العداء. وحذر الدكتور الراوي من خطورة الدعوى بمجلة الرسالة المحمدية وأكد ان العولمة التي ينشغل العالم كله بها الآن سبق الاسلام الى الدعوة اليها.. لكن عالمية الاسلام تحقق العدل وتوفر كل فرص الاستقرار الامني والاقتصادي وليست وسيلة للاستغلال والهيمنة كما هو الحال في عولمة الغرب الخادعة. اتهامات باطلة ـ بعض المشككين في الدعوة الاسلامية يتهمونها بأنها دعوة محلية اقليمية جاءت للعرب دون غيرهم من باقي الاجناس الاخرى.. وأنها لا تصلح لأن تكون دعوة عالمية. فبماذا تردون على تلك الاتهامات؟ ـ لا اقول غير ان نصوص الاسلام وواقعه العملي يدلان دلالة قاطعة على انه دين عالمي وأنه رسالة الله للعالمين اختصها ببعض الخصائص التي تجعله دينا عالميا وصالحا لكل زمان ومكان وتتمثل هذه الخصائص في ثلاث اولها: وفاؤه بحاجة الانسانية جميعا فيما يصون وحدتها ويرعى انسانيتها ويحمي افرادها في العاجل والآجل. ثانيها: تشريعاته التي تضمن قيام الانسانية كلها في محيط واحد لا تنزع معه الى عصبية دم او اختلاف لون او فرقة جنس. ثالثها: اتساقه مع حقائق الكون وخصائص الوجود بحيث لا يتعارض مع ما يثبت من حقائق العلم او يختلف مع منطق الفكر. فهل تضمنت الدعوة الاسلامية كل ذلك او قصرت عنه؟! الحق.. كل شيء في الاسلام ينهض بهذه الخصائص ويفي بها.. عقيدته التي تؤمن أن الله واحد تحقق وحدة الانسانية في القصد والسلوك وهي ترى الله في سعيها وتخشاه في سرها وعلنها ولا شيء يصون السلوك ويحفظ السعي ويوقظ الضمير مثل معرفة الله «وأهديك الى ربك فتخشى». وهي ايضا تحصن الفرد من غوائل الهوى ودوافع الشهوة فيسعى في الارض بخلق السماء ويتطلع الى السماء بجميل السعي في الارض، و هي كذلك تقيم المساواة بين العباد جميعا فتجعلهم امام الله سواء يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح فتنتفي مع هذه العقيدة عصبية الدم واللون والجنس وتحيا عصبية الاخاء والايمان والحب، ولهذا جمعت هذه العقيدة من اول نداء بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعمر القرشي مع محمد الرسول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه العقيدة ايضا تحتضن الوجود كله والوجود يرحب بها ويشهد بجلالها ويشاركه في الترحيب الفكر المتأمل والقلب المبصر والفطرة الهادية وعباداته ايضا المتصلة بالعقيدة من صلاة وصوم وزكاة وحج كلها نشيد رباني يتفاعل مع الكون ويهذب السلوك ويقيم المودة ويحقق رقابة الضمير ويجمع الناس على الخير والبر ويؤلف بين قلوبهم بالايثار والرحمة ويجعلهم اخوة ايمان يحيون للحق والعدل ويقيمون امرهما مع العدو والصديق وهم يقفون في محراب الله على مساواة كاملة في اليوم الواحد مرات ومرات، ويتجردون له في القصد والسعي افرادا وجماعات. فالعبادات تفي بالخصائص كلها بل كل عبادة منها تحمل هذه الخصائص وهي تتصل بعقيدة الايمان بالله واليوم الآخر، كذلك آداب السلوك والاخلاق والمعاملة تفي بهذه الخصائص ما دامت تستمد وجودها ايضا من الايمان واليوم الآخر. فإذا تأملنا الاسلام بعد ذلك داعيا الى العلم آمرا به وادركنا ان معجزته الباقية لم تعتمد على خوارق العادات بل اعتمدت على التأمل والنظر والفكر ألغينا ان هذه المعجزة وحدها اكبر برهان على عالمية الاسلام اذ لو كانت احياء ميت او موت حي او انتقال جيل او تحرك عصا لانتهت بزمنها ولم يتأثر بها الا من رآها او عاش في عصرها، اما ان تكون المعجزة علم ومعرفة، معجزة كتاب يتحدث عن حقائق الوجود ويسترعى النظر الى الآيات الباقيات التي تتوافد الاجيال وهي باقية تنطق بالصدق وتبرهن على الحق فتلك آية الخلود ودلالة البقاء افلا تكون تلك هي الرحمة المهداة شريعة العالمين وهداية الرحمن؟! فأي شيء تريده الانسانية أوفى وأكرم وأبر من هذا وتجد الانسانية آمنها وسلامها؟! فما اخطر هذه الدعاوى الكاذبة على مستقبل الانسانية كلها وهي تنشد لنفسها الامن والسلام!! وما اخطر حين تساق باسم العلم المتجرد عن الانصاف والنزاهة. ان مسألة الرد على هؤلاء وابطال دعواهم امر هين يسير وخاصة ان هذا الدين نفسه شمس مشرقة تبدد ظلمات الباطل وتكشف عن الحق المبين وانما الخطر كله في ان تساق الشعوب الى اتون حرب مهلكة وأن تصد عن الحق المبين في وقت هي احوج ما تكون فيه الى الامن العادل والسلام الصادق. ان المسلمين يؤمنون بأن الله رب العالمين لا كما يزعم اليهود ان رب العالمين الههم وحدهم دون سواهم، والصد عن دين يملأ العالم كله بالأمن ويمسك زمام الانسان راشدا بالايمان جريمة لا تقل ابدا عن جرائم مجرمي الحرب ان لم تكن ام الجرائم كلها، ومن واجبنا كمسلمين وقد عرفنا الطريق ان نرشد الانسانية اليه «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله». ظلما تحملهما الاسلام ـ لا شك ان الاسلام واجه العديد من الحملات الظالمة التي الصقت به كل عيب ونقيصة وسلبت منه أقل فضل، حتى اصبح للأسف الشديد بعض من ينتسبون اليه يتبنى هذه الحملات. فما هي اسباب تلك الحملات وخطورة ذلك على الانسانية كلها؟ ـ انا دائما اقول بأن الظلم الذي تعرض له الاسلام ظلمات.. ظلم الاسلام بين ابنائه اذ لم يحملوه بل حملوا عليه، وظلم من الناس اذ ظنوه ممثلا في خلق المنتسبين اليه فانصرفوا عنه. والحق ايضا ان الحملة على الاسلام مقصودة وأن وجود تناقض بين حقيقة الاسلام وواقع المسلمين امر دبر بليل وما الحملات الصليبية التي تعرضت لها ديار الاسلام ـ وما زالت ـ بأنواعها المختلفة الا وليدة المؤامرات والاحقاد المتوارثة. والحق ايضا ان هذه المؤامرات وتلك الحملات قد ادت اغراضها واستطاعت ان تقيم التناقض فعلا بين حقيقة الاسلام وواقع اهله ثم وقفت في العالمين تنادي: يا لبؤس المسلمين باسلامهم!! هم في فاقة وعوز وحاجة الى عون ومساعدة فلنمدهم بما يطلبون او بالاحرى فلنجهز على كل ما بقي من امرهم باسم الدواء والعلاج والمعونة والمساعدة والشفقة والرحمة!! ولنرقب عن كثب عمل الاسلام فيهم فلا نترك أمرا يقام باسمه او نبتا ينبت في ارضه او ثمرا في حقله وبيد ابنائه يتم المراد وعلى يد اتباعه يقع المقصود!! نعم وقع التناقض فعلا بين حقيقة الاسلام وواقع المسلمين ونجحت المحاولات في اذابة المسلمين وصرفهم عن دينهم كما نجحت المؤامرات في صرف الانظار عنه وتحويلها الى بريق المدنيات الناشئة التي اخذت عن الاسلام خصائصه في حرية الفكر وأسس التأمل والبحث، وفتن البلهاء بما في ديار القوم من حضارة مادية وغنى مادى وعادوا يحقرون دينهم وهم مخدعون اذ ظنوا ان الدين يحول بينهم وبين ارفع حضارة ينشدها البشر!! لذا فنحن معذورون اذ نقول للانسانية كلها وللمسلمين معها: ادرسوا هذا الدين ولا تتأملو اليوم في سلوك المنتسبين اليه فإن واقعهم ينسب الى الاسلام زورا وقد حيل بينه وبينهم من امد بعيد. ولا تظلموا هذا الدين ولا تجحدوا فضله فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها وهو الحقيقة الباقية التي تصحح اوضاع الحياة وتفي للناس بما هم في امس الحاجة اليه من امن النفس وطمأنينة القلب وسمو الفكر ورخاء العيش واستقامة السعي. ادرسوا تروا ان التنكر لهذا الدين خسران للانسانية كلها وتعريض امنها وسلامها للخطر. الخسارة ليست خسارة المسلمين وحدهم وإنما هي خسارة الانسانية التي تطلب اليوم لدائها علاجا ولخوفها امنا ولحربها سلما وهي اليوم تملك اسباب الخراب والدمار فلا عليها الا ان تملك اسباب الاخوة والامن والحب والتعاون والرحمة وستجد ذلك كاملا في دينها واسلامها، فلن يفي بأمن العالمين الا دين رب العالمين «لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» صدق الله العظيم. التطاول على الاديان ـ لا يمكننا ونحن في معرض الحديث عن حملات الهجوم على الاسلام ان ننسى ما يقوم به اليهود الآن من اساءة للدين واهانة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما حدث في احدى المستوطنات الاسرائيلية.. فما دلالة ذلك ودوافعه؟ ـ لا شك ان التطاول على دين الله تعالى او الاستهزاء بأحد انبيائه عليهم الصلاة والسلام انما هو جريمة لا تغتفر ولا يمكن للمسلمين ان يتسامحوا في ذلك لأن هذه الحملات ما هي الا «بالونات اختبار» لقياس مدى قدرة المسلمين على التحرك واتخاذ موقف تجاهها وقد كشفت الايام التالية لهذه الجريمة صدق ما نقوله حيث نرى الاستفزازات الاسرائيلية والزحف الاستيطاني المتمثل في المستعمرات وهدم منازل الفلسطينيين في اطار المخطط اليهودي الخبيث الذي يرمي الى تهويد مدينة القدس بأكملها حتى اذا ما وصلت مرحلة المفاوضات اليها كان الامر الواقع هو سيد الموقف ومن ثم تخرج القدس من مائدة المفاوضات، وللأسف الشديد ان المسلمين اكدوا لليهود صدق ظنهم بتخاذلهم عن اتخاذ موقف حازم وحاسم واكتفوا بالاستنكار والشجب كعادتهم وهدأت نفوسهم بما ألقت اليهم الحكومة الاسرائيلية من اعتذارات وهمية ولم يسأل احد منا نفسه: ما مصير تلك الفتاة «المعتوهة» التي قامت بذلك العمل الشنيع؟! لكنني اقول بأن هذا الجرم انما يكشف عن الوجه القبيح والعنصرية البغيضة التي يتخفى تحتها التطرف اليهودي الذي يهدد البشرية كلها بالدمار والخراب ان لم يواجهه المجتمع الدولي. وهذا التطاول ليس بالشيء الجديد او الفعل المستجد على بني اليهود الذين استمرأوا ذلك وستكون عاقبته وخيمة ان شاء الله عليهم. لقاء حتمي ـ في ظل هذه الحملات الضارية التي يتعرض لها الاسلام وترمي على عزله وابعاد الناس عنه بل واعلان الغرب بأن الاسلام هو العدو الجديد الذي يجب التصدي له بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.. كيف ترى مستقبل الاسلام؟ ـ انا من المؤمنين بأن البشرية ستؤدي بها تجاربها المريرة ـ وهي تذوق ويلات الحرب الممتدة التي لم تنقطع قط والتي تأخذ صورا مختلفة منها ما اصطلح عليه في عصرنا بالحرب الباردة وهي افتك لصفات النفس من الحرب الساخنة ـ الى ان تلتقي حتما مع الاسلام وهي تجرب في شتى الميادين فساد الانظمة القائمة وعدم صلاحيتها. ومن واجبنا ونحن نحس باحساس الانسانية ونتفاعل بأحداثها ان نقول للانسانية جميعا: ان لله دينا صادقا لم تنله يد البشر بالتبديل او التغيير، هو دين الله رب العالمين. ولا ادري لمصلحة من ننظر الى تاريخ الاسلام من واقع اهله الآن؟ ولمصلحة من ايضا ينكر فضله على الانسانية قاطبة وهو دين لا ينسب الى امة او شعب كما لا ينسب الى زمان او مكان؟ فعداوته عداوة للزمان كله وللمكان كله وللانسانية جميعا، عدواة للعباد ورب العباد والانسانية الآن تبحث مشكلاتها العامة في منظمات عالمية تعرض فيها مشكلات الامم قاطبة واصبحت الصلة بين العباد جميعا كالصلة بين اهل البيت الواحد، اذن فالوحدة بين الانسانية بادية المعالم حتى في صورة التفاهم العام على القضايا والمحاولات المتكررة لحلها بالطرق السلمية بالاضافة الى الوسائل الحديثة التي استطاعت ان تجعل الكلمة التي تتردد في الفضاء مسموعة لأبناء البشر جميعا، هذه الوحدة العالمية المتشابكة يمكن ان تؤدي الى خير البشرية من جانب ويمكن ان تقضي عليها وعلى حضارتها من جانب آخر. ومن واجبنا والحالة هذه ان نرفع الصوت عاليا ننادي الانسانية جميعا: «تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم» فالدين ديننا ودينكم والله ربنا وربكم والمصير مصيرنا و مصيركم فاسمعوا ما عندنا ولنسمع ما عندكم وليحسن كل منا ان يدرس ما عند الآخر وان يتقبل الطيب ويرد الخبيث. لهذا اننا نقطع موقنين ان سلام الانسانية في اسلامها ولسنا بهذا نؤثر فئة على فئة او نطلب المسلمين سادة على الخلق بغير الحق وإنما نكرم الانسانية جميعا بالحق الذي ارتضاه الله للعالمين. حوار: عاطف محمد