بيان2: عمان ـ خليل خرمة: في غمرة الحديث عن حقوق المرأة والطفل والانتقادات الدولية التي تشنها منظمات حقوق الانسان العالمية للنيل من هذا البلد او ذاك بدأت معظم دول العالم الثالث بتحديث قوانينها التي تضمن حقوق المرأة والطفل. وفي دراسة اعدها الشيخ عز الدين الخطيب التميمي مستشار العاهل الاردني للشئون الاسلامية وقاضي القضاة حول حقوق المرأة والطفل بين الشريعة الاسلامية والاتفاقيات الدولية. نورد هنا تفاصيل تلك الدراسة التي اكدت ان الشريعة الاسلامية فرقت بين ثلاث مراحل للطفولة: الاولى يقدم فيها الادراك وهي من الولادة وحتى سن السابعة ويسمى فيها الانسان بالصبي غير المميز ويعتبر الادراك فيها متقدماً حتى لو ظهرت امارات التمييز على الصبي. وقال التميمي ان الفقهاء اعتبروا بلوغ هذا السن شرطاً للتمييز لانه وصف منضبط، فاذا ارتكب الصغير أية جريمة قبل بلوغ السابعة لا يسأل جنائياً عليها ولا يقتص منه ولا يعزز ولكنه يكون مسئولاً من ماله عن تعويض اي ضرر يصيب غيره لأن القاعدة في الشريعة الاسلامية ان الدماء والاموال معصومة اي غير مباحة وان الاعذار الشرعية لا تنافي الوصمة، اي ان الاعذار لا تهدر الضمان ولا تسقطه ولو اسقطت العقوبة. الصبي المميز اما المرحلة الثانية فهي تبدأ من السابعة وتنتهي بسن البلوغ ويسمى الصغير فيها بالصبي المميز ويحدد معظم الفقهاء سن البلوغ بخمسة عشر عاماً وحدده ابو حنيفة ومالك بثمانية عشر عاماً وحدده بعض اصحاب ابي حنيفة بتسعة عشر عاماً. وفي هذه المرحلة لا توقع على الصبي عقوبات جنائية وانما يسأل مسئولية تأديبية وقد يقام عليه الحد ولا يقتص منه ولا يعزز الا بما يعتبر تأديباً كالتوبيخ والضرب. وقال ان هذا الخلاف يرجع الى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق». واضاف ان الاطفال من وجهة النظر الاسلامية لهم نظرة خاصة حيث يرى الاسلام ان الاطفال ضعفاء في العقل والادراك والنية والارادة ولا يستطيعون القيام بشئون انفسهم الا بمعونة ايضاً، وهم قاصرون وعاجزون عن ادراك ما فيه مصلحتهم وما فيه ضررهم. وقد فرض الاسلام على الآباء والامهات والاوصياء وعلى الدولة رعايتهم ومحاباتهم ورقابتهم من كل العوامل التي تهدد حياتهم او تؤثر في سلوكهم بتأثيرات سلبية ليست في مصلحتهم، واوجب تقديم الغذاء والكساء والدواء وتأمين المسكن الذي يأويهم للابقاء على حياتهم. واوجب الاسلام المحافظة على اموال الايتام حتى يبلغ الواحد منهم سن الرشد لتسلم امواله اليه بعد ان يحكم القضاء برشده. كما اوجب الاسلام بأن يوضع الطفل في جو مناسب للعيش الكريم والحيلولة بينه وبين مجالس السوء ورفقاء السوء وحرم اهماله وتعريض حياته للخطر واوجب تنشئته على الاسلام سلوكاً وعقيدة. وقال التميمي في دراسته ان المبادرات التي تضمنتها اتفاقية حقوق الطفل تحوي العديد من المبادئ المقررة في الشريعة الاسلامية اذ تقرر الاتفاقية ان الاسرة ضرورة تنظم حماية تشريعية قانونية دولية هي الوحدة الاساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع الافراد وبخاصة الاطفال وينبغي ان تولي الحماية والمساعدة اللازمتين لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسئولياتها داخل المجتمع. وتقرر الاتفاقية ان الطفل كي يترعرع ترعرعاً كاملاً ومتناسقاً ينبغي ان ينشأ في بيئة عائلية وفي جو من السعادة والحب والتفاهم. وقد عرفت الاتفاقية الطفل بقولها: يعني الطفل كل انسان لم يتجاوز الثالثة عشرة مالم يبلغ سن الرشد قبل ذلك. اهتمام الاسلام بالاطفال جاء اهتمام الاسلام بالاطفال ذكوراً واناثاً عن طريق التشريع والتوجيه اما التشريع فقد انطوى على المبادئ والاحكام التي تكفل للاطفال الحماية والرعاية والتربية وقد بلغت العناية والرحمة بهم والعدل معهم مبلغاً عظيماً في شريعة الاله الرحمن الرحيم فشرع احكام الزواج وشرع احكام الرضاع وشرع احكام الحضانة والنفقة والميراث والولاية والكفالة والوصاية واحكام تربية الطفل وتعليمه وتنشئته نشأة صحيحة وحرم قتل الاولاد ذكوراً واناثاً تحريماً قاطعاً تحت اي دافع «ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق» الى غير ذلك من الاحكام التي تكفل للطفل حياة كريمة ورعاية كاملة ومستقبلاً ناجحاً، واما التوجيه فقد حثت الآيات القرآنية والاحاديث النبوية على العناية بالاطفال ذكوراً واناثاً سواء الاطفال الذين يعيشون في ظل الاباء والامهات او الايتام الذين فقدوا اباءهم وتولى امورهم الاولياء والاوصياء. يقول رسول الله «انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا واشار باصبعيه السبابة والوسطى» وقوله عليه السلام «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسَن اليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء اليه». حاجة فطرية وقال التميمي في دراسته التي اعدت بناء على طلب من المراجع العليا لتكون نبراساً لاية انظمة او قوانين في المستقبل. ان الطفل يحتاج بفطرته الى الشعور بأن له اباً واماً ينسب اليهما فمن حقه ان يعرف أمه واباه الحقيقيين وهذا من اسباب امنه واستقرار حياته ومن اسباب شعوره بكرامته ومن اسباب طمأنينته الى نسبه على مدى الحياة. وقد اهتم الاسلام بنسب الانسان وأحب ان يشب الانسان الى ابيه وعد النسب نعمة من نعم الله على الانسان ووضع قواعده وضوابطه وجعل الزوجية الصحيحة هي الطريق الشرعية له ومن هنا فإن انتساب الانسان الى غير ابيه يعتبره الاسلام من التصرفات الباطلة التي لا يترتب عليها حقوق ولا واجبات ويكون كفراً بنعمة الله. وحذر الاسلام المرأة من الحاق نسب ولد لزوجها ليس له وحرم ذلك عليها كما حذر الرجل من جحد ولده الذي هو من صلبه، وحرم ذلك عليه مستشهداً بقول الرسول الكريم «ايما امرأة ادخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته، وايما رجل جحد ولده وهو ينظر اليه احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الاولين والاخرين». وحذر الاسلام كذلك الانسان من ان ينتسب الى غير ابيه الحقيقي وحرم ذلك عليه، قال الرسول عليه الصلاة والسلام «من انتسب الى غير ابيه وانتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين». واكد التميمي في روايته تحريم الاسلام للتبني الوارد في بعض قوانين الاحوال الشخصية مشيراً الى التحاق مجهول النسب برجل واتخاذ الرجل هذا الشخص ولداً ذكراً كان ام انثى، ويقول هذا ابني ارثه ويرثني وينفق علي وانفق عليه وقال ان هذه العادة كانت متبعة في الجاهلية وصدر الاسلام الى ان نزلت الآية الكريمة «ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله» وقول الرسول عليه الصلاة والسلام «من دعي الى غير ابيه وهو يعلم انه غير ابيه فالجنة عليه حرام»، وقوله «ليس من رجل، دعي لغير ابيه وهو يعلمه الا كفر». وقال التميمي انه لذلك فإن التبني لا يثبت به النسب ولا يترتب عليه ما يترتب على النسب من حقوق وواجبات كالنفقة والميراث وتحريم الزواج. واكد التميمي في دراسة على عدم جواز الاقدام على التبني من قبل الافراد وعدم اعطاء تصاريح بالتبني للافراد من قبل السلطات القائمة لأن في ذلك مخالفة لاحكام الشريعة الاسلامية قطعية الثبوت والدلالة وذات الارتباط الوثيق بالعقيدة الاسلامية. مشيراً الى ان هذا لا يعني عدم جواز رعاية الاطفال الايتام مهما كانت الظروف والاسباب.