بيان2: بغداد ـ ابراهيم محمد علي: التقانة هي ناتج الجمع بين الجهد النظري والتطبيق القائم على منهجية تجريبية، مما ادى إلى قيام حضارات في مختلف الأزمنة.. وقد استخدمت التقانة المناسبة لها، سواء لبيئتها «جغرافياً ومناخياً» أو للإنسان، لسد حاجته على وفق توفر موارده. لقد كان لعملية نقل التقانة بإيجابياتها وسلبياتها الاثر الكبير في ظهور مشاكل جديدة، اسبابها في بعض النواحي منها تدني نوعية تلك المنتجات برغم استخدام أساليب تقنية حديثة.. ومن المعروف إن اكثر المسائل التي لاقت جدلاً متواصلاً في مسألة نقل التقانة «التكنولوجيا» هي مدى ملاءمتها للدول النامية، ومنها الدول العربية. و تبياناً لذلك وضعت الأستاذة الدكتورة خيرية عبد الله الرمضاني رئيسة الكيمياويين في الهيئة العامة العراقية للبحث والتطوير، في هذا الحوار العديد من الأمور التي تخص مفهوم نقل التكنولوجيا، وموقف الدول النامية الناقلة للتكنولوجيا، وأساليب هذا النقل. نقل التكنولوجيا ماذا نعني بنقل التكنولوجيا ؟ ـ من المفيد أن نحدد مفردات ومعاني مصطلح «نقل التكنولوجيا» حيث إن مصطلح «التكنولوجيا» لا يزال يشوبه الغموض إلى حد كبير.. فالكثيرون يستخدمونه دون العناية بتحديد معناه، أو مضمونه، ولا بد هنا من أن نفرق بين التكنولوجيا والتقنية.. فإذا عدنا إلى المفاهيم المستقرة في علم الاقتصاد، نجد إن التقنية هي تأليفة من العمليات المستخدمة فعلاً في إنتاج سلعة، في حين إن التكنولوجيا هي القدرة على خلق واختيار التقنيات المختلفة من ناحية، وعلى اعدادها من ناحية اخرى.. أو بعبارة اخرى فان التقنيات هي مجموعة الأساليب، في حين إن التكنولوجيا هي مجموعة من المعارف التقنية.. والتي ترتبط بمجال محدد، وهو إنتاج السلعة اولاً، وزيادة العائد الإنتاجي ثانياً.. والتي تكون بعيدة بمعناها وبهدفها عن المعارف العلمية التي هي معارف لذاتها، تحمل في طياتها غاياتها.. وعليه فالتكنولوجيا تتوسط العلم والصناعة، وترتبط معها بعلاقات مركبة كما ترتبط كليهما معاً بعلاقات مركبة أيضاً. ـ وما هي مجالات سوق التكنولوجيا العالمي؟ ـ لعل اهم ما يلاحظ في مجال التسويق للنظام التكنولوجيا الدولي حقيقتان أساسيتان.. الأولى :إن إنتاج التكنولوجيا يتم في إطار احتكار القلة عن طريق السيطرة على الأسواق، بأساليب عدة لتحديد المنتجات.. والثانية :هي سيطرة رأس المال الخاص على عمليات النقل، وخضوعها لمقتضيات الربح الرأسمالي، والتي ولدت تناقضاً حاداً بين مصالح مصدري ومستوردي التكنولوجيا.. الأمر الذي أدى إلى تركز الإنتاج التكنولوجي في هذه الدول الصناعية. خلل كبير ـ وما هو موقف الدول النامية الناقلة للتكنولوجيا؟ ـ يمكن تلخيص موقف الدول النامية من نقل التكنولوجيا بما يأتي : الخلل الكبير في النسق التكنولوجي في الدول النامية، المتمثل في غياب أو ضعف المؤسسات التكنولوجية، التي تقوم بعمليات البحث والتطوير، وعدم ارتباطها «في حالة وجودها» بالمؤسسات العلمية من ناحية اخرى. التفاوت الكبير بين الطلب على التكنولوجيا من القطاعات الإنتاجية في الدول النامية، وبين قدرة الأنظمة العلمية و التكنولوجية على إشباع الطلب، بما يترتب عليه من استيراد مستقر من التكنولوجيا. ضعف المركز التفاوضي للدول النامية، بمواجهة مصدري التكنولوجيا، نتيجة للعاملين الأول والثاني. ـ وما هي أساليب نقل التكنولوجيا ؟ ـ يتم نقل التكنولوجيا عادة بمستويين، الأول رأسي، وهو المستوى الوطني، ويقصد به تحويل البحوث العلمية إلى منتجات وخدمات وطرق إنتاج..والمستوى الآخر أفقي ويقصد به المستوى الدولي، الذي يأخذ في ابسط أشكاله نقل الطرق والأساليب الإنتاجية من الأولى إلى الثانية، دون اجراء تعديلات أوتعديلات أو محاولات لتكييف النقل الافقي، مع الظروف المحلية، بقدر ما يكتسب درجة اعلى من نمط النقل الرأسي.. وبالتالي يكتسب درجة اعلى من النجاح في توطين هذه التكنولوجيا في البيئة الجديدة.. ولكي لا تتحول عملية نقل التكنولوجيا إلى عملية تسويقية مكلفة مقطوعة الجذور، يجب إن تختلف عملية النقل التكنولوجي، عن تصدير السلع ورؤوس الأموال أو العمال لسببين: الأول : إن التقنيات المستخدمة في مكان ما، تشكل مجموعة متآلفة من العناصر، تتبادل التأثير فبما بينها، وتتطلب وقتاً لتشغيلها، وتحتاج في معظم الاحيان إلى اختراعات مكملة. الثاني : ليس للتقنيات من فائدة، إلاّ بشرط تكاملها مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تستخدم فيه.. فبريطانيا التي بدأت نهضتها الصناعية مبكراً، عندما بدأت عملية نقلها للتكنولوجيا إلى العالم الجديد والى الدول الأوروبية، رافق عملية النقل هذه، تطويع جذري من قبل الدول المستقبلة، كاستخدام الخشب بدلاً من فحم الكوك في إنتاج الصلب، وغيرها من الأمثلة الكثيرة على تطويع التكنولوجيا المقبلة بما يلائم ظروف الإنتاج البيئية. ولكي تكون عملية نقل التكنولوجيا وبالأخص لدى الدول النامية ملائمة لظروف هذه الدول، ومنها الدول العربية، يجب إن تشتمل الملاءمة هذه على ما يأتي: الملاءمة الهندسية والفنية الملاءمة مع الظروف الجغرافية والبيئية والمحلية. ملاءمة الثقافة المستوردة مع متطلبات مواجهة المشكلة السكانية. المعنى الاقتصادي لملاءمة التكنولوجيا. تصور موجز ـ هل يمكن اعطاء تصور موجز عن هذه النقاط المذكورة؟ ـ يقصد بالملاءمة الهندسية والفنية، مجمل الأساليب الفنية والتنظيمية والآلات المستخدمة في العمل أو المشروع.. والقادرة على إتمامه بأقصى درجة من الدقة، في التشغيل والسرعة في الزمن مع الاقتصاد في النفقات وعدم الهدر فيها.. فالملاءمة هنا لا تعني عدم القدرة على تحقيق العمل فحسب، بل تعني إن هناك في اللحظة نفسها أساليب افضل من حيث الدقة والسرعة والتقليل من هدر المواد القادرة على الاستمرارية أو مزيج من هذه الخصائص. اما الملاءمة مع الظروف المناخية و البيئية والمحلية فهي تكييف التكنولوجيا مع الظروف البيئية و بالأخص الجغرافية.. ويؤكد علماء البيئة على إن هناك انسجاماً بين الكائنات في بيئة طبيعية ومحيطها المادي، وان سوء استخدام التكنولوجيا هو من اهم عوامل كسر هذا الانسجام.. في حين إن عدم تلازم التكنولوجيا المستوردة مع متطلبات مواجهة المشاكل السكانية، ادى إلى نشوء نوع جديد من المشاكل، كزيادة الحاجة إلى التكنولوجيا المكملة والملحقة بالتكنولوجيات الأصلية. كما يعني المعنى الاقتصادي لملاءمة التكنولوجيا معنى مستقلاً عن المعاني السابقة، ولكنه مكمل ومرشد لها.. ونعني به اختيار التكنولوجيا المناسبة لظروف البلد الاقتصادية «كتوفر رؤوس الأموال والعمال ومستوى السلع المطلوبة والخدمات المنتجة».. فنحن نعرف إن الدول النامية تعاني من نقص في مواردها، ومدى الحاجة إلى تلك المشاريع، في تلبية حاجات المواطنين، وعوامل أخرى.