بيان2: صنعاء ـ عبدالكريم سلام: تزدان العمارة اليمنية بـ «القمرية» التي تكسبها حلة قشيبة ومنظراً اخاذاً يجعل البناء مبعثاً للتأمل والفرجة وكذلك مبعثاً للتباهي والمفاخرة. والقمرية هي قوس مفتوح يعلو عادة النوافذ وتكون القمرية على هيئة قالب من الجبس المغمور بالنقوش المطعمة بالألوان الزجاجية «الاحمر ـ الاخضر ـ الازرق ـ الاصفر» وهـي الالوان السـائـدة والمفضلة. في الماضي كانت «القمرية» عبارة عن قطعة رخامية واحدة ليس فيها اي نقوش مصقولة بعناية فائقة حتى تغدو شبه شفافة وكان الغرض منها هو السماح بنفاذ الاشعة من الخارج الى الداخل ومن المكان المرتفع فوق النافذة ما يجعلها تسمح بنفاذ ضوء الشمس او القمر دون ان تتيح الرؤية من الخارج. وحتى وقت قريب ظلت القمرية في شكلها ومادتها تخضع لضرورات امنية يراعى في صناعتها وهندستها ظروف الحروب والاغارة التي عانى اليمن منها طويلاً. اما اليوم اصبحت علامة من علامات الترف تضفي على المعمار اليمني رونقاً زاهياً حتى ان بعض المنتجات جعل منها اسماً لمنتجاته ورفعتها كثير من الشركات كعلامة من علامة الاشهار والترويج فاضحت معلماً يعني «اليمن» مثلها مثل برج «إيفل» يعني فرنسا وتمثال الحرية يعني امريكا. ويقول عبدالملك المقحفي رئيس الهيئة العامة للمخطوطات التي يقع مقرها داخل صنعاء القديمة المعروفة بطرازها المعماري الفريد: القمرية لم تكن من قبل على هذا النحو الذي تتخذه الان بل على هذا النحو مشيراً الى احدى العمارات القديمة المواجهة لمقر الهيئة وتبدو فيها القمرية بشكل غريب يختلف عما الفناه في جيلنا حيث تبدو كلوحة واحدة ليس فيها اي نقوش ويتابع رئيس الهيئة قائلاً القمرية كانت عبارة عن قطعة مرمرية واحدة وبلورية وكان البناءون يجلبونها من محاجر خاصة قريبة من صنعاء ثم يعالجونها بطريقة الجلخ والتنعيم حتى تغدو صفحة بيضاء او لينة ناعمة تسمح بنفاذ اشعة الشمس والقمر الى داخل المنزل وهناك قليل من العمارات القديمة في صنعاء القديمة مازالت تحتفظ بهذا النوع من القمريات كالتي امامنا هذه وعن عدم الاستمرار في استخدام هذا النوع من القمريات يقول عبدالملك المقحفي يرجع ذلك الى امرين الاول ان المادة التي كان يصنع منها هذا النوع من القمريات نفذ من المحاجر التي كان يجلب منها والامر الثاني ان هناك تحسينات دخلت على القمريات بشكلها الحالي المطرز والمطعم بالالوان العديدة عوض اللون الواحد للقمريات القديمة وهو اللون الابيض واللبني. ميزة معمارية ويرى المهندس المعماري سعيد على محمد ان القمرية بشكلها المقوس الذي يعلو عادة النوافذ ميزة معمارية يمنية اصيلة يكاد يتفرد بها المعمار اليمني دون سواه وكل فرد يجد نفسه ملزم بهذا التقليد كخيار وليس كإجبار وبالتالي لا يمكن ان يكون هناك بناء بدون قمرية وهذه ميزة يحرص عليها الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية وامكاناتهم الاقتصادية لاسيما ان القمرية من حيث اسعارها ونوعيتها متوافرة لكل اشكال البناء سواء منه البناء الشعبي العادي او البناء الذي يحرص اصحابه على اظهاره بمظهر الفخامة كالقصور والفلل وهذا تفسره ظاهرة شيوعها وانتشارها على نطاق واسع. ويستطرد سعيد علي قائلاً القمرة اليوم تعدت في استخدامها المنفعة المرجوة منها واصبحت الى جانب كونها وسيلة للاضاءة وحجب الرؤية زينة «ديكورية» لما تتميز به من اشكال جمالية وفنية تحاكي النمط الفسيفسائي الاسلامي وتتمثله على نحو جعلها موضع فرجة وتأمل فني ولهذا نرى انها انتقلت في كثير من الحالات من واجهات الابنية والعمارات الى داخلها كزينة ديكورية تضفي مجالاً اخاذاً على الصالات المفتوحة وغرف النوم وابتدع كثير من صناع القمريات نقوشاً واشكالاً جديدة تلائم ميولات العصر واذاوقة وادخل بعض هؤلاء الصناع طريقة الاضاءة الكهربائية عن طريق وضع مصباح كهربائى او اكثر بين قمريتين او خلف القمرية وعند الاضاءة في الليل تبدو القمريات زاهية ناصعة من الداخل ومن الخارج على حد سواء مضفية على الفرجة والجلوس متعة تأسر الناظر وتشده اليها وليس الاعجاب الذي يبديه السياح الاجانب وهم يطوفون بصنعاء القديمة ويحرصون على النزول بفنادقها التي هي في الاصل عمارات قديمة جرى تحديثها وفق متطلبات العصر الا دليل على ما يميز المعمار اليمني من فرادة ورونق جمالي تمثل فيه القمرية مكانتها اللافتة للانتباه بشكلها الجمالي والفني الذي يوحي للمتأمل وكأنه امام لوحة منحوتة بعناية فائقة يتباهى مبدعـوهـا في اظهار مهاراتهم مثلمـا يتباهى مقتنوها بنوعها وحجمها والوانها البراقة. الصناعة والحفر وعن صناعتها وحفرها يقول محمد سالم صانع قمرات في البداية توضع القمرية كقطعة احدة من الجبس الاخضر فوق لوح خشبي ثم تحفر النقوش عليها طبقاً لرغبة الزبون وطلبه وحسب حجم القمرية وطبيعة البناء المعماري المحدد مكانها فيه سلفاً. ثم يقطع الزجاج المراد الى قطع تتناسب مع الفتحات التي هي في العادة اما نقوش فنية هندسية او مزهريات وورود او نحوت ذات طابع يمني اسلامي وغالباً ما يراعى تناسق الالوان مع الاشكال والمساحات التي يخصص لها لون محدد دون اقحام لون اخر في هذه المساحات مثل الوسط لون واحد ولون اخر في المكان الذي يليه وصولاً الى الحواشي التي تكون هي الاخرى بلون واحد. وعن انواع الزجاج المستخدم ومصادره يقول سالم هناك الزجاج الملون الفاخر وهو زجاج الماني وهناك الزجاج الملون العادي وهو هندي مضيفاً ان العمارات الفخمة يحرص اصحابها عادة على تطريز قمرياتهم. الزجاج الالماني وهذا الاخير عادة ما يقتنيه الناس العاديون وهناك من يفضل الزجاج الالماني في مجالس وغرف الضيوف وبقية الغرف الاخرى والمطبخ والحمامات تكون قمرياتها من الزجاج الرخيص الهندي. وحول اسعار القمريات يقول محمد سالم ليس هناك اسعار محددة وثابتة وانما الذي يحدد السعر هو حجم القمرية وشكلها ونوع النقوش فيها والزجاج المطرز لها مشيراً الى ان القمريات من حيث اثمنتها في متناول الجميع على اختلاف مستوياتهم وامكاناتهم المادية وليست حكراً على احد ولأنها ضرورة ملازمة للمعمار اليمني لا يمكن ان يستغني عنها احد وعادة ما يراعي في صناعتها تلبية مختلف الاذواق والامكانات المادية. وعن القمرية وضرورتها للبناء اليمني يعلق احد الظرفاء خلال جلسة دار فيها نقاش مطول حول القمرية وجمالياتها بقوله اذا كان هناك من يقول «السلاح جزء من شخصية اليمني» فانا اقول القمرية جزء من شخصية المعمار اليمني، ويضيف لا يمكن تصور مقيل القات في مكان لا تزينه القمريات. ولهذا يحرص اليمنيون على اقتناء اجود انواع القمريات واغلاها ثمناً لمجالس القات لأنها المجالس التي عادة ما يرتادها الضيوف ويبقون فيها طويلاً لتعاطي هذا العشب الاخضر وقد تفنن كثيرون في تزيين مجالس القات حتى يجذبوا اليها زملائهم في تعاطي القات ويغرونهم على ارتياد مجالسهم التي تتميز بكبر نوافذها وقمرياتها وهذه ظاهرة يلحظها المرء في كثير من البيوت اليمنية حيث يحتل مجلس القات المكان الساحق الاخير في العمارة ويطلق على هذا المجلس في بعض المناطق «المفرج» وفي صنعاء يطلق عليه «الطيرمانة» والقمرية تكون جزء اساسي فيه.